قال الصحافي الشهير ستيفن كوك في مقال له على موقع مجلة فورين بوليسي إنه قد حان الوقت كي يدرك العالم أنه لا يوجد تحالف بين واشنطن وأنقرة، وأن البلدين لا يتشاركان القيم أو المصالح، وأن عهد الشراكة القوية إبان الحرب الباردة قد ولّى بلا رجعة.

وأوضح كوك أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان دفع العلاقة بين الولايات المتحدة وتركيا من سيئ إلى أسوأ. فقد ادعى أن «جواسيسًا» قد اخترقوا البعثات الأمريكية في تركيا، وأن بلاده لا تعتبر السفير الأمريكي لديها – جون باس – ممثلاً قانونيًا للولايات المتحدة.

بداية الأزمة

صعّد رئيس تركيا من الأزمة الدبلوماسية التى بدأت قبلها بأيام، عندما أعلنت السفارة الأمريكية أن الولايات المتحدة اضطرت إلى «إعادة تقييم التزام حكومة تركيا بأمن منشآت وموظفي البعثات الأمريكية»، وعليه، توقفت عن إصدار تأشيرات لغير المهاجرين.

ومما لا شك فيه أن هذا القرار كان ردًا على اعتقال متين توبوز – يشير كوك – وهو «مواطن خدمة أجنبية» عمل مع مكتب وكالة مكافحة المخدرات في العاصمة التركية لسنوات عديدة، لكن تركيا اتهمته بالتعاون مع فتح الله جولن، الذي تحمله أنقرة المسؤولية عن محاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو (تموز) من عام 2016. ردت الحكومة التركية بهدوء على رفض الولايات المتحدة إصدار التأشيرات – قبل أن يشعل أردوغان فتيل الأزمة.

ويؤكد كوك أن قضية توبوز هي أحدث حلقات مسلسل الصراعات الطويل الذي عكر العلاقات الأمريكية مع تركيا في السنوات الأخيرة. وقد بات جليًا الآن أن تركيا والولايات المتحدة لم يعودا حليفين، وإنما خصمان ومتنافسان، وخاصة في الشرق الأوسط.

من الخطأ وضع مسؤولية تدهور العلاقات بين واشنطن وأنقرة على عاتق أردوغان. فقد وقع التصادم بين الولايات المتحدة وتركيا يوم عيد الميلاد المجيد في عام 1991، عندما تفكك الاتحاد السوفيتي.

أكد الكثير من المحللين للشأن التركي على مدى العقد الماضي على قيام أردوغان بتعزيز نفوذه السياسي. وعلى الرغم من أن هذا دقيق بشكل عام، فإنه يميل إلى تجاهل ثلاثة عوامل هامة في السياسة الخارجية التركية:

أولاً، بينما يكون أردوغان صاحب الكلمة الأولى والأخيرة، فإن أفكاره حول القوة التركية وعدم الثقة في الغرب تحظى بتأييد واسع بين الأتراك – ولأسباب تاريخية وجيهة. ثانيًا، لا تتقاسم الولايات المتحدة وتركيا أي قيم أو مصالح. وأخيرًا، تغير العالم كثيرًا منذ ذروة التحالف الأمريكي التركي منذ أكثر من ربع قرن.

ونظرا للديناميات الدولية المتغيرة – يضيف كوك – فمن المرجح أن تكون العلاقات الأمريكية مع أي حزب حاكم تركي مقبولة في هذه المرحلة. فإذا كان حزب المعارضة الرئيسي في تركيا – حزب الشعب الجمهوري – في السلطة، على سبيل المثال، سيكون هناك توتر كبير في العلاقة بين الولايات المتحدة وتركيا.

ربما ستبدو العلاقة مختلفة، لكن مفهومي العلاقة الاستراتيجية أو الشراكة النموذجية لن يكون لهما مكان ومعنى أكثر مما هما عليه الآن. على سبيل المثال، تتخذ قيادة حزب الشعب الجمهوري موقفًا مؤيدًا لبشار الأسد في سوريا، وهي تعارض بشدة القومية الكردية مثل حزب العدالة والتنمية بقيادة أردوغان. كما أن جميع الأحزاب السياسية في تركيا تميل إلى التعامل مع إيران، ولو بدرجات متفاوتة.

اقرأ أيضًا: التوتر يتصاعد والأغلبية لا يعرفون السبب.. ماذا يحدث في الكواليس بين ترامب وأردوغان؟

استراتيجية خاطئة

يزعج هذا الواقع المسؤولين الأمريكيين – يواصل معد التقرير حديثه – الذين يميلون إلى العمل بمجموعة من الأفكار التي عفا عليها الزمن حول تركيا. فلا تزال سياسة واشنطن تجاه أنقرة قائمة على أساطير الحرب الباردة، التي روجت أن الأمريكيين والأتراك «يقفون جنبًا إلى جنب أثناء المعركة الأيديولوجية الكبرى مع الاتحاد السوفيتي» أو ما يشبه هذه الصياغة.

إن أساطير حقبة الحرب الباردة تخفي حقيقة أنه لولا التهديد السوفييتي، لما تعاونت واشنطن مع أنقرة. فالعلاقة بين البلدين لا تقوم على الصداقة أو الثقة أو القيم، وإنما على مقتضيات الصراعات بين البلدين.

وحتى بعد سقوط الاتحاد السوفييتي – يستدرك كوك – افترض المسؤولون الأمريكيون خطأ أن تركيا ستبقى شريكة لبلادهم. في أوائل التسعينيات، اعتقد البعض في مجتمع السياسة الخارجية أن تركيا في وضع فريد يمكنها من مساعدة الدول التركية المستقلة حديثًا في آسيا الوسطى – التي يتقاسم مواطنوها الروابط الثقافية واللغوية مع الأتراك – على إقامة حكم مستقر وديمقراطي. وفي أواسط وأواخر التسعينيات، اعتبر مجتمع السياسة الخارجية أنقرة محركًا للأمن والسلام في الشرق الأوسط. وفي الآونة الأخيرة، اعتبرت تركيا نموذجًا للبلدان العربية التي تسعى إلى بناء مجتمعات أكثر ازدهارًا وديمقراطية.
لكن وجهات النظر سالفة الذكر لم تجد لها موطئ قدم على أرض الواقع، وذلك نظرًا لأنها بالغت في تقدير قدرات تركيا، واستخفت بالموروثات التاريخية للدولة العثمانية على الشرق الأوسط، وأساءت فهم السياسة الداخلية التركية ونظرة العالم للقيادة الحالية للبلاد. ومع كل فشل، اتسعت الفجوة بين الولايات المتحدة وتركيا.
ثمة عنصر آخر أسهم في فشل الشراكة بين البلدين – يقول كوك – فقد اكتشف مجتمع السياسة الخارجية الأمريكية متأخرًا أن الكثير مما كان يعتقده حول تركيا ليس حقيقيًا. فقادة البلاد – بما في ذلك القيادة العسكرية – ليسوا ديمقراطيين ولا موالين للغرب. في الواقع، إنهم ينظرون بعين الشك نحو الغرب، وخاصة الولايات المتحدة.
ومن المفاهيم الخاطئة الشائعة أن العلاقات بين الولايات المتحدة وتركيا كانت دائمًا دافئة. ربما كانت هناك علاقات عمل جيدة بين الضباط الأمريكيين والأتراك في حلف شمال الأطلسي، ولكن تلك العلاقات كان يشوبها دائمًا عنصر انعدام الثقة، الذي ينبع من تشكك الجانب التركي في النية الأمريكية بشأن الأكراد والتزام واشنطن بالأمن التركي. لم يكن الجيش التركي مؤيدًا للغرب بشدة مثلما أشارت الكثير من التقارير الصحفية على مدى السنوات الماضية، ولكن ولاءهم لتركيا فقط. ويمكن أن يقال نفس الشيء عن القيادة السياسية التركية.
وبطبيعة الحال، تعارض كل من أنقرة وواشنطن انتشار أسلحة الدمار الشامل، وتدعمان السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين، ومحاربة الإرهاب، وتؤيدان إزاحة الأسد. ومع ذلك – يشير كوك – فإن الأساليب التركية والأمريكية لتحقيق طموحاتهما متنافرة إلى الحد الذي يمكن معه التشكيك في وجود أهداف مشتركة حقًا. وفي كل حالة، يمكن للمسؤولين من الحكومتين أن يوضحوا كيف أدى الطرف الآخر إلى تقويض جهودهم في هذه الملفات. من وجهة نظر أمريكية، فإن علاقات تركيا مع إيران أضعفت جهود احتواء تطور طهران النووي، في حين أن أنقرة متهمة أيضًا بتمكين المتطرفين في سوريا ودعم حماس.
يقول كوك إن تاريخ هذه التوترات يرجع إلى ما قبل ظهور أردوغان وصعود حزب العدالة والتنمية. ففي أواخر التسعينيات وأوائل العقد الأول من الألفية الجديدة على سبيل المثال، غضب الأتراك بشدة من العقوبات الدولية المفروضة على العراق. وبالطبع، كانت هناك خلافات على مدى سنوات عديدة بشأن غزو تركيا لقبرص في عام 1974، وحظر الأسلحة الأمريكي اللاحق، والأمن في بحر إيجة.

العالم لم يعد كما كان

لقد تغير العالم كثيرًا لدرجة أن تركيا – حليفة للناتو – تعمل مع روسيا في سوريا، بينما تحارب الولايات المتحدة تنظيم الدولة الإسلامية بدعم من القوات الكردية السورية التي يعتقد الأتراك أنها جزء لا يتجزأ من منظمة حزب العمال الكردستاني الإرهابية التي تشن حربًا ضد أنقرة منذ عام 1984. وتقتصر العلاقة الاستراتيجية الآن على استخدام الولايات المتحدة وحلفائها قاعدة انجرليك الجوية بعملياتهم ضد الدولة الإسلامية. وقد هدد الأتراك من وقت لآخر بإلغاء الإذن باستخدام المرفق لهذا الغرض.
ويرى كوك أن حقيقة أنه أصبح من السهل على كل بلد أن يعمل مع خصوم الآخر يشير إلى أن التوتر في العلاقات الأمريكية التركية لا يرتبط برؤية أردوغان العالمية أو تقويض الرئيس السابق باراك أوباما، ولكن يرتبط بطريقة عمل السياسة الدولية بعد ربع قرن من الحرب الباردة.
منذ بدء «حرب التأشيرات» كما يصفها كوك، يسأل الصحفيون عما إذا كان التصعيد بين الولايات المتحدة وتركيا سيزداد. بطبيعة الحال، لا توجد طريقة لمعرفة ذلك، على الرغم من أن الكثير يعتمد على حسابات أردوغان السياسية المحلية. ونظرًا لمخزون العداء تجاه أمريكا في تركيا، فإن أي زعيم تركي يجني منافع سياسية من الصراع مع الولايات المتحدة.
ولكن السؤال الأكبر هو: كيف يمكن للولايات المتحدة إدارة التحول التركي من شريك استراتيجي إلى علاقة تعترف بأهمية تركيا باعتبارها شريكًا وخصمًا؟ إذا استمر صناع السياسة الأمريكيون في رؤية تركيا من خلال عدسة الحرب الباردة، فلن يصلوا إلى أي نتيجة. وبالفعل، فإن الدبلوماسيين الأمريكيين يتذرعون بالقيم المشتركة بين الولايات المتحدة وتركيا، بينما يتم سجن المواطنين الأمريكيين وموظفي الحكومة الأمريكية وإساءة معاملتهم. لقد حان الوقت للاعتراف بأن العالم قد تغير – وكذلك العلاقة بين الولايات المتحدة وتركيا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد