أفردت مجلة «ذا نيويوركر» تقريرًا مطولًا عن حياة بابلو إسكوبار، تاجر المخدرات الشهير، والإرث الذي تركه بعد موته، في ضوء الانتعاش الأخير لـ«سياحة المخدرات»؛ إذ يأتي الزوَّار لتفقُّد الأماكن التي عاش فيها إسكوبار، بعد الأعمال الفنية الأخيرة التي تناولت حياته. قال التقرير:

لما كان روبرتو إسكوبار يعمل كبيرًا للمحاسبين في عصابات ميديلين في الثمانينات، كان يتعامل مع مليارات الدولارات سنويًا، وكان المال وفيرًا إلى حد أنه كان يضعه في حقائب بلاستيكية ويدفنه في الريف. كان روبرتور المعروف بـ«إل أوسيتو»، أو الدب الصغير، الأخ الأكبر لتاجر المخدرات بابلو إسكوبار، الذي كان حينها من بين أغنى الناس في العالم؛ إذ كان مسؤولًا عن إمبراطورية تهريب مخدرات امتدت من كولومبيا إلى عشرات الدول الأخرى. ومع أنَّ روبرتو لم يكن قط مفرطًا كأخيه، فإنه قد اعتاد السفر في طائرات خاصة، وأدرج أولاده في مدرسة داخلية سويسرية. وفي إحدى المرات، بينما كان يمشي في الغابة محاولًا التملص من مطارديه، رمى في النهر حقيبة تحتوي 100 ألف دولار؛ لأنها كانت ثقيلة.

واليوم، بعد أن أمضى روبرتو إسكوبار 14 عامًا في السجن، صار يكسب قوت يومه من إرشاد السياح لأحد «البيوت الآمنة» السابقة التي كانت تمتلكها أسرته. ما يزال روبرتو – 71 عامًا – يبدو كمحاسب؛ إذ يرتدي قميصًا قصير الأكمام من الكاكي، ونظارات عريضة الإطار. ولَّما كان في السجن، انفجر طردٌ مفخخ أُرسل إلى زنزانته، فعميت عينه اليمني، وأصيب بالصمم في أذنه اليمنى.

وقال التقرير: «إنَّ روبرتو كان مرشدًا سياحيًا خشنًا؛ إذ كان يدفع الزوار من غرفة إلى أخرى، لكنَّ شعور أولئك الزوار بالذهول منعهم من الشكوى على ما يبدو». كانت إحدى الجدران الخارجية مثقبة من آثار الرصاص الناتج عن محاولة اختطاف. وكان هناك قارب كهربي «جت سكي» من المفترض أنه نفس القارب الذي استعمله روجر مور في فيلم «جيمس بوند»، بجانب صورة فوتوغرافية لإسكوبار يقود القارب فوق المياه الزرقاء. وتحت طاولة للكتابة في غرفة المعيشة رفع روبرتو لوحًا خشبيًا يقود إلى حجرة سرية، ثم قال: «هنا كان يمكننا حشر مليوني دولار» ثم أغلق اللوح بعنف. أما في غرفة الطعام، فقد أشار روبرتو إلى لوحةٍ زيتية لحصان سباق بُنِّي يدعي «إيرثكويك» (زلزال). وحكى غاضبًا كيف سرق الأعداء الحصان منه، ثم أعادوه مخصيًا. هز روبرتو رأسه وقال: «لا يمكن تبرير أي عمل من أعمال العنف».

وقال التقرير: إنّ روبرتو قد أنشأ عام 2014 شركةً قابضة، «شركة إسكوبار»؛ للحصول على امتياز لاستعمال اسم العائلة، لكنه مجرد لاعب صغير في صناعة متنامية؛ إذ يحاول عددٌ متزايد من الناس الذين عرفوا بابلو إسكوبار، موظَّفين، وأقارب وأعداء، بيع نسخ من حياته وموته الأسطوريين، مشجِّعين على تنامي صناعة من الكتب والبرامج التليفزيونية والوثائقيات. فإلى جانب الجولات السياحية التي تجرى في ميديلين ثمَّة باعة تذكارات يبيعون قبَّعات كرة سلة، ومطافئ سجائر، وأقداحًا، وميداليات مفاتيح عليها جميعًا صور إسكوبار؛ وتباع قمصان عليها صور إسكوبار، جنبًا إلى جنب مع المعروضات التذكارية للبابا فرنسيس.

وذكر التقرير عددًا من الأفلام التي استعرضت فيها «هوليوود» قصة إسكوبار في السنوات القليلة الماضية: مثل «Escobar Paradise Lost» و«The Infiltrator» و«Loving Pablo» و«American Mede»، لكنَّ العمل الذي كان مسؤولًا أكثر من غيره عن هذه الطفرة السياحية، هو مسلسل «ناركوس»، من إنتاج «نتفليكس»، الذي لعب فيه الممثل البرازيلي واجنر مورا دور إسكوبار، بصفته سيكوباتيًا ومولهًا بعائلته في الوقت ذاته. لا تكشف نتفليكس عن أعداد المشاهدين، لكن من المقدر أنَّ العدد وصل إلى 3 ملايين. وفي عام 2016 أرسلت شركة إسكوبار خطابًا إلى نتفليكس تطالبها فيه بالتعويضات جراء الاستيلاء على قصة العائلة. وقال روبرتو، في مقابلة صحافية مع «هوليوود ريبورتر»، إنه إذا لم يُدفع له مليار دولار؛ فسوف «يغلق لهم عرضهم الصغير هذا»، (وقد رفضت إسكوبار ونتفليكس التعليق على إمكانية حدوث تسوية).

لا يجادل أحد في أنَّ بابلو كان قاتلًا، ومعذّبًا، وخاطفًا، لكنه كان محبوبًا من قبل الكثيرين في ميديلين، وهو محل انبهار خارجها بشكل متزايد. كان بابلو في أوج مجده أشهر خارج عن القانون في الكوكب؛ إذ كان يتحكم في حوالي 80٪ من الكوكايين الداخل إلى الولايات المتحدة، وذا ثروة تقدر بـ3 مليارات دولار. وما يزال بابلو أشهر مواطن كولومبي؛ فهو رائد أعمال ذو «كاريزما» وطموحاتٍ لا حد لها، كان يبتهج بصورة روبن هود المرسومة له، حتى في الوقت الذي قتل فيه آلاف الناس لتقويض الحكومة. وفي كولومبيا يؤثر تراثه على الجميع تقريبًا، لكنَّ عددًا قليلًا من الناس يتفقون حول ما إذا كانت قصته ينبغي النظر إليها بصفتها قصة مسلية، أو قصة تحذيرية.

وقال التقرير: «إنَّ روبرتو قد وقف في نهاية الجولة، لالتقاط السيلفي مع الزوار، والتوقيع على صور لإسكوبار، مع نسخ لمذكراته»، وهي كتاب صغير الحجم بعنوان: «أخي بابلو». وقال كاتب التقرير، إنه لما سأل روبرتو عن سبب استمرار أخيه في إلهام الناس حتى الآن، قال: «لأنَّ بابلو ساعد أفقر الناس في هذا البلد». ولم يزد شيئًا على هذا الشرح. ولما سأله إن كان أخوه رجلًا صالحًا أم لا؟ هز روبرتو كتفيه قائلًا: «بالنسبة لي: نعم».

وقال كاتب التقرير، إنه التقى جيسوس كوريا، وهو موظف بإحدى شركات خدمات الدفن، وأحد الذين يقدرون الطابع الأسطوري في حياة إسكوبار. تمشَّى كوريا مع كاتب التقرير؛ حتى وصلا إلى مقهى في الهواء الطلق مطلي باللونين الأصفر والبرتقالي، حيث كان الرجال يحتسون البيرة، ويشاهدون مباراة كرة قدم على التلفاز. قال كوريا: «هنا بدأ كل شيء». إذ كان هذا المقهى المسمى «لا دوس تورتوجاس» (السلحفتان) في أوائل السبعينات نقطة التجمُّع المفضلة للّصوص والمهربين. وكان بابلو إسكوبار، الذي ترك تعليمه الجامعي، قد اشترك في تجارة بيع شواهد القبور المسروقة والسجائر الأمريكية المهربة. وكانت تجارة المخدرات الكولومبية مزدهرة في ذلك الوقت، وإن كانت تتشكَّل معظمها من الماريجوانا. ووجد إسكوبار نفسه في سوق الكوكايين الأمريكي الذي كان قد بدأ في الازدهار.

كان كوريا يقوم بعمله الخاص هو الآخر؛ إذ كان يبيع العطور الفرنسية المهرّبة من أحد معارفه في بنما، ثم يبيعها في ميديلين، وفي إحدى المرات استدعاه أحد رجال إسكوبار إلى المقهى وسأله إن كان يستطيع أن يحضِّر له عطورًا من «ماركة كارتيي وشانيل». ولما رد بالإيجاب، بدأ رجال العصابات شراء العطور منه لصديقاتهم، وأصبح كوريا معروفًا باسم «إل برفيوميرو».

كان كوريا يشعر بالسعادة لارتباطه بأشخاص يحملون ألقابًا من عينة «قذارة» و«العنكبوت». وهناك في هذا المقهى كان القتلة المأجورون يجتمعون للتخطيط لعمليات القتل والاختطاف والتفجير. كان بعضهم رجال شرطة يجيئون لتغيير أزيائهم الرسمية قبل مهاجمة زملائهم. أما كوريا فقد كان مبهورًا، وتدريجيًا أصبح زائرًا مرحبًا به. وقال إنَّ سبب اختلاطه بأولئك الناس هو «الفضول الشهواني. لما كنت صغيرًا، قرأت قصص إليوت نيس، وكنت مبهورًا بعصابات شيكاغو في ذلك الوقت. وكنت أظن أنن مع كل المجرمين الذين تعرفت عليهم هنا سوف أكتب كتابًا يومًا ما، لكنَّ أصدقائي حذروني من أنني سوف أموت خلال ستة شهور».

وتذكر كوريا يوما ما عندما بدأت جماعة من رجال إسكوبار في مناقشة عملية قتل كانوا يخططون لها، فقال: «نهضت ناويًا مغادرة الغرفة، لكنَّ أحدهم قال: ابق. نحن نثق بك؛ فبقيت». وأدرك كوريا في تلك اللحظة أنه تجاوز الحد. قال: «أنا قارئ نهم لتاريخ الحرب العالمية الثانية. والشيء الذي لاحظته أنَّ أولئك الموجودين في معسكرات الاعتقال، تأتي عليهم لحظة ما يعتادون فيها على كل شيء يجري حولهم. أعني لقد عانيت من كل ما كان يجري: هذا العنف، لكنَّه الفضول المَرَضي».

لما ثبت بابلو إسكوبار مكانته بوصفه شخصية عامة في أوائل الثمانينات، وجد آخرين مستعدّين لحكاية قصته دون إطلاق أحكام. من ذلك أنَّ مجلة «سيمانا» الأسبوعية نشرت عام 1983 مقالًا بعنوان: «روبن هود مقاطعة أنتيوكيا». وصف المقال إسكوبار بأنه رجل أعمال في الـ33 من عمره، وطموح سياسيًا، ومحبّ لمدينته، ويمتلك مزرعة خاصة ضخمة وأسطولًا من المروحيات والطائرات. وتجنّبت المجلة الكلام عن مصدر ثروة إسكوبار، ولم تزد على القول: إنَّ هذا الأمر «محل تخمينات واسعة».

Embed from Getty Images

كان إسكوبار قبل ذلك قد قام بحملةٍ لدخول البرلمان، أنفق فيها بسخاءٍ على الأحياء الفقيرة في ميديلين. وكان قد حاول في البداية الانضمام لـ«الحزب الليبرالي» واسع الانتشار، الذي كان يقوده سياسي شاب يدعى «لويس كارلوس جالان»، لكنَّ محاولته فشلت؛ عندما أدانه جالان قائلًا إنّه رجل مافيا. فانضم إسكوبار إلى فرعٍ مختلف من الحزب بمساعدة سيناتور قوي فاسد يدعى «ألبرتو سانتوفيميو».

وهكذا فقد وصل بابلو إسكوبار إلى البرلمان، وبدأ في العمل لبناء قاعدةٍ انتخابية في ميديلين وما حولها. وعلى هذا الأمر علقت مجلة «سيمانا» قائلة: «أعماله المدنية يبدو أنها لا تعرف حدودًا؛ إذ تشمل أحياءً بكاملها، وملاعب كرة قدم، وأنظمة إضاءة، وبرامج إعادة تشجير، وتبرعات بجرارات وبلدوزرات… إلخ. ويعمل الآن على برنامج لبناء ألف بيت في قطعة أرض ضخمة يمتلكها. وكان قد اشترى هذه الأرض بغرض بناء حي لإعادة تسكين مئات الأسر الفقيرة من الأحياء الفقيرة في ميديلين، وقد وفر بالفعل وظائف للبعض في شركة البناء الخاصة به».

لكنَّ السبب الرئيس لاهتمام إسكوبار بالسياسة كان واضحًا. فبحسب المقال ذاته، فإنَّ «شاغله السياسي الأكبر حاليًا هو «معاهدة تسليم الكولومبيين». فهذه المعاهدة – التي بموجبها يمكن للكولومبيين المقيمين في بلادهم، لكن عندهم مشكلات مع الولايات المتحدة، أن يُسلّموا إلى سلطات أمريكا – بالنسبة له كانت هذه المعاهدة تشكِّل انتهاكًا للسيادة القومية».

ومع ذلك، فلم تتحقق طموحاته السياسية؛ إذ سرعان ما أدانه وزير العدل، رودريجو لارا بونيلا؛ بوصفه رجل عصابات. رد إسكوبار باتهام كاذب للوزير بأنه عميل لعصابات المخدرات، لكنَّ صحافيًا بارزُا يدعى جويرمو جانو كشف عن قصة قديمة تظهر القبض على إسكوبار قبل سبع سنوات، بتهمة حيازة 39 رطلًا من الكوكايين. ومن ثم فقد طُرد إسكوبار من البرلمان، وبدأ «مكتب التحقيقات الفيدرالية (FBI)» التقصي عنه؛ فاختفى إسكوبار، وبدأت رحلة البحث الطويلة عنه.

Embed from Getty Images

وفي شهر مارس (أذار) 1984، أغار عملاء كولومبيون وأمريكيون على المقر الرئيس للعصابة، وهو مجمَّع ضخم كان يشتمل على ما لا يقل عن سبعة معامل، ومهابط طائرات، وكوكايين تزيد قيمته على مليار دولار. بعد ذلك التاريخ بشهر انتقم إسكوبار، عندما أطلق اثنان من رجاله على دراجة نارية النار على سيارة وزير العدل في بوجوتا؛ فأردياه قتيلًا في الحال.

أمضى بابلو إسكوبار سبع سنوات مطاردًا، لكنَّ مخاوفه لم تكن نظام العدالة الكولومبي، قدر ما كانت إدارة مكافحة المخدرات الأمريكية. ومن أجل إجبار الدولة على الانسحاب من معاهدة التسليم مع الولايات المتحدة، عرض إسكوبار وشركاؤه على القضاة ووكلاء النيابة مكافآت، مع تحذيرات موقعة باسم «القابلون للتسليم». وقتل رجال عصابته آلاف الناس، بما في ذلك 250 ضابط شرطة في مدينة ميديلين. وقتل رجاله عام 1986 جانو الصحافي، وأطلقوا النار على عدوه السياسي القديم «لويس كارلوس جالان» عند ظهوره في حملة انتخابية رئاسية عام 1989. وقتل الكثير من المدنيين أيضًا، بما في ذلك 107 من ركاب وطاقم طائرة أمر إسكوبار بتفجيرها عام 1989؛ عندما ظن أنها تحمل على متنها سياسيًا غير متعاون معه. (وهو ظن تبين خطؤه لاحقًا). ولإجبار الحكومة على التفاوض اختطف إسكوبار كولومبيين بارزين، كثير منهم صحافيون، بما في ذلك ابنة رئيسٍ سابق. وكان مبدؤه الذي يطبقه: «إما الفضَّة أو الرصاص»: فإذا لم تأخذ ماله، تلقيت رصاصة.

وقال التقرير: إنَّ ثمة مسلسلًا آخر من إنتاج نتفليكس بعنوان: «إسكوبار الناجي» مبني على مذّكّرات «جون خايرو باباي فيلاسكيز»، وهو واحد من كبار قتلة إسكوبار المأجورين. وقد استفاد باباي من المجد المتزايد لإسكوبار بعد أن أتمَّ عقوبة السجن لـ23 عامًا عام 2014. فبالإضافة إلى مسلسل نتفليكس سالف الذكر، أقام باباي برنامج «يوتيوب» خاص به بعنوان: «باباي التائب»، يصوّر فيه نفسه وهو يحكي قصصًا من الأيام الخوالي، ويعلِّق على الأخبار، ويشتم أعداءه، (واصفًا إياهم بالـ«فئران الحقيرة!»)، وموبخًا مدربي كرة القدم الذين لا يلاقون توقعاته. وعلى الرغم من اسم البرنامج، فإنَّ باباي لا يبدو شديد التوبة؛ إذ عادة ما يعبر عن إعجابه بإسكوبار الذي يسميه «الباترون» (الزعيم 9) ويعترف مبتهجًا بجرائمه؛ إذ اعترف بقتل أكثر من 250 شخصًا، بما في ذلك العديد من السياسيين البارزين، وبالمساعدة على قتل حوالي 3 آلاف آخرين.  بالنسبة للكثير من الكولومبيين الذين يشعرون بالخجل من الارتباط بذكرى إسكوبار، فإنَّ وقاحة باباي أمر مثير للغضب. لكنَّ معجبيه يحبونه؛ إذ يحظى برنامجه على يوتيوب بحوالي 600 ألف مشترك، معظمهم من الشباب اليمينيين الذكور.

Embed from Getty Images

جزء من مقر إقامة إسكوبار

وقال التقرير: إنَّ من الأسباب الجزئية لعودة سياحة المخدرات إلى كولومبيا، أنَّ البلد يشهد استقرارًا غير معتاد بعد عقود من القتال الشرس، بعد أن وقعت الحكومة، بقيادة الرئيس خوان مانويل سانتوس عام 2016 معاهدة سلام مع جيش العصابات الماركسي المعروف بـ(فارك)، لكنَّ باباي لا يعجبه ذلك الأمر. فقد قال: «لن يكون هناك سلام في كولومبيا». وهو يرى أنَّ سانتوس ليس إلا «خائنًا محترفًا»، وأنَّ هذه المعاهدة تهدد سلامة كولومبيا من خلال السماح للشيوعيين بالترشح للمناصب الحكومية.

وقال التقرير: إنَّ باباي لم يكن معارضًا للعنف، بل إنه اعترف بسعادة بأن إسكوبار، في محاولته لزيادة الحلفاء في القتال ضد الجماعات الإجرامية المنافسة، ساعد على تكوين عدد من الميليشيات اليمينية الوحشية، وتكلَّم بدفءٍ عن الرئيس السابق ألفارو أوريبي فيليس، الذي يتهم بشكل متكرر بمساعدة الميليشيات، (بل اتُهم بمساعدة إسكوبار نفسه، وإن كان قد أنكر هذه الاتهامات). وقال باباي: «نحن بحاجة إلى حكومة يمنية متطرفة هنا لإيقاف كولومبيا من الخضوع للشيوعية» ثم أشار إلى سلسلة الجبال المحيطة بميديلين، التي تعد معقلًا للميليشيات، وقال: «ثمة 50 ألفًا من الرجال المسلحين في هذه الجبال بالفعل. يوم تصل فارك إلى السلطة فسوف نصبح 200 ألف، ولو ضممنا المدن؛ فسوف نصل جميعًا إلى 500 ألف. وسوف يمولنا رجال الصناعة، وسوف يكون الكوكايين هو العامل المحرك لكل هذا». ويرى باباي نفسه لاعبًا أساسيًا في هذه الحرب المستقبلية، مسميًا نفسه «أكثر الكولومبيين خبرة» في أمور العنف.

وقال باباي إنه قتل أبرياء، وقطع ضحاياه أجزاءً، لكنه فعل ذلك لأنَّ أعداءه فعلوا الأمر ذاته لجماعته أيضًا. وعلى كل حال فقد كانت تلك وظيفته في هذه الأيام. كان يقاتل فيما كان يعتقده حربًا ضد دولة فاسدة، وضد معاهدة تسليم المجرمين مع الولايات المتحدة. أما جواب سؤال (كيف كنت تنام الليل؟) فهو أنه كان يضطجع على السرير، ويسحب الأغطية ويغمض عينيه. ذلك أنه لم يكن عنده وقت «لهذا الهراء العاطفي».

Embed from Getty Images

منذ أن أصبح فيديريكو جوتيريز عمدة لمدينة ميديلين عام 2016، وقد شن حملة لرفض ما يسميه «الماضي» ـ ويعني بذلك تجارة المخدرات والعنف؛ إذ كانت ميديلين في ذروة فوران قضية بابلو إسكوبار عاصمة القتل في العالم حيث قتل فيها أكثر من 6 آلاف شخص عام 1991، لكنَّ المدينة حوَّلت نفسها خلال العقدين السابقين باستثماراتٍ ضخمة في المواصلات العامة، بما في ذلك العربات المعلقة (التلفريك) التي تربط الأحياء الفقيرة على سفوح التلال بوسط المدينة، وحديقة نباتات، ومنطقة حفلات، ومتحف علمي تفاعلي للأطفال. وقال التقرير: «إنَّ الكثير من الأحياء الفقيرة في المدينة ما تزال واقعة تحت سيطرة العصابات، لكنَّ الأمن تحسن. وفي العام الماضي وقعت 577 حالة قتل. بالنسبة للمحافظ، فإنَّ باباي يمثل مشكلة علاقات عامة».

نشأ جوتيريز خلال فترة العنف، وما يزال يتعجب من كيفية تحوُّل الأمور. وقال جوتيريز: «هذه لم تعد مدينة بابلو إسكوبار، وإنما هي المدينة التي حاول إسكوبار تدميرها وفشل».

وقال التقرير: «إنَّ مغني الراب الأمريكي، ويز خليفة، قد زار ميديلين، في شهر مارس الماضي لإلقاء حفلة، ثم زار قبر إسكوبار». لاحقًا نشر خليفة صورة له على «إنستجرام» وهو يدخن سيجارة ماريجوانا على القبر، مع رسالة تقول: «التدخين مع بابلو». ظهر جوتيريز في التلفاز وقال: إنَّ مغني الراب هذا شرير بلا حياء، وإنه كان ينبغي له أن يحضر زهورًا لضحايا إسكوبار، بدلًا عن ذلك. بعد ذلك نشر ويز خليفة اعتذارًا على إنستجرام قال فيه: «لم أقصد إهانة أي شخص بأنشطتي الشخصية.. سلام وحب». لكنَّ جوتيريز لم يستطع التحكُّم في نفسه عند الكلام عن هذا الموضوع؛ إذ قال: «ينبغي لنا أن نوقف ثقافة المخدرات هذه. لقد ظن ويز خليفة أنَّ بإمكانه أن يأتي هنا ويدافع عن الجريمة، لكنه اكتشف أنه لا يستطيع ذلك».

وقال جوتيريز إنه وفريقه يكافحون من أجل استعادة قصة ميديلين. وقال: «إذا لم تحك قصتك بنفسك، فسوف يحكيها الآخرون نيابة عنك» وقريبًا سوف يفتتح المحافظ معرضًا جديدًا في متحف الذاكرة؛ «لعرض جانب الضحايا من القصة. لن نخفي التاريخ الحقيقي، لكننا لا نريد لأولئك الذين تسبّبوا في كل هذا الأذى أن يكونوا قادرين على التفاخر بأنفسهم باعتبارهم أبطال. الأبطال الحقيقيون هم الضحايا. نريد أن نكون رمزًا لما حدث: مدينة انهارت، لكنها قامت على قدميها مرة أخرى».

وقال التقرير: «إنَّ الجولات السياحية غير الرسمية عادة ما تتوقف بمبنى موناكو، وهو برج سكني متجهِّم من ثمانية أدوار من الخرسانة المسلحة، بناه إسكوبار لعائلته. وقد زرعت عصابة (كالي) المنافسة لإسكوبار عام 1988 سيارة مفخخة قوية خارج المبنى، بينما كانت أم إسكوبار وزوجته وأطفاله في الداخل. ومع أنَّ أحدًا منهم لم يُصب إصابةً شديدة؛ فقد هربوا ولم يعودوا بعد ذلك. وقال جوتيريز إنه يخطط لهدم المبنى وعمل حديقة في مكانه، لكنه بحاجة إلى الانتصار على شرطة ميديلين التي تريد تجديد المبنى ليصبح مقرًا للمخابرات».

 

القلعة التي سجن فيها بابلو

في إحدى المشاهد الشنيعة في مسلسل «ناركوس» يقتل بابلو إسكوبار اثنين من شركائه لشكّه في إخفائهم بعض المال عنه. قتل الأول بضربه حتى الموت بمضرب، وعندما انتهى وقد تلطخ وجهه وملابسه بالدم ضرب رجاله الثاني حتى الموت، لكنَّ القصة التي بني عليها المشهد لا تقلّ شناعة. فبحسب شهادة باباي، فقد قُتل الضحيتان، فرناندو جاليانو، وجيراردو مونكادا، رميًا بالرصاص، ثم قطِّعا وحرقا في الفرن.

وقع هذان المشهدان في (القلعة)، وهو السجن الذي أقام فيه إسكوبار بعد توقيعه صفقةً لتسليم نفسه عام 1991. يقع هذا المركز غير المستخدم لإعادة التأهيل من المخدرات، والذي أعيد تجديده لاستقبال إسكوبار، في بقعة معزولة في الحواف المليئة بالغابات في هضبة إنفيجادو، ويشرف على منظرٍ رائع لميديلين. وقد وافق إسكوبار بموجب هذه الصفقة على قضاء بعض السنوات هناك؛ مقابل تعهُّد الحكومة بعدم تسليمه إلى الولايات المتحدة. ولم يؤدِّ السجن إلى الحد من نشاطه؛ إذ عمل قتلته المأجورون حراسًا له، وظل منخرطًا في تجارة الكوكايين. وبعد أسابيع من اختفاء الزوار لسجن إسكوبار في شهر يوليو (تموز) 1992، حاولت الحكومة نقل إسكوبار إلى منشأة أكثر أمنًا، لكنَّه فر خلال ذلك. ولأكثر من عام طورد إسكوبار من تحالف من أعدائه.

وفي الثاني من ديسمبر (كانون الأول) 1993، تتبَّعت الشرطة مكالمة هاتفية بين إسكوبار وابنه، خوان بابلو، في منزل آمن في إحدى أحياء ميديلين. هجمت القوات الخاصة الكولومبية على البيت، وقتل إسكوبار بثلاث رصاصات، بينما كان واقفًا على سطح بيته. كان إسكوبار عاري القدمين، كبير اللحية، يرتدي بنطلونًا من الجينز. وانتشرت صورة له راقدًا على بطنه، وقد برزت بطنه من تحت القميص البولو الأزرق. وقد أعاد الفنان الكولومبي هذا المشهد في لوحة بطولية بالزيت سماها «موت بابلو إسكوبار»، تظهره واقفًا على السطح مع بندقية في يده، بينما تئزّ الرصاصات حوله، مثل حشراتٍ تضايق عملاقًا.

وقال التقرير: إنَّ عائلة إسكوبار يعتقدون أنه قد قتل نفسه قبل وصول السلطات إليه، بل إنَّ القسيس إلكين لم يقتنع حتى أنه قد مات حقًا؛ إذ قال: «لو سألتني هل بابلو مات أم لا، فسوف أقول لك: إنني لا أعتقد أنه قد مات. لقد كان رجلًا حكيمًا وذكيًا». وحرك القسيس ذراعيه حوله للإشارة إلى أنه قد يكون مختبئًا في أي مكان. وقال: إنَّ بعض السكان المسنين يعتقدون أنَّ لاكاتدرال (القلعة التي سًجن بها) مسكونة. وقد رأوا وسمعوا أشياء، ليست أشباحًا، بل أرواح. وقال: إنَّ هذه الأرواح قد ظهرت له أيضًا، وأحيانًا ما كانت تنقر على كتفيه.

في الذكرى العشرين لموت إسكوبار، اجتمعت مجموعة من الناس، مرتدين القمصان البيضاء، حول قبره. كانوا هناك لحضور «قداس مغفرة» نظمته أخته لوز ماريا. بعد موت إسكوبار، هاجرت زوجته وأولاده إلى الأرجنتين، لكنَّ لوز ماريا بقيت، وفي السنوات التالية نظَّمت الكثير من القداسات لمصالحة إسكوبار مع الضحايا وعائلاتهم. لاقت لوز نجاحًا هذه المرة. أعطت كل واحد من الحاضرين بذرة رمزية، لمساعدتهم على «ترك المغفرة تدخل قلوبهم وتنمو فيها». وقال التقرير: إنَّ فتاة مراهقة تركت ملحوظة على قبر إسكوبار مكتوبًا فيها: «قيل لي: إنك فعلت أشياءَ حسنة وأشياءَ سيئة، لكنَّ ذلك لا يهم الآن. ارقد في سلام».

Embed from Getty Images

لوز ماريا.. أخت بابلو

وقالت لوز ماريا: «عندي شعار دائمًا ما أحاول الاقتداء به وإخباره لوسائل الإعلام: لا للمخدرات، لا لتهريب المخدرات، لا للعنف، ونعم للمغفرة». وقال التقرير: إنَّ الندم في كولومبيا، حيث يعتنق 80٪ من السكان الكاثوليكية، قد يكون أمرًا قويًا، لكنَّ روبرتو إسكوبار، لما سئل إن كان نادمًا على جرائمه، أجاب بالنفي، وقال: «ليس من المهم أن تكون تائبًا. فأنا مؤمن».

عام 2009 ظهر خوان بابلو ابن إسكوبار في فيلم وثائقي بعنوان «خطايا والدي»، تواصل فيه مع ضحايا أبيه، واعتذر نيابة عن عائلته. وتصالح الابن مع ذكرى والده في كتاب كتبه عام 2014 بعنوان «بابلو إسكوبار: أبي». كان خوان بابلو في الـسادسة عشرة من عمره لما قُتل أبوه، أما الآن فهو رجل حزين النظرة ممتلئ الجسم، ذو شبه لا تخطئه العين بأبيه. قال خوان بابلو إنه  عرف حقيقة عائلته لما كان في السابعة، حين أخبره بابلو إسكوبار بوضوح: «أنا خارج على القانون». ومن ذلك الحين، كان لهما طقس صباحي يقرأ فيه والده الجريدة، ويشير إلى جرائم القتل المنسوبة إليه، ويقول: «لم أرتكب هذه. أما هذه فقد ارتكبتها».

قبل أن تغادر عائلة إسكوبار كولومبيا، فتح خوان بابلو دليل هاتف واختار لنفسه اسمًا جديدًا: سيباستيان ماروكان، وحافظ على هذا الاسم حتى عام 1999، عندما كشفت تحقيقات للشرطة الأرجنتينية عن هويته بعد مزاعم بغسيل أموال (احتجز لستة أسابيع قبل الإفراج عنه لعدم كفاية الأدلة). ولما سئل عن أي الاسمين يفضل قال إنه لا فارق؛ لأنه سوف يظل دومًا ابن بابلو إسكوبار. وقال خوان: «إنني أعيش في شكٍ دائم. لقد ولدت مذنبًا». ولما ذكر بمرارة أنَّ تأشيرة دخوله الولايات المتحدة قد رفضت لمدة 24 عامًا، قال: «أريد أن يُعترف بي بصفتي فردًا مستقلًا. إنني أعرف كل ما فعله أبي، وسوف أذهب لكل واحد من عائلات ضحاياه لأطلب منهم المغفرة، لكنني لست مذنبًا من الناحية القانونية. إنَّ شعاري: لقد ورثت جبلًا من الخراء. ما الذي يمكنني فعله بهذا؟».

Embed from Getty Images

خوان بابلو

ونقل التقرير عن الصحافي ألونسو سالازار قوله: إنَّ إرث بابلو إسكوبار قد غيَّر الحياة السياسية والاجتماعية بعمق؛ «لقد جاءت تجارة المخدرات وجرفت كل شيء في طريقها. لقد بدأ إسكوبار استخدام الإرهاب، ثم استخدمه الجميع بعد ذلك».

وقال التقرير: «إنَّ صعود عصابة ميديلين تصادف مع انهيار الشيوعية في أوروبا؛ وهو ما ساعد بدوره على إنهاء معظم الثورات الاشتراكية. بعد إسكوبار تبدلت فكرة التمرد المبني على الأيديولوجيا بشكلٍ كبير عبر السعي القاسي للثروة والسلطة. وتحول بقايا عمليات إسكوبار في أماكن خطوط إمداده، مثل المكسيك وأمريكا الوسطى إلى عصابات تمرد، وخضعت الدول للفساد والصراع الداخلي».

وصحيح أنَّ عصابة بابلو إسكوبار ماتت بموته، لكنَّ الاستهلاك العالمي قد انتشر بشكلٍ ضخم، وما يزال اقتصاد المخدرات قويًا، وذلك بالرغم من الحرب التي ساعدت فيها الولايات المتحدة، والتي خلفت آلاف الضحايا وأكثر من 9 مليارات دولار. وقالت الأمم المتحدة العام الماضي: إنَّ كولوبيا أكبر منتج للكوكايين. وما تزال خمسة من أكثر مدن العالم خطرًا في أمريكا اللاتينية؛ حيث يرتبط معظم العنف بتجارة المخدرات.

أما بالنسبة لجيلٍ من المهربين، فقد ترك إسكوبار خلفه نموذجًا للنجاح: ابنِ دعمًا بين المحرومين عبر إمدادهم بالمال والسلطة التي لن يحصلوا عليها بأي طريق أخرى؛ وفي المقابل سوف يُصبحون موالين لك، وجواسيسك، ورجالك المسلحين. أما بالنسبة للطبقة الوسطى، فاستخدم ثروتك لإفساد رجال الشرطة، والجنرالات، والقضاة والسياسيين. وقال التقرير: «إنَّ المجرمين الذين قلدوا إسكوبار لا يقلُّون عنه وحشية، لكنهم تعلموا عدم السعي وراء السلطة السياسية أو الشهرة».

وقال التقرير: «إنَّ إسكوبار قد بنى لنفسه في ذروة سلطته جنة خاصة به: (هاسيندا نابولس)، وهي أرضٌ بمساحة 7 آلاف هكتار على بعد ثلاث ساعات من ميديلين. أمضى إسكوبار سنوات في تحويل هذه الأرض من أرضٍ برية معزولة إلى ملجأ له، فرصف طرقًا، وأنشأ بحيرات صناعية، وحديقة حيوان خاصة ملأها بالحمير الوحشية وأفراس النهر والزرافات، وعدد من تماثيل ديناصورات بالحجم الطبيعي. وكان الضيوف يستخدمون حمامات السباحة، وبيتًا للحفلات، وإسطبلات، وحلبة مصارعة ثيران، ومجموعة من السيارات العتيقة، وأسطولًا من القوارب السريعة».

Embed from Getty Images

جنة إسكوبار «لا هاسيندا نابولس»

وقال التقرير: «إنّ المجمع قد هجر بعد موت إسكوبار، ونُهب من قبل الساعين للتذكارات وصائدي الكنوز الذين اتبعوا إشاعات بأنَّ إسكوبار قد أخفى ملايين الدولارات نقدًا في هذه الملكية. وبعد أن استعادت الدولة هذه الأرض، أعيد افتتاح هاسيندا نابوليس عام 2007، بصفتها مدينة ترفيهية بحديقة حيوان، وحديقة مائية، وعدد من الفنادق المناسبة للأسر. وتعد أفراس نهر إسكوبار عامل الجذب الرئيس. ويُعتقد أنَّ القطيع الذي بدأ بثلاث إناث وذكر اشتراها إسكوبار من حديقة حيوانات كاليفورنيا، يشتمل الآن على حوالي 50 من أفراس النهر، ليكون بذلك أكبر قطيع من أفراس النهر تعيش بحرية خارج أفريقيا».

ونقل التقرير عن إدجار خيمينس، المصوِّر الشخصي لإسكوبار وصديقه منذ أيام الجامعة، جوابًا عن سؤال إذا ما كان يشعر بأي تأنيب ضمير لعلاقته بإسكوبار، قوله: «لم أكن موافقًا على العنف، لكنني كنت مجرد مصور فوتوغرافي. وينبغي أن نفهم أنَّ هذه العلاقة العنيفة لبابلو مع الدولة أتت نتيجة للرفض الذي شعر به من قبل المجتمع الكولومبي. كل الناس تربحوا منه، ثمّ خانه الجميع بعد ذلك».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد