ربما يكون بشار الأسد قد سيطر على درعا «مهد الثورة السورية»، إلا أن الهجمات ضد قواته هناك تُظهِر أنه لم يستطع حتى الآن ترويض هذه المحافظة الثائرة، وبسط سيطرته الكاملة عليها.

هكذا استهل توم رولينز الصحفي المستقل والباحث في الشؤون السورية مقالًا له على موقع «ميدل إيست آي» البريطاني حول مستجدات الأوضاع في مدينة درعا شمالي سوريا.

وأشار الكاتب إلى أنه في ليلة الحادي عشر من يناير (كانون الثاني) الجاري، اقتحمت مجموعة من المسلحين نقطة تفتيش على مشارف بلدة ناحتة بريف درعا الشرقي واعتقلت عددا من عملاء الاستخبارات الجوية السورية قبل أن يختفوا مرة أخرى تحت جنح الظلام.

وبعد ساعات، نفذ مسلحون هجومًا مماثلًا على نقطة تفتيش أخرى للقوات الموالية للحكومة تقع على مسافة 10 كلم جنوبًا قريب قرية الكرك الشرقي واعتقلوا مرة أخرى مقاتلين ومصادرة أسلحة.

وتابع الكاتب أنه في أعقاب تلك الهجمات، بدأت صفحات إعلامية معارضة نشر رسائل التضامن من المدن الواقعة في جميع أنحاء ريف درعا، وكان العديد منها يحمل الرسالة نفسها المكتوبة على قصاصات ورقية «نحن معكم حتى الموت»، إلى جانب مجموعة من البنادق والقنابل اليدوية.

عربي

منذ 7 شهور
بعد سقوط ثاني أكبر مدن المعارضة.. هذه خريطة سوريا الأخيرة التي ترسمها روسيا الآن

ويضيف رولينز أن الهجمات الأخيرة ضد القوات الحكومية ليست سوى مشهد واحد في خضم تزايد موجة الاغتيالات والمداهمات وحالات إطلاق النار من المركبات المارة وعمليات الاختطاف التي باتت تهيمن على الحياة في مدينة درعا الواقعة جنوب غربي سوريا.

بالنسبة للحكومة السورية، فإن هذه الهجمات تُعد بمثابة أدلة مثيرة للقلق على أن جهودها الأخيرة للوصول للمناطق المضطربة في جنوب سوريا لا تؤتي أكلها.

وبالنسبة للبعض، فإن التصعيد الأخير للعنف والاضطرابات، إلى جانب الاستجابة السياسية المنظمة، بدأ يظهر وكأنه تمرد يمثل العلامات الأولى لتصعيد كان يتوقعه مراقبون طيلة أشهر.

تمرد درعا

يقول الكاتب إن درعا لطالما مثَّلت شيئًا استثنائيًا خلال الانتفاضة السورية، حيث عُرِفت بأنها «مهد الثورة»؛ بعد أن تسببت الاحتجاجات التي انطلقت داخلها في آذار (مارس) 2011 في قدح زناد حركة احتجاجية أوسع في شتى أنحاء البلاد ضد بشار الأسد وحكومته.

كما أن كتائب الجيش السوري الحر بدرعا بدت لمراقبين خارجيين أنها أفضل أمل لسوريا ديمقراطية مستقرة دون وجود الأسد على رأس سلطتها، كما أن الجماعات المتمردة التي كانت تشكل الجبهة الجنوبية المدعومة من الغرب، نبذت المسلحين المتشددين الذين ظهروا في جماعات معارِضة أخرى.

Embed from Getty Images

وساعد الدعم القوي المقدم لدرعا من الحلفاء الإقليميين والمنظمات غير الحكومة الدولية والعديد من منظمات المجتمع المدني على الأرض، في خلق اقتصاد محلي مستقر نسبيًا ومستقلًا عن الحكومة السورية.

رغم ذلك، حوّلت القوات الموالية للحكومة بوصلة اهتماماتها تجاه مناطق جنوب غرب سوريا في منتصف العام 2018، بالتزامن مع تقدم الجيش السوري في الأراضي الخاضعة لسيطرة المعارضة في شتى أنحاء البلاد.

وعلى الرغم من التنبؤات بحدوث العكس، انهارت المعارضة داخل درعا في غضون أسابيع بسبب القوة العسكرية الهائلة والتسويات التفاوضية التي تسببت في تقليص حجم ما تبقى من أراضٍ تخضع لسيطرة المعارضة.

يرى الكاتب أن الطريقة التي استعادت من خلالها الحكومة سيطرتها على المناطق في درعا تكشف عن الكيفية التي ستُحكَم بها هذه المناطق لاحقًا، بمعنى أن المناطق التي استسلمت عادت للسيطرة المركزية الحكومية بشكل حد كبير، في حين أن المناطق التي تفاوضت على الاستسلام سُمِح لها بقدر من الاستقلالية.

أيضًا، احتفظت الجماعات المتمردة ببعض أسلحتها فيما سُمِح للجان المصالحة المحلية بقدر من الاستقلالية لا تشهدها مناطق أخرى داخل سوريا، وكانت نتيجة ذلك مجموعة من الهُدنات المحلية.

بدا واضحًا فيما بعد أن الحكومة السورية ستفعل ما كانت تقوم به من قبل؛ إذ شرعت في تنفيذ اعتقالات وعمليات إخفاء وقتل، أسفرت عن مقتل مجموعة من النشطاء والمسلحين وآخرين شاركوا في الحكم إبان خضوع درعا لسيطرة المعارضة.

ثم بدأ المتمردون السابقون هدير تمرد منخفض الحِدة مستهدفين ضباط الجيش والاستخبارات ومسؤولي المصالحة ومتمردين سابقين يعتبرونهم خونة يعملون مع حكومة دمشق، تلت ذلك اضطرابات بعد انتهاء النزاع داخل درعا، أصبحت منذ ذلك الحين تمثل أكبر تهديد للاستقرار المحلي.

في العام الماضي فقط، كان هناك ما لا يقل عن 305 محاولات اغتيال جرى توثيقها في شتى أنحاء محافظة درعا، بحسب مكتب توثيق شهداء درعا، وهي جماعة مراقبة محلية. كما أن عمليات الاغتيال والإخفاء القسري استهدفت جميع الأطراف الضالعين في الحياة السياسية الفوضوية في حقبة ما بعد الصراع داخل درعا.

الأسد يستعين بحسام لوقا لتحقيق الاستقرار داخل درعا

يقول الكاتب إنه في سبيل تحقيق الاستقرار داخل درعا، قرر الأسد الاستعانة باللواء حسام لوقا رئيس إدارة المخابرات العامة. وفي حين استمر العنف داخل درعا خلال العام الجديد، بدا أن صبر الحكومة ينفد.

ويضيف أن لوقا استضاف بدءًا من الشهر الماضي عددًا من اللقاءات، مع شخصيات مجتمعية داخل مدينة درعا، وفقًا لتقارير إعلامية ومصدرين آخرين على دراية بالأمر.

رغم أنه لم يعلن عن ذلك على الملأ، فإن حسام لوقا نال ترقية ليصبح رئيسًا للجنة الأمنية بدرعا.

ورغم أنه لم يعلن عن ذلك على الملأ، فإن حسام لوقا نال ترقية ليصبح رئيسًا للجنة الأمنية بدرعا؛ الأمر الذي منحه سلطات تنسيقية تفوق جميع الأجهزة الأمنية جنوب غرب البلاد.

ولا تُعد اللجنة ذاتها جديدة، إذ تضم شخصيات بارزة أخرى من أفرع الأمن المحلية في الجنوب، ومن بينها العميد لؤي العلي رئيس «شعبة الأمن العسكري» في المنطقة الجنوبية والذي يُقال إنه يتمتع بعلاقات وثيقة مع حزب الله اللبناني وإيران.

وجاءت ترقية لوقا ليحل محل اللواء محمد ديب زيتون في يوليو (تموز) العام الماضي، وكانت هذه الخطوة جزءًا من عملية تغيير أكبر في هيكل القيادة الأمنية السورية الذي أشرف الأسد عليها بنفسه.

وفرض الاتحاد الأوروبي منتصف العام 2012 عقوبات على لوقا، الذي يتحدر من ريف حلب الجنوبي، لمسؤوليته عن تعذيب معارضين أثناء احتجازهم خلال فترة رئاسته لفرع الأمن السياسي في محافظة حمص، وفقًا للاتحاد الأوروبي.

محاولة تهميش لجان المصالحة

تحدثت شخصية بارزة سابقة من الجيش السوري الحر لموقع «ميدل إيست آي»، شريطة عدم الكشف عن هويته. وقال إن لوقا عمل منذ ذلك الحين على تهميش لجان المصالحة في بعض مناطق درعا، التي كانت لا تزال تحظى باستقلال نسبي عن دمشق.

وأفاد موقع «زمان الوصل» المحسوب على المعارضة بأنه أثناء اجتماع لوقا مع ممثلي لجان المصالحة العام الماضي، قدم مجموعة من المطالب من بينها تسليم جميع المطلوبين والأسلحة الفردية للسلطات ووقف التظاهرات المناهضة للحكومة.

ويعتقد مصدر الجيش الحر في تصريحاته، استنادًا لما كان يقوم به لوقا خلال الشهرين الماضيين في جنوب سوريا، فإنه يحاول الحد من دور لجان المصالحة بقدر ما يستطيع لأنه لا يريد أن يكون لأي شخص سواه نفوذ في جنوب البلاد.

Embed from Getty Images

ووفقًا لباحث لديه اتصالات مع المجتمعات المحلية ومتمردين أقدموا على تسوية أوضاعهم، فإن لوقا أصبح يمثل الوجه الودود للحكومة منذ ذلك الحين.

وأوضح الباحث، الذي تحدّث شريطة عدم الكشف عن هويته لأسباب أمنية، للموقع البريطاني، أن لوقا وعد بإطلاق سراح المعتقلين ووقف الاعتقالات ومحاولة التوسط من أجل تقديم خدمات أفضل للسكان.

وتشير تقارير إلى أن لوقا طالب أسر المعتقلين في درعا بالتعامل بشكل مباشر مع مكتبه في مدينة درعا، بدلا من التعامل مع لجان المصالحة.

على العكس، كان المسؤولون الآخرون يردون على أية معارضة أو أي انتقاد لهم بالتهديد والوعيد.

على سبيل المثال، عندما طُلِب خلال العام الماضي من اللواء محمد محلا رئيس شعبة المخابرات العسكرية السورية الكشف عن مصير المعتقلين من ممثلي درعا رد قائلًا، بحسب ما نقلت تقارير إخبارية: «انسوا المعتقلين قبل 2014».

على الشاكلة ذاتها، هدد اللواء جميل حسن رئيس إدارة المخابرات الجوية السورية السابق، سيء السمعة – على حد وصف التقرير – صراحةً المجتمعات التي تثير الاضطرابات في درعا.

على الجانب الآخر، لم يلجأ لوقا إلى الترهيب، بل أطلق نقاشا صاخبًا حول رغبته في إنجاز الأمور. رغم ذلك يوضح الباحث أن لوقا فشل في مساعيه إلى حد كبير حتى الآن.و في غضون ذلك، يبدو أن صبر المجتمعات المحلية في شتى مناطق جنوب غرب البلاد ينفد.

«أهل درعا لن يقبلوا بالظلم»

بعد أسبوع من الهجمات التي وقعت في 11 من الشهر الجاري، التقت مجموعة من قادة العشائر والمجتمعات داخل درعا وقادة الجيش السوري الحر في منطقة «درعا البلد» الشطر الجنوبي بمدينة درعا والتي كانت تخضع سابقًا لسيطرة المعارضة.

ووقّع هؤلاء مجتمعين ميثاقًا مشتركًا يدين الموجة الأخيرة من عمليات الاغتيال والاختطاف في المنطقة والتي استهدفت متمردين سابقين. وجاء في البيان المشترك أن أهل درعا لن يقبلوا بالظلم أو الفساد وأنهم سيكونون يدًا واحدة لمعالجة الفساد بكافة أشكاله واستئصال جذوره.

التقى قادة المجتمع المحلي مجددًا، ونشروا قائمة مطالب مكونة من تسع نقاط موجهة للحكومة السورية.

ويوم الثلاثاء، التقى قادة المجتمع المحلي مجددًا، ونشروا قائمة مطالب مكونة من تسع نقاط موجهة للحكومة السورية، تتعلق بموجة الاعتقالات والإخفاء القسري الأخيرة والحكم الذاتي المحلي ومصير المعتقلين.

ووفقًا لأحد الموقعين على القائمة، ويسمى أبو قصي الكراد، وهو قيادي سابق في الجبهة الجنوبية للجيش السوري الحر، فإن «عمليات الاختطاف والقتل والإخفاء تتزايد وإننا نوجه أصابع الاتهام مباشرة للأجهزة الأمنية للنظام السوري».

ويأمل كراد أن تصبح هذه القائمة ميثاقًا ونموذجًا لبقية مناطق جنوب سوريا وصرح لموقع ميدل إيست آي: «بدأنا في درعا، لكننا سنوحِّد الريفين الشرقي والغربي أيضًا».

في غضون ذلك، قال المصدر التابع للجيش الحر: إن الحكومة السورية على الأرجح ستعلم بذلك الأمر وأضاف أنه يتوقع أن تستمر الأجهزة الاستخباراتية في محاولة اختراق المجتمعات المحلية وتصفية مثيري القلاقل خلال الأسابيع والأشهر المقبلة.

وقال المصدر: إن ذلك بمثابة تحذير للنظام، وهو يأخذه على محمل الجد.

الربيع العربي

منذ 8 شهور
«فورين أفيرز»: بشار الأسد أضعف من أي وقت مضى

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد