تحوَّل الكثير من صُنَّاع الكوميديا في مختلف أنحاء العالم إلى احتراف العمل السياسي، ووصل بعضهم بالفعل إلى أعلى المناصب، بحسب تقرير لمُحلِّل السياسة الدولية تيج باريخ بمجلة «فورين بوليسي» الأمريكية.

كان ماريان ساريتش، الكاتب الساخر، انتُخِبَ رئيسًا لوزراء سلوفينيا في أغسطس (آب) الماضي. ويشغل جيمي موراليس، المُمثِّل الكوميدي السابق، منصب رئيس غواتيمالا الحالي. واستحوذ آخرون على العديد من المناصب السياسية الكُبرى. إذ شغل يون غنار، فنان ستاند أب كوميدي (كوميديا الوقوف) الأيسلندي، منصب عمدة العاصمة ريكيافيك حتى عام 2014، في حين يُعَدُّ بيبي غريللو، الممثل الكوميدي الإيطالي، أحد العقول المُدبِّرة لحركة «النجوم الخمسة» التي تُشكِّل الآن جزءًا من التحالف الحاكم داخل إيطاليا. وبعبارةٍ أخرى، يرى باريخ أن زيلينسكي لن يكون آخر كوميدي ينتقل من مسرح كوميديا الوقوف إلى المنصة السياسية.

بيبي جريللو

إذ تقول حكمة قديمة في فن الإدارة: إن عليك أن تتصرَّف بأسلوب القادة أولًا لتُصبح قائدًا حقيقيًّا، وهي الحكمة التي تَصِفُ فلاديمير زيلينسكي بصدق، بحسب التقرير. إذ اشتهر الكوميدي الأوكراني على التلفزيون الوطني لأنه مُدرِّس تحوَّل إلى رئيس. ويروي برنامج «Servant of the People/ خادم الشعب» قصة صعود مُعلِّمٍ في مدرسةٍ ثانويةٍ ليبلغ قمة الحياة السياسية الأوكرانية، بعد انتشار مقطع فيديو له وهو ينتقد الفساد الحكومي بأسلوبٍ بليغ.

واليوم، قُبيل تنظيم الانتخابات الرئاسية الحقيقية بالبلاد في شهر مارس (آذار)، أصبح زيلينسكي المُرشح الأول للفوز بزعامة حزب «خادم الشعب» الذي أسَّسته شركة التلفزيون التي شارك في إنشائها، والتي تُنتج البرنامج الذي يحمل الاسم نفسه أيضًا. وهو ليس أول كوميدي يتحوَّل إلى السياسة.

ويرى باريخ في تقريره أن اللحظة الشعبوية المُعاصرة تُسهِّل فهم أسباب رواج فكرة تحوُّل الكوميديين إلى السياسة؛ لأنهم أولًا، يميلون لرفض قيم المؤسسة الحاكمة القائمة وسلطتها -بغض النظر عن الشكل الذي تتبنَّاه المؤسسة؛ إذ بُنِيَت منصة حملة موراليس الناجحة على شعار «Ni corrupto, ni ladrón/ لست لصًّا أو فاسدًا»، لذا اجتذبت أعدادًا كبيرةً من الغواتيماليين الذين سئموا الحكومات المُنبطحة.

وفي أوكرانيا، استحوذ حزب «خادم الشعب» على انتباه الناس ومتابعتهم بفضل سخريته من الحكومة والساسة، ولأن تركيزه سينصب على التصدِّي للفساد، بحسب تصريحات زيلينسكي المُتوافقة مع شخصيته في البرنامج. واشتُهِر ساريتش أيضًا بفضل ملاحظاته الفعَّالة المُناهِضَة للمؤسسة، من خلال شخصياته التمثيلية التي سخرت من الزعماء السابقين. وتتوافر الآن المساحة أمام مُناهضي النخبة المُميِّزين، في وقتٍ فقد خلاله نصف سُكان العالم ثقتهم في حكومتهم ووسائل الإعلام، بحسب أحدث مؤشرات إيدلمان للثقة.

«?Who is America».. وجه أمريكا القبيح يظهر في برنامج ساخر

ويتمتَّع صُنَّاع الكوميديا أيضًا بأفضليةٍ نفسيةٍ في جذب الجمهور، بحسب تقرير باريخ الذي أشار إلى أن الفُكاهة تُعد مُؤشرًا اجتماعيًّا إيجابيًّا؛ لأن الشعب باختصارٍ يُحِبُّ من يمنحه شعورًا أفضل. ولفت التقرير إلى أن الناخبين يميلون إلى القيادة التي تمنحهم شُعورًا جيدًا -ويشمل ذلك الفكاهة والوعود الواهية بوضوح-، وذلك إبان التغيُّرات العالمية والاقتصادية والتكنولوجية التي أدَّت إلى حالةٍ من الاضطراب والشك.

وفي إطار تلك النظرية، يشير باريخ إلى أن النهج الصريح والقصصي وخفيف الظل للخطابات السياسية هو ما منح غنار شعبيته في أعقاب الأزمة المالية التي ضربت آيسلندا عام 2008. وقاد حزب الخير الذي ينتمي إليه غنار، والمُؤلَّف من موسيقيي البانك، حملةً مُناهضةً للمناشف المجانية حول أحواض السباحة، واحتجاز دُب قُطبي داخل حديقة حيوان العاصمة، فضلًا عن أشياءٍ أخرى.

وأدار هايك ماروتيان، الكوميدي الأرمني الشهير، مؤخرًا حملةً حماسيةً وأنيقةً ليُصبح عمدةً للعاصمة الأرمنية يريفان في سبتمبر (أيلول). وتضمَّنت منصته الانتخابية وعودًا واهيةً بشأن تحسين البنية التحتية، والدعوة إلى تصميم عرضٍ بالأبعاد الرباعية بجوار قلعةٍ قديمةٍ في المدينة.

لكن الأمر لا يتعلَّق بِقُدرة صُنَّاع الكوميديا على كسب إعجاب الجماهير فقط، بحسب باريخ؛ لأن السخرية تُعَدُّ وسيلة تواصلٍ بارعة. وتُعتَبر الرسائل المُضحكة أكثر أنواع الرسائل فاعليةً في بعض الأوقات، إذ تجتذب الدُعابة (أو السخرية على حساب الخصم) ضحك الناس، فضلًا عن كونها استراتيجيةً فعَّالةً للرد.

وأضحى هذا الأمر أكثر جلاءً الآن في ظل نهضة الشبكات الاجتماعية، والتي تزيد من جاذبية الفكاهة عبر ملفات جي آي إف والميمات. وأصبحت الأخبار السياسية أكثر ملاءمةً للترفيه في الوقت الحالي، وخاصةً في ظل تنافس المُذيعين وناشري الأخبار على لفت انتباه القُرَّاء في عصر الإنترنت. وبذلك يحصل المُرشَّحون الأكثر فكاهةً على أفضليةٍ أكبر.

جون غنار

ودلَّل تقرير باريخ على تلك النظرية بحملة دونالد ترامب الرئاسية في عام 2016، والتي تمتَّعت بتغطيةٍ أكبر نتيجة هجماته الإعلامية المُعتادة على منافسيه في المناظرات، واستخدامه المُتكرِّر للفكاهة. وفي الوقت ذاته، اعتمدت حملة بوريس جونسون الانتخابية للفوز بمنصب عمدة لندن عام 2008 جزئيًّا على الشعبية التي جناها بفضل كلامه الكوميدي وهزله العام؛ مما ساعد في التغطية على افتقاره للخبرة.

وقال باريخ إن صُنَّاع الكوميديا المشاهير، الذين مارسوا الدعاية الذاتية على مواقع التواصل الاجتماعي، يتمتَّعون في العموم بوضع قويٍ يُمكِّنهم من استغلال شكاوى الناخبين المُحبطين سياسيًّا. لكن رأى أن دخول صُنَّاع الكوميديا إلى العالم السياسي لا يجب أن يأخُذ شكل الترشُّح للمناصب بالضرورة. إذ يسخر حزب «الكلب ذو الذيلين» المجري من النخبة السياسية عبر فن الشارع، على غرار حركة «أوتبور!» الصربية التي استخدمت الفكاهة للمساعدة في تقويض مكانة السياسي سلوبودان ميلوشيفيتش. وفي مصر، شكَّل البرنامج الإخباري الساخر الذي قدَّمه باسم يوسف، مُهيِّج الجماهير، صُدَاعًا للسلطة لدرجة أنه يعيش الآن في المنفى.

وتصعب مقاومة سحر الراوي الجذَّاب بالنسبة للناخبين، من وجهة نظر باريخ، خاصةً حين يكتشفون أن الطبقة السياسية مُنفصلةٌ عن الواقع. وفسَّر المُختصون في مجال الاقتصاد السلوكي مدى لا معقولية انتخاب مُرشَّحٍ أقل خبرةً بكراهيتنا الثورية للخسارة.

وربما يميل الناخبون أكثر إلى المخاطرة بالتصويت للدخلاء على الحياة السياسية، في مواجهة «الخسارة الأكيدة» التي ستنتج من الحفاظ على بقاء الوضع الراهن لذوي البزات الرسمية المشاهير في المؤسسة. لكن الدخلاء قد تُصيبهم الخسارة أيضًا، وخاصةً حين يتطلَّب المنصب السياسي قدرًا من البراغماتية والخبرة والتجربة.

«شو الرئيس» الكوميدي.. هكذا يخشى ترامب الكوميديا

ورغم أن العامة يتجاوبون إيجابيًّا مع الفكاهة، لكن ذلك ليس مؤشرًا جيدًا على فاعلية الزعيم بالضرورة. وأورد باريخ أن مخاطر انتخاب شخصيةٍ كوميديةٍ ظهرت في رئاسة موراليس، إذ أثار جدلًا غير ضروري، الشهر الماضي، حين طرد لجنةً لمكافحة الكسب غير المشروع تتبع الأمم المتحدة من البلاد.

ويمكن للكوميديا أن تلعب دورًا مهمًا في حياتنا السياسية، عن طريق تحدِّي حالة الخمول والخوف واليأس التي تميل للسيطرة على أخبارنا، بحسب تقرير باريخ، لكنه ينصحنا بالحذر من مخاطر الكوميديا، على غرار كافة أشكال الشعبوية. وشدَّد أيضًا على أهمية استخدام التعليم في تنمية وعي المواطنين بذخيرة التكتيكات التي قد يستخدمها المُرشحون للفت انتباههم، أو تشتيته عن العديد من القضايا المحورية -من خلال الفكاهة أو الجاذبية أو غيرها. فضلًا عن ضرورة أن يشغل تقصِّي الحقائق حيِّزًا أكبر، لضمان أن تُقيَّم برامج المُرشِّحين وفقًا لجِدِّيتها وليس قيمتها الترفيهية.

وفي نهاية المطاف، رأى باريخ أننا يجب أن نتطرَّق لمُسبِّبات انعدام الثقة في أنظمتنا الحالية من أجل التصدِّي لجاذبية الخطاب الشعبوي، بغض النظر عن شكله. مما يعني أن الساسة يجب أن يستفيدوا من دروس صُنَّاع الكوميديا، ويجدوا طرقًا أفضل للفِهم والتواصل مع المواضيع التي تجذب جمهورهم.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد