حذر «صامويل تادرس»، وهو زميل في مركز معهد هدسون للحرية الدينية، وزميل زائر في معهد «هوفر» لدراسات الشرق الأوسط، حذر من مغبة ما وصفه بـ«التعصب» و«الاضطهاد» الذي يعانيه الأقباط

في مصر وفي جميع أنحاء الشرق الأوسط.

وقال «تادرس» في مقال نشرته مجلة «ذي أتلانتك» الأمريكية «إن الهجرة توفر ملاذًا آمنًا للأقباط؛ للفرار من المجتمعات التي يعانون فيها الاضطهاد والتمييز».

تعليقات الكاتب استندت إلى حالات عديدة رصدها، ومن بينها قصة «توني عاطف» المصري القبطي الذي حرم من الانضمام إلى ناديه المفضل لكرة القدم؛ لأسباب تتعلق بديانته، بحسب ما ذكر الكاتب.

وقال الكاتب، بينما كان يرصد قصة «توني» «القليل كان يمكن أن يضعف حماسة توني عاطف البالغ من العمر 13 عامًا، بينما كان يرتدي زي ناديه المصري الأكثر نجاحًا لكرة القدم، الأهلي، متوجهًا إلى المشاركة في اختبارات كرة القدم بالنادي. بعد أن سجل توني هدفين، اقترب المدرب منه ليسأله عن اسمه؛ لتسجيله بين الذين تم قبولهم، ولكن حلمه مات بسرعة؛ عندما لاحظ المدرب الوشم الصغير من الصليب على معصمه. عاد توني إلى المنزل بسرعة. لن يكون هناك مكان للمسيحيين الأقباط في فريق كرة القدم المصري».

انتشرت قصة «توني» بسرعة، بعد أن ذهب شقيقه إلى الشبكات الاجتماعية لشجب التعصب والتمييز. وأمام الشعور بالحرج، دعا النادي «توني» لاختبار آخر، ولكن بعد فوات الأوان.

التهديد الأكبر

وأضاف الكاتب أن قصصًا مماثلة انتشرت عن الأطفال الأقباط الآخرين، الذين يتعرضون للرفض من قبل فرق كرة القدم الأخرى. وأشارت صحيفة مصرية  لى أنه لم يكن هناك قبطي واحد بين 540 لاعبًا في الدوري. في الواقع، لم يكن هناك سوى خمسة أقباط بين لاعبي الدوري في العقود القليلة الماضية، وبعض منهم تحدثوا عن التمييز الذي واجهوه.

خلال قداس أقيم منذ عدة أيام، شق انتحاري تابع لتنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش) طريقه داخل كنيسة القديس «بطرس بولس» القبطية في القاهرة، وفجر قنبلته، وأسفر الحادث عن مقتل 25 شخصًا، معظمهم من النساء.

الكاتب تابع بقوله: إن التفجير الأكثر دموية منذ تفجير ليلة رأس السنة في كنيسة القديسين في الإسكندرية عام 2010، قوبل بالإدانات السريعة من الحكومات في جميع أنحاء العالم، مشيرًا إلى أنه، وبقدر ما تذكر مثل هذه الهجمات العالم بمحنة الأقباط، فإن معاناتهم اليومية مع التمييز والاضطهاد، هي ما تشكل أكبر تهديد لمستقبلهم.

وقال الكاتب «بصرف النظر عن عدم ارتداء النساء القبطيات الحجاب والصليب، يفخر معظم الأقباط بالوشم على معاصمهم، وهناك بعض الاختلافات في الظهور الجسدي للأقباط والمسلمين في مصر. لم يعش أي من الطائفتين في مدن أو مناطق منفصلة، كما هو الشائع في بلدان الشرق الأوسط الأخرى، حيث بقاء الأقليات الإثنية والدينية يتشابك بعمق مع الجغرافيا».

يذكر أن كلمة قبطي اشتقت من Aigyptos، الكلمة اليونانية لمصر، منذ اللحظة التي نشر فيها القديس «مرقس الإنجيلي» الإنجيل في مصر، أصبحت كنيسة الأسكندرية دعامة المسيحية في فترة العصور القديمة المتأخرة. مفصولة عن باقي المسيحية بعد خلاف فقهي حول طبيعة المسيح في «مجمع خلقيدونية» الذي انعقد عام 451، تنتمي الكنيسة القبطية إلى العائلة الأرثوذكسية الشرقية من الكنائس التي تضم الكنائس الأرمنية، الأريترية، الأثيوبية، والسريانية.

ذمي

وقال الكاتب «إنه لعدة قرون، عاش الأقباط والمسلمون جنبًا إلى جنب، وكانت العلاقات بينهما في كثير من الأحيان محفوفة بالتمييز والاضطهاد، تتخللها فترات من التعايش والاستيعاب».

وأعاد الكاتب إلى الأذهان ما ذكره اللورد «كرومر»، الحاكم البريطاني لمصر بين عامي 1883-1907، بقوله:

«لأغراض التعميم الواسع، الفرق الوحيد بين القبطي والمسلم هو أن الأول هو المصري الذي يعبد في الكنيسة المسيحية، في حين أن هذا الأخير هو المصري الذي يعبد في المسجد المحمدي».

وعلق الكاتب قائلًا: إن كونهم أقباطًا، لم يكن مسألة بسيطة لحضور أماكن مختلفة من العبادة، وإنما السمة البارزة التي تشكل حياتهم. القبطي كان ذميًا، وهو مصطلح إسلامي يستخدم للإشارة إلى المسيحيين واليهود، وهو ما يعني «الشخص المحمي»، وهو مواطن من الدرجة الثانية، يتم تذكيره باستمرار بدونيته. حتى في ذروة تجربة مصر مع الليبرالية بين عامي 1923-1952، لم يتمكن القبطي أبدًا من الهرب من هويته القبطية، ولا ـ للمفارقة ـ إحضارها إلى الساحة العامة. تحت حكم الحكام العسكريين في مصر، ساءت محنة الأقباط فقط.

وانتقد الكاتب سياسات الدولة المصرية تجاه الأقباط بقوله إنه على الرغم من تصريحات المساواة من قبل الدولة، لم يكن القبطي أبدًا مواطنًا مصريًا على قدم المساواة في نظر القانون. القوانين المصرية هي، في الواقع، تهدف إلى تذكيره أنه مواطن من الدرجة الثانية. بالنسبة له، لا يزال بناء كنيسة مهمة شاقة. يجب عليه اتباع قوانين الميراث الإسلامية، ولا يمكنه تبني الأطفال. قوانين محاربة الإلحاد المصرية تستهدفه على وجه الحصر.

واستطرد بقوله «إنه من الناحية القانونية، هو غير محروم من تعيينه في أي منصب. ولكن وظيفيًا، هذا هو الواقع. استبعاد الأقباط من المناصب الحكومية الهامة: الحكومة الحالية لديها وزير قبطي واحد فقط، وليس هناك أي قبطي واحد رئيسًا لجامعة. تتم المحافظة على الحصة غير الرسمية 1% للأقباط في الجيش والشرطة والقضاء والسلك الدبلوماسي، في حين لا يسمح بالتواجد لقبطي واحد في الأجهزة الأمنية للدولة أو الاستخباراتية. حتى تاريخه ليس بمنأى عن التمييز، مع استبعاد التاريخ القبطي، ومساهمات الأقباط في مصر عبر القرون من الكتب في البلاد».

التعصب

ولكن تمييز الدولة- بالنسبة للكاتب- وهجمات وتحريض الإسلاميين على العنف، وفشل الدولة في حمايتهم، جنبًا إلى جنب مع إجبارهم على ممارسة جلسات المصالحة بعد كل هجوم، بدلًا من تطبيق القانون ومعاقبة المعتدي، ليس هو ما جعل حياة الأقباط لا تطاق. بدلًا من ذلك، إنه التعصب الذي يواجهونه من العديد من مواطنيهم. الأقباط يعرفون بالضرورة الكثير عن الإسلام من خلال نظام التعليم، والإعلام، وجيرانهم. لا يمكن أن يقال المثل عن معظم المصريين المسلمين ومعرفتهم عن الأقباط.

في مقال في مارس (آذار) الماضي، روت صحفية قبطية أن زميلة في العمل سألتها بقولها «هو أنا ممكن أسألك ومن غير زعل..هو خطيبك يوم الفرح هيبات فين؟»؛ بالنظر إلى أن المرأة المسيحية مطلوب منها النوم مع كاهن في ليلة زفافها، وفقًا لما عرف عن الأقباط بشكل خاطئ.

أطلق المقال موجة من التعليقات المنشورة على الشبكات الاجتماعية من قبل القراء المسلمين، الذين أشاروا إلى هذا المفهوم الخاطئ وغيره من المفاهيم الخاطئة الأخرى، التي تبنوها حول مواطنيهم.

ورصد الكاتب مفاهيم أخرى خاطئة يعتنقها البعض بشأن الأقباط، ومن بينها:

– في ليلة رأس السنة الجديدة، تطفئ الكنائس الأضواء، بحيث يمكن للرجال والنساء تقبيل بعضهم البعض.

– البابا «شنودة» الراحل، زعيم الكنيسة القبطية بين عامي 1971-2012، اقترح خطة لاستعادة مصر المسيحية عن طريق ترتيب إجراء الأطباء الأقباط عمليات الإجهاض للمرأة المسلمة.

وفقًا للكاتب، هذه ليست مجرد معتقدات متعصبة اعتنقها البعض، ولكنها أمراض لها آثار عميقة. لم يتم السماح لقبطي أن يصبح أستاذ طب النساء والتوليد في أي من الجامعات المصرية.

هل هناك بدائل؟

وتساءل الكاتب بقوله:ما الذي يحمله المستقبل للأقباط في مصر؟ هل يمكن للمجتمع الذي عانى لألفي سنة أن ينقرض بالفعل؟

وأجاب بقوله «إنه في جميع أنحاء الشرق الأوسط، يبدو أن الإجابة نعم. تقدم الجغرافيا، الحليف منذ فترة طويلة للأقليات العرقية والدينية في المنطقة، حماية قليلة تذكر في مواجهة الأسلحة الحديثة والمنظمات الشمولية».

وقال الكاتب «إنه إذا كانت الحداثة قاسية على هذه الأقليات، فقد عرضت أيضًا لهم بديل الهجرة. يعيش أكثر من مليون قبطي الآن في الغرب، حيث تزهر كنيستهم القديمة. اليوم، هناك أكثر من 600 من الكنائس القبطية في جميع أنحاء العالم. في عام 1971، كان هناك اثنان من الكنائس القبطية في الولايات المتحدة؛ اليوم، هناك 235. الكنيسة القبطية ظاهرة متنامية في جنوب الصحراء الكبرى في إفريقيا، حيث سمحت جذورها الإفريقية، وعدم وجود ماض استعماري بجذب أكثر من نصف مليون إفريقي.

واختتم الكاتب بقوله « التراجع والبقاء على قيد الحياة، التفتت والقدرة على التحمل، كانت وجوهًا مشتركة للمسيحية القبطية في ظل حكم الإسلام. اليوم هذان الوجهان يسيران جنبًا إلى جنب، يفصل بينهما فقط الجغرافيا. وعلى الرغم من أن ملايين الأقباط يواجهون الاضطهاد، ليس هناك مكان في الغرب لثمانية ملايين آخرين. ولكن الأفضل تعليمًا، وهم الذين يتحدثون اللغة الإنجليزية، ويمتلكون المهارات اللازمة للنجاح خارج مصر، سيغادرون. أما الأشقاء الأكثر فقرًا سيبقون. سيواصل أقباط مصر الرحيل. ولكن في ديار الهجرة يكتبون فصلًا جديدًا من النهضة».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات