“تحقيق الجارديان يكشف عن دور واسع للسلطات التايلاندية، والصيادين، وتجار البشر في استعباد الآلاف من الروهينجا ممن كانوا محتجزين في معسكرات الغابة المميتة” .


يحتجِز المهربون والتجار مهاجري الروهينجا في معسكرات الغابة المميتة والتي يسجنون فيها لفترة، قبل بيعهم كعبيد لإنتاج المأكولات البحرية على ظهر سفن الصيد التايلاندية، والتي تصدّر فيما بعد لجميع أنحاء العالم، كما تتبع تحقيق أجرته “الجارديان”.

و سعيًا وراء تعظيم أرباحهم، حوّل بعض الصيادين المحليين في تايلاند نشاط قواربهم إلى نقل مهاجري الروهينجا بدلًا من صيد الأسماك، حيث تبدو تجارة العبيد مربحة للغاية. إذ كشف التحقيق عن روابط قوية، ومربحة، بين تجارة تصدير المأكولات البحرية التايلاندية، وبين عصابات التهريب الدولية التي كانت تحتجز – حتى وقت قريب – الآلاف من مهاجري الروهينجا في معسكرات بالغابات.

أشارت شهادات العديد من الناجين، والسماسرة، ومجموعات حقوق الإنسان إلى أن المئات من رجال الروهينجا قد بيعوا بالفعل عن طريق شبكة معسكرات الاتجار بالبشر التي اكتُشفت مؤخرًا في جنوب تايلاند.

وحسبما أفادت شهادات البعض ممن تم بيعهم من المعسكرات إلى القوارب، فقد حدث ذلك مرارًا بعلم وتورُّط بعض المسؤولين في الدولة التايلاندية، حتى إنه في بعض الحالات تورط موظفون تابعون لمراكز احتجاز المهاجرين هناك في تسليم المهاجرين من الروهينجا للسماسرة تمهيدًا لبيعهم إلى قوراب الصيد التايلاندية فيما بعد.

وفي حالات أخرى، قام مسؤولون تايلانديون بتسلّم المهاجرين فور وصولهم لشواطئ البلاد من المتاجرين بالبشر، ونقلهم إلى معسكرات الغابة حيث يتم احتجازهم هناك إما للحصول على فدية ممن يقدر على ثمنها أو بيعهم لقوارب الصيد كعبيد وعاملين بالسُخرة.

تقدّر صناعة المأكولات البحرية في تايلاند بنحو 7.3 مليار دولار سنويًا، يتم تصدير الغالبية العظمى من منتجاتها. في تحقيق آخر أجرته الجارديان العام الماضي، تتبعت فيه سلسلة توريد الجمبري الذي ينتج عن طريق عمال السُخرة أيضًا ويصدّر لمحلات السوبرماركت البريطانية والأمريكية. ورغم عدم القدرة على الربط بشكل قاطع بين الحالات الفردية للسفن التي تستخدم عمال الروهينجا كعبيد وبين نوع معين من منتجات المأكولات البحرية المصدّرة للأسواق، إلا أنه من المرجح وصول كمية من المأكولات المنتجة بواسطة هذا النوع من العمالة إلى أرفف المحلات الغربية التي تمثل سوقًا مهمة لاستيراد الناتج التايلاندي.

وقد لوحظ على أية حال أن حجم شبكات الاتجار بالبشر، التي تجني أرباحها الطائلة من وراء يأس مئات الآلاف من الروهينغيا عديمي الجنسية “أو من يُطلق عليهم لاجئو القوارب أحيانًا، لعدم حصولهم على أية أوراق رسمية تفيد انتماءهم لدولة ما”، أصبح في ازدياد خلال الأسابيع الماضية.

أشار التحقيق إلى بداية المأساة، حين فرّ عشرات الآلاف من الروهينجا تحت وطأة التطهير العرقي الذي ترعاه الدولة في بورما خلال الأشهر الثلاثة الأولى من هذا العام. عديمو الجنسية، ومشردّون، لا يرغب في وجودهم أحد، فلم يكن لهم خيار سوى الهروب إلى البحر في محاولة يائسة لعل أمواجه تصل بهم جنوبًا حيث الأمان النسبي في ماليزيا.

وفي مارس، أخبر يانغي لي – المقرر الخاص المعني بحقوق الإنسان في بورما – مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة عن الوضع هناك في مخيمات النازحين داخليًا من الروهينغيا أنه كان من الصعوبة بحيث لم يكن للناس سوى خيارين اثنين، إما “البقاء والموت” أو “المغادرة بالقوارب”.

*المسار الذي يسلكه مهاجرو الروهينجا نحو ماليزيا.

*المسار الذي يسلكه مهاجرو الروهينجا نحو ماليزيا، المصدر: الجارديان

بيد أن محنة هؤلاء الضحايا قد استقطبت الاهتمام الدولي في الآونة الأخيرة عقب اكتشاف عدد من السفن المهملَة التي حوت مئات من المهاجرين البنغال واللاجئين الروهينجا المتضورين جوعًا، حيث رفضت تايلاند وماليزيا وإندونيسيا السماح لهم بالنزول إلى الشواطئ.

وفي مايو، اكتشف المسؤولون في تايلاند وماليزيا أيضًا عددًا من سجون الغابات والمقابر الجماعية التي استخدمها المتاجرون كأماكن احتجاز ومقرات لإتمام الاتفاقات وعمليات البيع، كانت معسكرات الغابات تلك بمثابة سجون مكشوفة في الهواء الطلق يقبع فيها المهاجر أسيرًا حتى يحرره ذووه مقابل فدية مالية غالبًا ماتتجاوز الألف جنيه. كما تعرض المحتجزون هناك لاعتداءات عدة، تراوحت مابين الاغتصاب والتعذيب والضرب حتى الموت.

أما من لم يتمكنوا من دفع الأموال التي طالب بها الخاطفون فتم بيعهم في سوق العبيد مقابل رسوم معينة يدفعها قباطنة القوارب، وذلك حسب شهادات الناجين من المعسكرات وبعض السماسرة، وجميعهم تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته، الأمر الذي يدعم صحة ادعاءات الجماعات الحقوقية التي تحقق منذ مدة في مسألة الاتجار بالروهينجا.

وكان من ضمن الشهادات شهادة لمهاجر شاب من الروهينجا، وصف للمحققين كيف تم بيعه من قبل تجار العبيد ونقله من معسكرات الغابة إلى قارب يحمل العلم التايلاندي في مدينة سونكلا، جنوب تايلاند، قبل أن يلوذ بالفرار في نهاية العام الماضي، يقول “نقلونا (من المعسكرات) بواسطة القوارب والسيارات، وصلنا إلى سونكلا ووُضعنا في سفينة الصيد” وأضاف “اضطررنا مجبرين على العمل هناك لأربع سنوات كاملة، وخلال هذه المدة، لم تعد السفينة للشاطئ أبدًا”.

 

وقال ماثيو سميث، المدير التنفيذي لمنظمة “فورتيفاي رايتس” في بانكوك، في إشارة إلى العلاقة الممتدة منذ فترة طويلة بين المعسكرات وصناعة الأسماك: “إن الرجال والأولاد غير القادرين على الدفع لنيل حريتهم، غالبًا ما يكون البديل هو بيعهم لقوراب الصيد ليقوموا بأعمال السُخرة”، وأشار إلى أن هذا الوضع ليس طارئًا، بل هو قائم في قطاع الصيد التايلاندي منذ التسعينات تقريبا.

وفي مقابلة مع أحد السماسرة في بانكوك، اعترف باستخدام الروهينجا كعبيد في الصيد التجاري، وحكى كيف أنه باع نحو 100 شخص من مخيمات الغابة خلال العام الماضي، والبعض في وقت مبكر من هذا العام، مقابل ربح يقترب من 30,000 بات تايلاندي، أي ما يعادل حوالي 900 دولار للفرد الواحد. وقال “هؤلاء المهاجرون اشتراهم قادة القوارب التايلاندية، لم يُسمح لهم أبدًا بمغادرة القوارب خوفًا من فرارهم، ومن ثم يخسر القباطنة عمالتهم”، وأضاف أنه سمع ما تردد عن أن المهاجرين العاجزين عن العمل كان يلقى بهم في البحر حين يصبحون بلا فائدة حقيقية. وإضافة إلى المهاجرين من الروهينجا، باع أيضًا مهاجرين من لاوس وبورما وكمبوديًا كعبيد على ظهر سفن الصيد.

ورغم الحملة التي شنّتها الحكومة التايلاندية ضد استخدام السُخرة، تشير الأدلة إلى أن بيع الروهينجا المحتجزين في الغابات ظل قائمًا حتى وقت مبكر من هذا العام.

وفي هذا الصدد، تواجه تايلاند ضغوطًا غير مسبوقة لمعالجة مسألة الاتجار بالبشر وتطهير صناعة صيد الأسماك بها، حيث أمهلها الاتحاد الأوروبي – بدءًا من شهر أبريل – ستة أشهر للقضاء على الصيد غير القانوني والانتهاكات بحق العمال، إما ذلك أو ستضطر لمواجهة حظر تجاري قد يودي بها لخسارة مايقرب من مليار يورو سنويًا في صادرات المأكولات البحرية. ونتيجة لذلك، في الأشهر الأخيرة، وفي محاولة لتفادي حظر الاتحاد الأوروبي، ادّعت تايلاند اتخاذ إجراءات صارمة، وإغلاق جميع معسكرات الاتجار بالروهينجا النشطة، وكذلك الدفع باتجاه سلسلة من الإصلاحات في قطاع المأكولات البحرية، بما في ذلك مطالبة أصحاب القوارب بتسجيل العمال المهاجرين والخضوع لتراخيص جديدة وتسجيل جميع القوارب والمعدات.

وقال بيتيبونج فوينجبون -وزير الزراعة والجمعيات التعاونية – الأسبوع الماضي في الاتجاه نفسه: “إن الحكومة لا تتعمد إيذاء أحد، لكن يجب علينا ضبط نظام الصيد في البلاد”.

لكن من ناحية أخرى من المرجح أن يؤدي ذلك لارتفاع أسعار المأكولات البحرية في أنحاء البلاد، ووفقًا لجمعية مصائد الأسماك التايلاندية بالخارج، فمن المرجح كذلك أن تتوقف حوالي 3000 سفينة صيد عن العمل خوفًا من الغرامات الناتجة عن عدم امتثالها للوائح الجديدة.

وفي الأسبوع الأول من شهر يوليو من هذا العام، دخل الصيادون في 22 مقاطعة في جميع أنحاء البلاد إضرابًا للاحتجاج على الإصلاحات التي فرضتها الحكومة فجأة، والتي تكلف صناعة الأسماك نحو444 مليون دولار شهريًا، حسب قولهم.

كما يقول الصيادون في رانونج أن هذه الإصلاحات، إلى جانب عقود من الصيد الجائر وتدمير البيئة، قد دفعت برصيد الثروة السمكية إلى حافة الهاوية، وأنهم غير قادرين على كسب أقواتهم منها، وبدلًا من ذلك، أصبحوا يلجأون لصنف آخر من الأعمال وهو “الاتجار بالبشر”.

في هذا الإطار قال أحد الصيادين معلقًا: “في الواقت الراهن يصعب أن تجد الأسماك في خليج تايلاند، أما هذا النوع من العمل فإنه يكسبني المال، لأكون صادقًا، فأنا أريد جني المال والربح، وستكون قواربنا مناسبة لهذا العمل لا سيما أن حجمها الكبير يسمح بنقل حوالي 300 إلى 400 شخص تقريبًا في المرة”.

وأخبر مالك قارب محلي آخر الجارديان أنه يعرف 10 قوارب تعمل من نفس المنفذ وتنقل على متنها حوالي 12.000 مهاجر روهينجي في الشهر الواحد، وباعتبار الفدية التي تطلب من كل شخص مهاجر، تقدر قيمة هذا العدد كليًا بنحو 24 مليون دولار. واستطرد قائلًا أنه يجني ماقيمته 900 دولار من خلال الصيد، أما إن استغل قاربه في نقل الأشخاص فسيجني مايقرب من 3000 دولار.

من جهة أخرى، تأمل تايلاند من خلال جهدها العام في التصدي لمشاكل الاتجار بالبشر أن يُكسبها ذلك تحسنًا في تقرير وزارة الخارجية الأمريكية حول الاتجار بالبشر للعام الجاري، والذي يقيّم البلاد تبعًا لمدى نجاحها في مكافحة أنشطة المهربين والمتاجرين بالبشر، والمقرر صدوره هذا الأسبوع.

كذلك في عام 2014، في التحقيق الذي أجرته الجارديان عن العمال الآسيوين العاملين بالسخرة في إنتاج الجمبري لمحلات السوبرماركت في الولايات المتحدة وبريطانيا، هبطت تايلاند إلى الفئة الثالثة، وهي أدنى تصنيف ممكن.

أما الجماعات الناشطة في مناهضة الاتجار بالبشر فتعتبر أن التغييرات التي أجرتها السلطات التايلندية ليست كافية لإحداث تغيير حقيقي، وفي حديث مع ميلسا سبيربر – مدير تحالف القضاء على الرق والاتجار بالبشر, وهو ائتلاف من عدة منظمات مناهضة للتهريب والاتجار بالبشر – قالت إنه “منذ تخفيض رتبتها في تصنيف العام الماضي، أعلنت تايلاند عن تشريعات أكثر صرامة للتصدي لعمليات الاتجار، غير أننا لم نلحظ أي دليل على تحسّن حقيقي”.

واختتمت قائلة “شركاؤنا في الميدان يؤكدون أن هذه التغييرات ليست إلا تغييرات شكلية وتجميلية بالأساس، وأنها لا تعدو مجرد كونها دعاية لا ترتبط بالضرورة بتغيير ملموس على أرض الواقع، ولاتزال تتوافد إلينا التقارير عن عبودية الديون والاسترقاق والعنف في أنشطة الصيد التصديرية في تايلند”.

 

وقامت “الجارديان” بعدة محاولات للتواصل مع الحكومة التايلاندية، غير أنها لم تتلق جوابًا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد