انفجرت الانقسامات داخل الحزب الديمقراطي على مرأى ومسمع من الجميع، مع نظرة متزايدة من جانب اليسار في الحزب إلى الصراع في الشرق الأوسط على أنه قضية مؤلمة تخص العدالة العِرقية وتحمل أصداء السياسة الأمريكية.

أعدَّت ليزا ليرر، وجنيفر مدينا، مراسِلتا الشؤون السياسية الوطنية في صحيفة «نيويورك تايمز»، تقريرًا نشرته الصحيفة الأمريكية عن الانقسامات داخل الحزب الديمقراطي التي يثيرها تجدد العنف الفلسطيني الإسرائيلي، موضحتَيْن أن الجناح اليساري في الحزب يمثل القيم الليبرالية ويطالب بإدانة عنف الدولة اليهودية.

وتشير المراسلتان في بداية تقريرهما إلى أنه في عام 1988، عندما حاول جيمس زغبي، مؤسس المعهد العربي الأمريكي، إقناع الديمقراطيين بإدراج أي إشارة إلى السيادة الفلسطينية في برنامجهم الانتخابي، رد قادة الحزب بتحذير واضح، وفقًا لما يتذكره: «إذا وردت كلمة الفلسطينيين في البرنامج، فسوف يفتح ذلك عليهم أبواب الجحيم». ولحرصهم على تجنب مواجهة غاضبة في المؤتمر، نُحِّيت القضية جانبًا دون تصويت.

الاحتلال الإسرائيلي

منذ 4 شهور
«ذي إنترسبت»: على العالم التعامل مع إسرائيل على أنها نظام فصل عنصري «أبارتيد»

والآن، ومع عودة العنف في إسرائيل والأراضي الفلسطينية وإعادة القضية إلى واجهة السياسة الأمريكية، انفجرت الانقسامات بين قيادة الحزب الديمقراطي والجناح الناشط على الملأ. وفي حين أن إدارة بايدن تتعامل مع الصراع المتنامي بوصفه تحديًا دبلوماسيًّا شديد الحساسية يشمل حليفًا راسخًا، ينظر اليسار الصاعد إلى هذا الصراع على أنه قضية مؤلمة تخص العدالة العِرقية وتعد متشابكة بشدة مع سياسات الولايات المتحدة.

حياة الفلسطينيين مهمة

وفيما يخص هؤلاء الناشطين في الحزب الديمقراطي، ترتبط الحقوق الفلسطينية والصراع المستمر منذ عقود على الأراضي في الشرق الأوسط بقضايا مثل وحشية الشرطة وظروف المهاجرين على الحدود الأمريكية المكسيكية. وينشر ناشطو الحزب الذين يناضلون من أجل العدالة العِرقية الآن رسائل ضد «استعمار فلسطين» باستخدام هاشتاج «حياة الفلسطينيين مهمة» #PalestinianLivesMatter.

ومع وجود الرئيس بايدن في البيت الأبيض، لا يكاد يُعد الدعم الأمريكي التقليدي لإسرائيل موضع شك من منظور السياسة؛ فقد أوضح الرجل دعمه للبلاد طوال ما يقرب من 50 عامًا في الحياة العامة. ومع ذلك، فإن شروط النقاش تتغير في الأوساط الديمقراطية.

وفي يوم الخميس، تسبَّبت مجموعة من الأعضاء التقدميين البارزين في الكونجرس في حدوث انقسام نادر في وحدة الحزب، إذ ألقوا خطابات نارية في قاعة مجلس النواب اتَّهمت بايدن بتجاهل محنة الفلسطينيين و«الانحياز إلى جانب الاحتلال». وتحدَّت النائبة ألكساندريا أوكاسيو كورتيز عن ولاية نيويورك الرئيس مباشرةً، وهو الذي أكد أن لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها، وسألت في خطاب حماسي: «هل للفلسطينيين الحق في الحياة. هل نؤمن بذلك؟ وإذا كان الأمر كذلك، فإننا نتحمل مسؤولية ذلك أيضًا».

Embed from Getty Images

وبعد أقل من 24 ساعة، وفي يوم الجمعة، أصدر ما يقرب من 150 منظمة ليبرالية بارزة بيانًا مشتركًا دعا إلى «التضامن مع السكان الفلسطينيين» وإدانة «عنف الدولة الإسرائيلية» و«الهيمنة» في القدس.

الصراع تجاوز نطاق السياسة الخارجية

وبحسب التقرير، لم توقِّع على البيان جماعات تركز على قضايا الشرق الأوسط والقضايا اليهودية فحسب، ولكن وقَّعت عليه أيضًا جماعات تكرس جهودها لقضايا مثل تغير المناخ والهجرة والنسوية والعدالة العِرقية – وهي إشارة إلى أنه فيما يخص الفصيل الليبرالي في الحزب، لقد انتقل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني إلى ما هو أبعد من نطاق السياسة الخارجية.

يقول السيد زغبي: «قاعدة الحزب تتحرك في اتجاه مختلف تمامًا عما تتحرك فيه مؤسسة الحزب. وإذا كنت تدعم حياة السود مهمة، فلن يكون من الصعب أن تتجه إلى القول بأن حياة الفلسطينيين مهمة أيضًا».

يقول قادة أكبر جماعة ضغط مؤيدة لإسرائيل في البلاد، وهي لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (إيباك)، إنهم واثقون من دعم البيت الأبيض والكونجرس لهم، مشيرين إلى استمرار دعم الكونجرس عن طريق تقديم عدة مليارات من الدولارات في صورة مساعدات لإسرائيل سنويًّا. وقبل أن تصعد ألكساندريا أوكاسيو كورتيز وغيرها من الليبراليين على المنصة لإلقاء كلماتهم في مجلس النواب يوم الخميس، عرض مشرِّعون ديمقراطيون آخرون «دعمهم الثابت الذي لا يتزعزع» لإسرائيل.

قال النائب تيد دويتش، وهو نائب ديمقراطي عن ولاية فلوريدا، في كلمة ألقاها: «من فضلك لا تنخدع بخيارات كاذبة: إسرائيل أو حماس. إذا طُلِب مني الاختيار بين منظمة إرهابية وحليفنا الديمقراطي، فسأقِف إلى جانب إسرائيل».

ومع ذلك، حتى السيناتور روبرت مينينديز، رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ المعروف بدعمه القوي لإسرائيل، قدم توبيخًا نادرًا يوم السبت، حيث أدان الضربات الأخيرة التي قتلت مدنيين فلسطينيين ودمَّرت مكاتب إعلامية.

ولم ترد إدارة بايدن على طلب للتعليق على الانتقادات من اليسار.

ويشير التقرير إلى أنه على مدار عقود من الزمان، قدم كلا الحزبين دعمًا شبه كامل لإسرائيل، مع اعتبار كلمات مثل «الاحتلال» و«فلسطين» بعيدة عن النقاش المقبول في واشنطن الرسمية. لكن الديمقراطيين اليساريين لم يعودوا يخجلون من مثل هذه المصطلحات.

النضال في فلسطين وفيرجسون

نقل التقرير ما قالته النائبة كوري بوش عن ولاية ميسوري، وهي ناشطة في برنامج «حياة السود مهمة» الآن خلال مدة ولايتها الأولى في الكونجرس، في كلمتها يوم الخميس في كابيتول هيل: «نحن نعارض توجيه أموالنا لتمويل أعمال الشرطة العسكرية الإسرائيلية والاحتلال وأنظمة القمع العنيف والصدمات. وإلى أن يصبح جميع أطفالنا آمنين، سنواصل النضال من أجل حقوقنا في فلسطين وفيرجسون (مدينة في ولاية ميسوري)».

Embed from Getty Images

وأشارت النائبة رشيدة طليب عن ولاية ميشيجان، وهي فلسطينية أمريكية من مدينة ديترويت، إلى نفسها على أنها «تذكير للزملاء بأن الفلسطينيين موجودون بالفعل، وأننا بشر»، قبل أن تدين «حكومة الفصل العنصري الإسرائيلية» من قاعة مجلس النواب.

ويعكس الجدل الدائر داخل الحزب الديمقراطي انقسامًا طويل الأمد بين اليهود الأمريكيين، وهم جماعة ديمقراطية وعلمانية في الغالب، وينخرطون في صراع خاص بشأن كيفية النظر إلى التوترات الإسرائيلية الفلسطينية. ويرى جيل أقدم أن إسرائيل شريان حياة أساسي وسط تزايد معاداة السامية العالمية، في حين يكافح الناخبون الشباب للتوفيق بين السياسات اليمينية للحكومة الإسرائيلية وقِيَمهم الليبرالية.

وأظهر استطلاع رأي نشره مركز بيو للأبحاث الأسبوع الماضي أن ثلثي اليهود الأمريكيين البالغين بعمر 65 عامًا فأكثر وصفوا أنفسهم بأنهم مرتبطون عاطفيًّا بإسرائيل، في مقابل 48% من البالغين اليهود بعمر يقل عن الثلاثين عامًا.

يقول دانيال جورديس، نائب الرئيس الأول في كلية شاليم في القدس، إن: «صعود سياسات الهوية جعل هذا الأمر شبه محتوم. يبدو الأمر كما لو كان صراعًا بين الضعيف والقوي، والمحرومين مِنْ حق التصويت ومَنْ يحق لهم التصويت، وعدِيمي الجنسية والدولة».

ويجادل في كتابه الأخير، الذي يأتي بعنوان: «نحن منقسمون أو We Stand Divided»، والذي يمعن النظر في الخلاف بين اليهود الأمريكيين وإسرائيل، أن تاريخ اليهود وإسرائيل يجب ألا يُنظر إليه من منظور التاريخ العنصري والسياسي للولايات المتحدة. وقال إن تجربة إسرائيل مختلفة بسبب العلاقات التوراتية لليهودِية بأرضها ولأن الدولة تأسست جزئيًّا بوصفها ملاذًا من معاداة السامية بعد المحرقة النازية.

وفيما يخص بعض الديمقراطيين اليهود الذين يَعُدُّون أنفسهم من المؤيدين الأقوياء لإسرائيل، أضافت العلاقة بين الرئيس السابق دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي اليميني بنيامين نتنياهو، عنصرًا حزبيًّا فظًّا إلى قضية معقَّدة بالفعل. لقد انحاز الرئيس السابق وإدارته معه إلى رئيس الوزراء الذي يعاني من متاعب وحقَّق هدفًا إسرائيليًّا طال انتظاره تمثل في نقل السفارة الأمريكية إلى القدس.

وفي المقابل، روَّج نتنياهو لترامب بين الجمهوريين والمسيحيين المحافظين في الولايات المتحدة، وارتقى بمركزه مع القادة الإنجيليين الذين يؤثرون في الناخبين والذين أثبتوا دورهم في دعم ترامب الانتخابي.

ربع اليهود يصوتون للجمهوريين

وأظهر استطلاع الرأي أن ما يصل إلى ربع اليهود في الولايات المتحدة يصوتون للجمهوريين، وهي زيادة ملحوظة في السنوات العديدة الماضية. ويعود هذا التحول إلى حد كبير إلى اليهود الأرثوذكس، الذين لا تزال أعدادهم صغيرة ولكنها في تزايد.

Embed from Getty Images

وأظهر استطلاع الرأي الذي أجراه مركز بيو أنه من بين اليهود الجمهوريين، قال ما يقرب من ثلاثة أرباعهم إنهم شعروا بارتباط قوي بإسرائيل، بينما أعرب 52% فقط من الديمقراطيين اليهود عن الاعتقاد نفسه. ومن المرجح على نحو أكبر أن يقول الديمقراطيون اليهود إن الولايات المتحدة تدعم إسرائيل أكثر من اللازم.

ولم تَمُر وجهات النظر المتغيرة بشأن إسرائيل والفلسطينيين مرور الكرام على الديمقراطيين اليهود. وفي رسائل البريد الإلكتروني الخاصة بالمعبد اليهودي ومجموعات «واتساب» الخاصة، يشعر اليهود الأمريكيون بالقلق بشأن وجود دعم مخلص لإسرائيل في الحزب، وينشرون تفاصيل حول مسيرات التضامن ويشجِّعون أعضاءهم على الاتحاد.

وبين رعيته في ضواحي فيلادلفيا، يخشى الحاخام شاي شيري من أن يصبح دعم إسرائيل أكثر إثارة للانقسام. ومع صعود السيدة ألكساندريا أوكاسيو كورتيز واليسار، و«الدعم الراسخ» لحكومة نتنياهو على اليمين، قال الحاخام في مقابلة، هناك شعور بأن «اليهود الأمريكيين الليبراليين يتعرضون للضغط».

ومثل عديد من رعيته، يشكك في سياسات حكومة نتنياهو، لكنه قال إن الوقت الحالي ليس هو الوقت المناسب لمناقشة النقاط الدقيقة في السياسة. وخلال الأسبوع الماضي، أرسل رسالة بريد إلكتروني إلى أتباعه يحثهم على «الاتحاد ضد أولئك الذين يشنون الحرب على وجود دولتنا اليهودية الواحدة والوحيدة».

وخلال الأشهر الأربعة الأولى من توليه منصبه، كرَّس بايدن القليل من الاهتمام للصراع الإسرائيلي الفلسطيني، وهي قضية مستعصية أربكت أسلافه. لكن أعمال العنف في الأيام الأخيرة، وهي الأسوأ منذ سنوات، أثبتت مدى صعوبة ذلك. والآن، يجد بايدن أن إدارته تتعرض لضربات من قوى متصارعة داخل تحالفه.

الإهمال ليس سياسة

يقول جيريمي بن عامي، رئيس مجموعة جيه ستريت (J Street) الموالية لإسرائيل والمؤيدة للسلام، والذي يود أن يرى بايدن أكثر انخراطًا في المنطقة: «الإهمال ليس سياسة». ومع اندلاع القتال، اعتمد بايدن على التكتيكات المألوفة. ويوم السبت، تحدث مع نتنياهو وأجرى مكالمته الأولى مع محمود عباس، رئيس السلطة الفلسطينية.

وحتى المدافعين عن حقوق الإنسان مثل زغبي، يعترفون بأن إيباك تحافظ على سيطرتها على واشنطن الرسمية. وقال: «نفوذهم في الكونجرس لا يزال هائلًا، لكنهم يعانون من تراجع على جميع الأصعدة.

Embed from Getty Images

وهل لا يزال بإمكانهم الحصول على خطاب موقَّع من 300 عضو؟ بالطبع يمكنهم ذلك. ولكن هل هذا هو موضع النقاش في الحزب»؟

يقول بعض المانحين الأكثر سخاءً في أمريكا للقضايا الإسرائيلية وسياسات الحزب الديمقراطي إنهم قلقون بشأن الأصوات الجديدة داخل حزبهم.

إسرائيل وادعاء الديمقراطية

قال حاييم سابان، أحد المانحين البارزين الذي انضم مؤخرًا إلى منظمة غير حزبية أسَّسها جاريد كوشنر صهر ترامب، لتعزيز العلاقات بين أربع دول عربية وإسرائيل: «أنا ديمقراطي، ولسوء الحظ هناك جناح يساري متطرف في الحزب الديمقراطي يمكنه استخدام بعض التثقيف بشأن ما هو في مصلحتنا الأمريكية. ويجب ألا يكون هناك جدال بشأن إسرائيل. إنها الديمقراطية الوحيدة في المنطقة وأوثق حليف لنا في المنطقة».

الاحتلال الإسرائيلي

منذ 4 شهور
شخصيات وتيارات ومراحل تاريخية فاصلة.. وثائقيات تشرح لك ما تحتاج معرفته عن القضية الفلسطينية

ومن بعض النواحي، بدأ التحول في الحزب الديمقراطي في ظل إدارة أوباما، عندما ضغط المسؤولون الديمقراطيون، بمن فيهم بايدن، من أجل إتمام الصفقة النووية الإيرانية. وتحدى نتنياهو رغبات الرئيس باراك أوباما، وعبَّر عن رفضه للصفقة في جلسة مشتركة للكونجرس، بدعوة من الجمهوريين. وأثار ظهور نتنياهو في الجلسة غضب عديد من الديمقراطيين، وبخاصة مؤيدي إسرائيل الذين يعارضون سياساته.

واقترح رون ديرمر، السفير الإسرائيلي السابق لدى الولايات المتحدة، الأسبوع الماضي أن إسرائيل يجب أن تركز أكثر على الدعم «العاطفي والصريح» للمسيحيين الإنجيليين بدلًا من اليهود الأمريكيين، الذين قال إنهم «مِنْ بين منتقدينا على نحو غير متناسب».

لكن عديدًا من التقدميين اليهود يقولون إن انتقادهم يأتي بدافع الحب والمثالية. وهم يجادلون بأنه من الحكمة أن تخفف الحكومتان الإسرائيلية والأمريكية بعضًا من النبرة الحزبية، وتجاوز ما يسمونه الخيار الخاطئ بأن تكون إما مؤيدًا لإسرائيل أو مؤيدًا للفلسطينيين.

واختتمت المراسلتان تقريرهما بقول الحاخَامة شارون بروس، وهي رئيسة إيكار (IKAR)، وهو معبد يهودي تقدمي كبير في لوس أنجلوس، إن: «ما يرغب فيه معظم اليهود الأمريكيين هو رؤية الإسرائيليين والفلسطينيين يعيشون بكرامة، في مجتمع يظله العدل والمساواة». وأضافت: «من الضروري أن ندعم طريقًا ثالثًا، وأن نعترف بصدمة الأجيال ومعاناة كلا الشعبين، وأن نخلق مستقبلًا عادلًا ومشتركًا للجميع».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد