ثمة مواقع إسلامية قليلة هي أكثر هدوءًا من ضريح الإمام علي بن أبي طالب، خليفة القرن السابع الذي كان الزعيم الشيعي الأول، في النجف، العاصمة الروحية للعالم الشيعي. له قبة تلمع مع أوراق الذهب، والأرضيات الرخامية التي تتلألأ في ضوء الشمس، والحجاج الذين يضيقون قاعات الصلاة التي تتألق مع مليون من الفسيفساء المعكوسة.

ولكن في المدارس المحيطة بالضريح، يشارك آيات الله و13 ألفًا من طلابهم في صراع أقل قدسية لمنع محاولة استيلاء الإيرانيين على النجف.

باعتبارها الممول ومورد الأسلحة، فإن إيران تمتلك بالفعل التأثير على الأحزاب الشيعية الرئيسية في العراق والميليشيات المتحالفة معها. لكن السيطرة على النجف ستكون جائزتها الكبرى.

يقف بين الزعيم الإيراني الأعلى، آية الله علي خامنئي، وتطلعاته للقيادة الروحية لمائتي مليون من الشيعة في العالم آية الله “السقيم” البالغ من العمر 85 عامًا، علي السيستاني.

وقد رفض السيد السيستاني الاعتراف بشرعية ولاية الفقيه أو مؤهلات السيد خامنئي ليكون الفقيه الشيعي الرئيسي للمسلمين الشيعة. يقول رجل دين بارز قريب له: “السيستاني رجل صارم. إنه لا يريد دولة دينية، وقال إنه يريد دولة مدنية”.

شخصيات عراقية رئيسية أعلنت بالفعل ولاءها لخامنئي. من بين تلك الشخصيات نوري المالكي، رئيس الوزراء العراقي السابق وزعيم حزب الدعوة، الحزب الشيعي الأكبر في البلاد. الذراع العسكري لحزب الدعوة، بدر، الذي يعتبر على نطاق واسع أقوى الميليشيات الشيعية بـ20 ألف رجل مسلح، أغدق ثكناته بصور للزعيم الإيراني.

في بلد تحظى الميليشيات فيه بالمزيد من القوة النارية أكثر من الجيش، تهيمن بيادق إيران على معظم مناطق العراق التي تقع خارج سيطرة تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش) والأكراد.

وقد سعى السيد السيستاني مرارًا وتكرارًا لدحر النفوذ الإيراني. وأعاق محاولة السيد المالكي لولاية ثالثة بعد انتخابات عام 2014، وقدم دعمًا غير مشروط لمحاولات رئيس الوزراء الحالي، حيدر العبادي، لكبح جماح الميليشيات.

باستثناء المعركة ضد تنظيم الدولة، فقد نأى السيد السيستاني بنفسه بعيدًا عن الانضمام لمغامرات إيران الإقليمية الأخرى، وفق ما ذكره أحد مساعديه. وقد رفض آية الله مطالب حزب الله، الميليشيا الشيعية المدعومة من إيران والتنظيم الأقوى في لبنان، لفتوى تأييد صراعاتهم في مناطق متعددة.

كما يعارض السيستاني التدخل الشيعي باسم ميليشيا الحوثي الذين حملوا السلاح ضد الحكومة اليمنية. وكان قد رفض بإصرار أن يؤيد فكرة أنه يجب على أنصاره محاربة المتمردين السنة في سوريا وكذلك في العراق، والانضمام إلى إيران وأصدقائها في شأن دعم نظام بشار الأسد.

وقال عن الشيعة الذين يموتون جراء القتال في سوريا إنهم “ليسوا شهداءً”، حسبما نقل عنه أحد رجال الدين. في الوقت الراهن، معظم العراقيين يستمرون في تقديم ولائهم للسيد السيستاني.

يقول أحد رجال الدين في النجف: “المرجع ما يزال يحمل مفاتيح النجف”. ولكن بما أنه ليس هناك خليفة واضح للسيستاني، فإن ثمة تساؤلات حقيقية تحيط بمستقبل الحوزات العلمية في النجف عندما يموت السيد السيستاني.

يعيش اثنان من أقوى المتنافسين في إيران، بما في ذلك محمود الهاشمي الشاهرودي، الرجل المفضل لدى المالكي. وعلى الرغم من مولده في النجف، فهو شخصية بارزة في الثيوقراطية الإيرانية ومؤيد قوي لخامنئي.

ترأس الشاهرودي السلطة القضائية في إيران لمدة عشر سنوات، ويعمل في مجلس الأوصياء الإيراني القوي، والذي ينظر في القوانين الجديدة والمرشحين لعضوية البرلمان.

وأعرب رجل الدين في النجف عن الشكوك حول احتمالات خلافة شاهرودي بقوله: “النجف صغيرة جدًّا بالنسبة له. إنه يريد أن يخلف الزعيم الأعلى”.

في الوقت الراهن، يحاول آية الله شاهرودي النأي بنفسه بعيدًا، ولكن أتباعه يضعون اللمسات الأخيرة على ما يمكن أن يكون أكبر مدرسة دينية في النجف. وليس ببعيد عن مساكن السيد السيستاني المستأجرة، يستعد أنصار ولاية الفقيه لافتتاح متحف آية الله الخميني، حيث عاش والد الثورة الإسلامية وحاضر لمدة 15 عامًا.

يقول سعد سلوم، المراقب الأكاديمي للشؤون الدينية في العراق:”إذا مات السيستاني، سنندرج تحت قيادة الفقيه”.

خارج العراق، تظهر الدول العربية المجاورة أيضًا علامات إنذار من احتمال تحرك إيران في معلم عربي آخر وتحول العراق المطرد في القمر الصناعي الإيراني.

في عهد الملك سلمان، المملكة العربية السعودية تغلبت بهدوء على محاولات إيران الوصول إلى الشيعة العرب. ودعت السيد العبادي لزيارة في وقت سابق من هذا العام.

العواصم الغربية تنظر أيضًا إلى السيد السيستاني باعتباره واحدًا من عدد قليل من الثوابت الإيجابية بعد عام 2003 في البلاد، وكذا باعتباره دعامة ضد التقسيم الطائفي في البلاد.
ويقول دبلوماسي غربي في بغداد: “الحمد لله السيستاني هنا”. ولكن إلى أي مدى، على الرغم من ذلك، لا أحد يعرف.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد