لم يكن الهجوم الانتحاري الذي استهدف مطعم «سيدتي الجميلة»، أحد أكثر المطاعم شهرة في مناطق شرق الموصل، أول تفجير في الأجزاء التي تسيطر عليها الحكومة، إذ يحاول تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش) منع الحياة الطبيعية من العودة إلى أي جزء من المدينة.

وفقًا لتقرير نشره موقع «ذا دايلي بيست» الأمريكي، تثير هذه الهجمات تساؤلات بشأن السيطرة الكاملة على الموصل، حتى لو تمكن الهجوم الحالي الذي تقوم به القوات العراقية بدعم غربي، من طرد مقاتلي التنظيم من الجانب الغربي لنهر دجلة.

الموقع الأمريكي نقل عن «محمد»، وهو نجل أحد أصحاب المطعم، والذي لقي أقرباء له حتفهم خلال الهجوم الانتحاري، قوله: «كان المطعم محط استهداف تنظيم داعش؛ لأن الحياة كانت تعود لطبيعتها في الموصل. يقع مطعمنا في حي الزهور، وهو الحي الموجود في وسط المدينة».

في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، انفجرت ثلاث سيارات مفخخة؛ مما أسفر عن مقتل 23 مدنيًّا في منطقة جوجالي المزدحمة. على الجانب الآخر من النهر، يستهدف المتمردون أيضًا شرق الموصل بقذائف الهاون، والطائرات بدون طيار التي تسقط قنابل يدوية على المدنيين، وحتى المدارس التي أعيد فتحها.

تحديات أمام قوات الأمن

 

 

كانت عمليات القتال قد توقفت في الضفة الشرقية في يناير (كانون الثاني)، بعد تطهير القوات الخاصة العراقية الجانب الشرقي من المتمردين، بعد أربعة أشهر من القتال.

ولكن كما تظهر التفجيرات، لم يكن الجيش قادرًا على القضاء على التهديد الجهادي، والذي يتجسد الآن في خلايا تنظيم داعش النائمة، بحسب ما ذكر التقرير.

مع إعادة نشر القوات الخاصة لمكافحة الإرهاب من أجل الهجوم على غرب الموصل، يسيطر الآن على مناطق شرق الموصل مزيجٌ من وحدات الجيش، ومجموعات الميليشيات، والشرطة الاتحادية، والمحلية. وتتولى قوات الشرطة في محافظة نينوى المحلية، وجهاز الأمن الوطني مسؤولية حماية المدينة.

يحمل عناصر قوات الأمن في نينوى أسلحة كلاشينكوف، ويرتدون الزي العسكري ذا اللون الأزرق، مستخدمين شاحنات أمريكية الصنع، ومزودة بمدافع رشاشة ثقيلة، ويقومون بدوريات في أحياء شرق الموصل، ويقيمون نقاطَ التفتيش.

بالنسبة لقوة الشرطة هذه، فإن توفير الأمن لسكان المدينة هو مهمة شاقة.

يعود ذلك جزئيًّا –بحسب التقرير- إلى أن تنظيم داعش قام بعمليات تجنيد واسعة خلال حكمه الذي امتد عامين ونصف للمدينة.

«هناك الكثير من الخلايا في الموصل الآن أكثر مما كانت عليه قبل الاحتلال. عندما رأى الناس هنا سقوط الكثير من الأراضي في يد داعش، ظنوا أن الحكومة لن تسيطر أبدًا مرة أخرى، والتحقوا بتنظيم داعش»، هكذا ينقل التقرير عن العقيد «هشام محمود» من جهاز الأمن الوطني.

القضاء على قوات الشرطة

 

قال التقرير إنه وفي حين تصاعدت أعداد الملتحقين بتنظيم داعش، فقد قضى التنظيم على قوات الشرطة التي كانت تتواجد في المدينة. شرع عناصر تنظيم داعش في حملة إبادة بعد اقتحام الموصل في عام 2014. ويعتقد أن الآلاف من رجال الشرطة وأفراد الأمن لقوا مصرعهم بعد مطاردتهم من قبل عناصر التنظيم المنتصرين. وألقيت الجثث في مقابر جماعية خارج المدينة.

التقرير نقل عن «زياد طارق»، رجل الشرطة البالغ من العمر 27 عامًا، والذي فقد بصره في حادث انفجار قنبلة على جانب الطريق قبل سيطرة تنظيم داعش على الموصل في عام 2014، قوله: «أخذ تنظيم داعش جميع رجال الشرطة، وأفراد الجيش الذين وجدهم، وقتلهم. والغالبية العظمى من رجال الشرطة قتلوا».

قبل سيطرة التنظيم على الموصل، بلغ عدد أفراد الشرطة في الموصل 28 ألفًا، وفقًا للعقيد «عدي صابر»، الذي فر من المدينة لمنطقة الحكم الذاتي الكردية، والتي قاتلت قواتها إلى جانب الجيش العراقي خلال العامين الماضيين. يتبقى الآن 6000 من عناصر الأمن فقط في نينوى، بحسب العقيد «صابر» الذي قال: «هناك العديد من الرجال الذين لا نملك معلوماتٍ عنهم، ولا نعرف إذا كانوا أمواتًا أم لا».

ومع ذلك، فقد أورد التقرير أن بعض رجال الشرطة، وبعض الجنود الذين تمكنوا من الفرار من الموصل عام 2014 تم تدريبهم من قبل الجيش الأسترالي والإسباني في مخيمات في بغداد، والكوت، وديالى. وقد أكملت أول دفعة تتكون من 1700 شخص دورةً تدريبيةً لمدة خمسة أسابيع في بغداد، وعلى وشك أن يتم نشرها في الموصل.

وشدد التقرير على أن مدينةً قد تفاقمت فيها الخلافات الطائفية في الماضي بسبب سوء السلوك من جانب قوات الأمن، فتعزيز الشرطة المحلية هو خطوة حكيمة.

مظالم سنية

 

 

لم تكن فرق الجيش العراقي المتمركزة في الموصل قبل سيطرة تنظيم داعش، تحظى بأي شعبية بين السكان المحليين. وبينما كان يشار إليها بسخرية باسم «جيش المالكي»، أصبحت قوة الأغلبية الشيعية مرادفة للتمييز ضد الأقلية السنية في البلاد من قبل الحكومة، في ظل رئيس الوزراء السابق «نوري المالكي».

أوضح التقرير أن هذه المظالم ساعدت التنظيم الأقوى بالعالم حاليًا على إنزال هزيمة ساحقة بالقوة التي كانت تفوقهم عدة وعتادًا، عندما اقتحموا المدينة ذات الأغلبية السنية.

فيما تحظى الميليشيات الشيعية التي تسيطر الآن على الأرض في المناطق المحررة شرق الموصل، تحظى بسمعة مشكوك فيها، ومتهمة بارتكاب انتهاكات خطيرة ضد حقوق الإنسان بحق المدنيين السنة.

العقيد «صابر» أضاف بقوله إنه من المهم أن يكون رجال الشرطة من الموصل، مشيرًا إلى أنه وقبل داعش، لم تكن الأمور تمضي بشكل جيد بين قوات الأمن العراقية والمواطنين. كان سقوط الموصل سياسيًّا أكثر من كونه عسكريًّا.

التقرير أفاد أن العقيد «صابر» عاد فقط إلى الموصل قبل أيام قليلة، ويبذل قصارى جهده لإعادة القانون والنظام، وقبل كل ذلك الأمن. وقد أقام ضباطه نقطة تفتيش في شارع مزدحم، ليراقبوا المركبات عن كثب.

 

مساعدة من المواطنين

 

ذكر التقرير أيضًا أن لتنظيم داعش جذورًا عميقة في الموصل، كما أنه أشرف على تشغيل شبكة من الإرهابيين، التي انتزعت الملايين من الدولارات شهريًّا، واغتالت المعارضين قبل وقت طويل من السيطرة على المدينة.

ولكن بعد أكثر من عامين من حكم داعش الهمجي، فقد انحسر دعم التنظيم، ويأتي المزيد من السكان لمساعدة الشرطة.

«أصبح الجهاديون نشطين في عام 2004. وسوف يكون من الصعب القضاء عليهم. ولكن الآن الأمر مختلف، لأننا نحصل على معلومات استخباراتية من المواطنين»، هكذا يقول العقيد «صابر».

العقيد «إبراهيم»، وهو من قدامى المحاربين في قوة شرطة نينوى، نقل عنه التقرير قوله: «إننا نحصل على المزيد من المعلومات حول خلايا داعش الآن أكثر مما كان يحدث قبل سقوط المدينة، وذلك لأن تنظيم داعش كان وحشيًّا جدًّا، وكان الوضع في المدينة سيئًا للغاية تحت سيطرته».

وذكر التقرير أنه بات بإمكان الضباط الآن الحصول على ما يصل إلى 200 مكالمة في اليوم، كما يقولون.

إلا أنه وخوفًا من الانتقام، ما يزال كثير من الناس في شرق الموصل يخافون من التحدث ضد تنظيم داعش. بالنسبة للبعض، يحدث ذلك لأن الشرطة تعاني نقصًا في الموظفين.

يختتم «محمد» بقوله: «تعتقل الشرطة أعضاء داعش، ولكنهم يسمحون لهم بالرحيل مرة أخرى بعد يومين؛ لأنه لا يوجد أي دليل على ارتكابهم الجريمة. يخشى المواطنون أن يخبرونهم عن الخلايا النائمة خشية أن يتم قتلهم للتعبير عن رأيهم».

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد