كان البشر دائمًا مهووسين بالخلود، وتجلَّى ذلك الهوس في أسطورة فرانكنشتاين والبحث المحموم عن إكسير الحياة. لكن ربما لم يعثر عليه البشر لأنَّه كان موجودًا في مكانٍ غير متوقع، وبصورةٍ غير متوقعة: مياه البحر المتوسط الدافئة، التي يعيش فيها قنديل البحر «الخالد»، وفقًا لما ذكرته هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» في تقريرٍ نشرته على موقعها.

بحسب الموقع، الاسم العلمي لهذا القنديل هو «توريتوبسيس دورني» أو «Turritopsis dohrnii»، وهو قادرٌ على أن يُعيد برمجة هوية خلاياه؛ مما يُعيده إلى مرحلةٍ مُبكِّرةٍ من حياته. بعبارةٍ أخرى، يُمكن لهذا القنديل أن يصغر في السن، ويتحوَّل من بالغٍ إلى طفل.

يُشبِّه التقرير ما يفعله القنديل بمسلسل الخيال العلمي التلفزيوني «Doctor Who»، حيث يتحول بطل المسلسل دوريًا إلى نسخةٍ جديدةٍ كليًا من نفسه. فمثل قنديل البحر الخالد، يفعل الطبيب ذلك أحيانًا حين يُصاب بجرحٍ بالغٍ قد يُؤدي إلى وفاته.

وبالنسبة لقنديل البحر، فإن قدرته على التحوُّل إلى نسخةٍ أصغر من نفسه هي آلية بقاءٍ مُذهلةٍ يلجأ إليها حين يكبر في العمر أو يمرض أو يُواجه خطرًا ما. وبمجرد بدء عملية الانعكاس، يتدهور جسد قنديل البحر الشبيه بالجرس ومعه أطرافه ليعود إلى طور السليلة، كهيكلٍ أشبه بالنبات يربط نفسه بأي سطحٍ تحت الماء. ويفعل ذلك جزئيًا من خلال عمليةٍ تُعرَف بالتمايز الخلوي، حين تتغير الخلايا من نوعٍ لآخر، مُنتِجةً جسدًا جديدًا كليًا. ويُمكنه فعل ذلك مرارًا وتكرارًا.

مات لأجله إمبراطور الصين.. هل توصل العلم أخيرًا إلى «إكسير الشباب الدائم»؟

يُسلط التقرير الضوء على محاولة مجموعةٍ من الباحثين مؤخرًا لفك شفرة جزءٍ صغيرٍ من الحمض النووي لقنديل البحر. من هؤلاء الأستاذ ستيفانو بيراينو من جامعة سالينتو الإيطالية، الذي يعكُف الآن على تنسيق مشروعٍ يُدعى «PHENIX»، يهدف إلى فهم التواصل بين خلايا قنديل البحر الخالد بصورةٍ أفضل. ويقول بيراينو: «إنَّ السر وراء «انعكاس الحياة» سيُعرف فقط بعد الكشف عن الشريط الوراثي (الجينوم) الكامل للمخلوق».

ويُشير بيراينو بحسب الموقع إلى أنَّ عملية موت قنديل البحر وُضعت تحت الملاحظة في أحد المختبرات، واتضح أنَّه ليس «خالدًا» كما يُزعم.

ورغم ذلك يظل هذا النوع من التكيُّف جديرًا بالملاحظة؛ إذ اكتشف العلماء مؤخرًا قنديلي بحرٍ آخرين يمتلكان تلك القدرة، من بينهما «أوريليا إس بي 1» الذي يعيش في بحر الصين الشرقي.

حياة جديدة

في حال تمكَّن البشر إذًا من فهم عملية التمايز الخلوي، هل سنكون قادرين على تجديد أجسامنا؟ يُجيب موقع «بي بي سي» على هذا السؤال بأنَّنا نفعل ذلك نوعًا ما بالفعل. إذ تُعَدُّ الندبات والكدمات والاستشفاء بعد حروق الشمس كلها مؤشراتٍ على تَجَدُّد بشرتنا. ويُمكن لأظافر أيدينا وأقدامنا أن تنمو من جديدٍ أيضًا.

في وقتٍ ما، انتشرت فكرة أنَّنا نُصبح أشخاصًا جددًا كل سبع إلى 10 سنوات، إذ إنَّ خلايا جسدنا تموت وتُستبدل خلال تلك الفترة. ورغم تكذيب تلك الأسطورة، فإنَّ خلايانا تموت وتُستبدل باستمرارٍ فعلًا.

لكنَّ الطبيب في مسلسل Doctor Who يُجري عملية تَحَوُّلٍ أكثر تعقيدًا من مجرد استبدال الخلايا، عملية يشبها الموقع بما تمُرُّ به بعض الحيوانات في أجزاءٍ مُعيَّنةٍ من أجسادها، كحيوانات السلمندر على سبيل المثال.

فبحسب الموقع، تقول الدكتورة ماكسيمينا يون، الأستاذة بكلية لندن الجامعية: «تُعَدُّ تلك الحيوانات أبطال التَجَدُّد. إذ يُمكن لبعضها أن تُجدِّد أجزاءً من قلوبها وفكوكها وأقدامها وأذرعها بالكامل، فضلًا عن ذيولها وحبالها الشوكية».

الآلية المُحدَّدة التي تُحقِّق بها حيوانات السلمندر هذه العملية غير معروفة حتى الآن وفقًا لـ«بي بي سي»، لكَّن ماكسيمينا أجرت تجاربها على عددٍ من تكتلات الخلايا التي تتشكَّل حين تبدأ عملية تجدُّد عضوٍ مفقودٍ من الجسد في مكان البتر في حيوان السلمندر.

واكتشفت هي وزملاؤها مؤخرًا دليلًا يقترح أنَّ حيوانات السلمندر تكبح عمل بروتينٍ مُعيَّن، وهو «بي53»، يُسهم على الأرجح في اتخاذ الخلايا لهويةٍ جديدة. مما يسمح للخلايا بالتطوُّر لتأخذ شكل العضلة أو العصب أو النسيج العظمي اللازم لتجدُّد قدمٍ على سبيل المثال.

ويأمل الكثيرون أن يتمكَّن البشر في نهاية المطاف من استخدام هذه العملية لصالحنا.

ووفقًا للموقع، يبحث فريق ماكسيمينا أيضًا في دور جهاز المناعة، الذي اعتقد البعض في السابق أنه سيُشكِّل عائقًا مُحتملًا أمام عملية التجدُّد. لكنَّها تقول إنَّ وجود خلايا جهاز المناعة ثبت أنَّه «حيويٌ» من أجل عملية التجدُّد. وأضافت: «من المحتمل أن تكون تلك الخلايا هي العنصر الرئيس».

ويذكر التقرير أنَّ الأنواع المختلفة من حيوانات السلمندر تنتهج وسائلَ مختلفةً في التجدُّد. إذ يُمكن لعفريت الماء مثلًا أن يُبدأ عملية إنتاج الخلايا الجذعية في أي مكانٍ يحتاج إلى تجديده، وهذه يُمكنها أن تتطوَّر إلى أي شكلٍ من الخلايا. لكنَّ السمندل المائي يستخدم عمليةً تُدعى التمايز الخلوي حين يحتاج إلى تجديد الأنسجة العضلية، ومن خلالها يُشجِّع خليةً بعينها على التكاثر.

يضيف موقع «بي بي سي» أنَّ الحيوانات التي يُمكنها تغيير مظهرها في غضون لحظات نادرةٌ للغاية، لكنَّ أمثلةً جديدةً تُكتشف طوال الوقت.

فمنذ عامين فقط أدرك الباحثون في الغابات المطيرة بالإكوادور أنَّ الضفدع المعروف علميًا باسم «بريستيمانتيس موتابيليس» أو «Pristimantis mutabilis» يُمكنه تغيير نسيج جلده فجأةً من خشنٍ وشائكٍ إلى نسيجٍ شديد النعومة في غضون دقائق.

هذا الضفدع معروفٌ بالنسبة للعلماء منذ قرابة العِقد من الزمن، لكنَّ قدرة التحوُّل الشكلي – التي يُعتقد أنها تُساعد الضفدع على الاندماج في بيئته المُحيطة – لم يسبق توثيقها من قبل.

وتشرح الدكتورة لويز جينتل من جامعة نوتنجهام ترنت: «يحدث الأمر بسرعةٍ شديدة، لكنَّني أعتقد أن هذا النوع من السلوك لم يُلحظ من قبل. لقد كانت تلك الضفادع تخدع الجميع».

وبحسب الموقع، هناك أنواعٌ أخرى من الحيوانات معروفة باستخدامها حِيَلٍ تمويهيةٍ مُشابهةٍ منذ أمدٍ بعيد، ومن بينها فصائل الأخطبوط المتعددة التي يُمكنها تحويل أنسجة وألوان أجسامها فجأةً لتُطابق السطح الذي تستقر عليه. ولم يستدل أحدٌ بعد على كيفية إطلاقها هذا النوع من ردود الفعل. وربما يُشبه الأمر تأثير الشعور بالقشعريرة على الجلد البشري، أي رد فعلٍ لا إرادي ناجمٍ عن انخفاض درجات الحرارة مثلًا، حسبما أوضحت لويز للموقع.

وأضافت لويز: «لكن من المحتمل أنَّ الأمر يبدأ بإدراك الأخطبوط لخلفيته، ثُم يتخذ قرار (التحوُّل) بكامل وعيه».

ويُوضح التقرير أنَّ بعض الكائنات الحية تأخذ أشكالًا جديدةً تمامًا عن طريق عملية الانسلاخ أو «metamorphosis»، وأشهر مثالٌ على ذلك هو مجموعة اليُسروعات التي تُشكِّل شرنقةً لتنبثق منها الفراشة في وقتٍ لاحق. لكن هناك بعض الأمثلة المُفاجِئةِ أيضًا. إذ إنَّه كثيرًا ما تجتمع فصائلَ متنوعة من الأميبا أُحادية الخلية معًا في صورة هياكلَ مُتعددة الخلايا. أي بعبارةٍ أخرى، تجتمع هذه الخلايا معًا لتتحول.

ومثالٌ آخرٌ على الأميبا هو النوع المعروف علميًا باسم Dictyostelium discoideum، الذي اكتُشِف أنَّه يجتمع ليُشكَّل «بزاقًا» حين يكون بحاجةٍ لإيجاد طعام. وحين يستقر البزاق على أرضٍ جديدة يتغذى منها، يتغير شكله مرةً أخرى إلى جسمٍ مُثمرٍ ناضجٍ يُطلق الأبواغ ويبدأ دورة الحياة من جديد.

وفي النهاية، ترى ماكسيمينا أنَّ اكتشاف مثل تلك الأمثلة يعني أنَّ «العلم بدأ يلحق بركب الخيال العلمي بخطواتٍ بطيئة».

«التبريد العميق» طريقك إلى الحياة الأبديَّة

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد