أعدت الكاتبة الصحافية أورسولا ليندسي تقريرًا مطولًا حول العاصمة الإدارية الجديدة التي أعلن نظام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي البدء في تنفيذها؛ بهدف تقليل الضغط عن العاصمة القاهرة. وكانت أورسولا عاشت في القاهرة حوالي 12 عامًا، لتنتقل بعدها للعيش في مدينة الرباط المغربية، فهي كاتبة مهتمة بالثقافة العربية، والسياسات في المنطقة، وكتبت لعدد من الصحف الأمريكية الشهيرة.

تقول أورسولا في مقدمة تقريرها الذي نشر في موقع «Places» الإلكتروني: «العاصمة الجديدة لمصر خالية من السكان، إذ تفتقر إلى مصدر مائي يغذيها، كما أنها خسرت مطور عقاري أساسي، وهي الشركة الصينية التابعة للحكومة، التي كانت اتفقت على إنشاء المرحلة الأولى من المشروع، قد تظن أن هذه المدينة المخطط إقامتها في الصحراء على بعد 45 كيلومترًا عن القاهرة، لا يوجد سبب لوجودها»، وتنقل الكاتبة ما قاله ديفيد سيمز أحد مخططي المدن لصحيفة «وول ستريت جورنال» إذ قال: «احتياج مصر إلى عاصمة جديدة هو احتياج فارغ».

ويقول التقرير إن السبب وراء هذا المشروع هو الرئيس الذي يحب «الأحاديث الضخمة»، فقد تحدث عن حديقة ترفيهية أكبر أربعة أضعاف من حديقة «ديزني لاند»، و700 مستشفى وعيادة طبية، و1200 مسجد وكنيسة، و40 ألف غرفة فندقية، وألفين مدرسة، ليست ضخامة فقط، ولكن بسرعة أيضًا.

فوقف الرئيس مع حاكم دبي وبجانبه نموذج للعاصمة الجديدة، في مارس (آذار) 2015، وأعلن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن الإنشاءات سوف تبدأ في الحال، عندما التفت إلى أحد المسؤولين الإماراتيين في تنفيذ المشروع وقال: «عشر سنين مين؟، لا لا احنا مبنعملش الشغلانة كده، مينفعش لا عشر سنين ولا سبع سنين كمان».

ويضيف التقرير أن مصر ليست الدولة الأولى التي تنقل حكومتها وبرلمانها ومقر الرئاسة والوزارات والسفارات، إلى عاصمة يتم إنشاؤها من الصفر، ولكنها ستكون الأولى التي تنفق 45 مليار دولار من أجل ذلك، في وقت تندلع فيه انتفاضات من أجل الخبز في الشوارع. وتلك هي تكلفة المرحلة الأولى فقط من المشروع، فالخطة الأكبر غريبة للغاية، حتى أنها تبدو خيالية: ناطحات سحاب متطورة، وبحيرات صناعية تدير ظهرها للقاهرة والدلتا.

وكان تنفيذ المشروع قد شهد نشاطًا الخريف الماضي، حينما دخلت شركتان صينيتان تابعتان للحكومة، لتحل مكان الشركة الإماراتية التي كانت انسحبت قبل ذلك بعام. والآن فشلت المفاوضات مع إحدى الشركتين الصينيتين، ما يعني أن خطر نقص التمويل يقع على كاهل الحكومة المصرية والمستثمرين المحليين. واعتبر التقرير أن ذلك سيكون عبئًا كبيرًا على اقتصاد يقف على حافة الانهيار، ويحاول التعافي مدعومًا بمساعدات خارجية أغلبها من الخليج، وقروض ذات شروط صارمة من صندق النقد الدولي. وعلى رغم ذلك فإن خطط العاصمة الجديدة تشهد تقدمًا يكتنفه الغموض والكلام المنمق، فالتقارير التلفزيونية تفيد أن ضخ المياه بدأ، والعمران يزحف، والمباني السكنية تزداد على المساحة الصحراوية، فوزير الإسكان المصري صرح بأن حوالي 17 ألف وحدة سكنية على وشك الانتهاء، وسيبدأ بيعها الشهر المقبل.

ويطرح التقرير بعض الأسئلة الجوهرية التي ما تزال ليس لها إجابة على رغم تقدم عملية الإنشاء، كم من الوقت يستغرق ضخ المياه الشحيحة بالأساس إلى الهضبة الصحراوية، ومن سيتحمل تكلفة ذلك؟ ومن سيقنع عشرات الآلاف من موظفي القطاع الحكومي بالرحيل إلى العاصمة الجديدة؟ ولماذا التعجيل في بناء المدينة في حين تواجه مصر تحديات أهم حاليًا مثل التقشف الاقتصادي والإرهاب؟ وعلاوة على ذلك كله، لماذا العزم على التحول عن مركز ثقافي ينبض بالحياة في قلب العالم العربي؟ فقبل ست سنوات حينما اتخذ سكان القاهرة المأهولة من شوارعها مكانًا للمطالبة بالتغيير، كانوا الأكبر والأعلى صوتًا في المنطقة، هل من أجل ذلك يحلم النظام العسكري الذي يحكم البلاد بإدارة القاهرة من على بعد؟

هوس الصحراء

ينقل التقرير الخطاب الرسمي الذي يقول بأن نقل العاصمة سيخفف الاحتقان في العاصمة التاريخية، وكأن المشكلة الوحيدة هي عدد السكان، وليس التوزيع غير العادل للموارد، أو تجاهل المساحات الكبيرة من الأراضي. فالقاهرة الكبرى من المدن النشيطة، ولكنها تعاني خللًا وظيفيًّا، حيث يعاني 20 مليون نسمة فيها من زحام مروري خانق، وتلوث كارثي، وتكالب هائل على المياه. ولعقود ماضية، حاول المخططون حل المركزية عن المدينة، ببناء مدن بعيدة تابعة، بعضها يتخصص في التعليم العالي، وأخرى صناعية، وغيرها مدن سكنية مترفة، وذلك بدلًا عن حل المشكلات الجوهرية في المناطق الحضرية.

وتوضح معدة التقرير أن الحقيقة غير الرسمية أن الحكومة تجد أنه من الأسهل تمويل مشروعات لتطوير مناطق غير مؤهلة من الأساس، وتعزيز المضاربة في العقارات في الصحراء، عوضًا عن الاستثمار في البنية التحتية التي ستخدم الأغلبية الحضرية. لا توجد خطط لبناء خطوط جديدة لمترو الأنفاق، أو لمد الخدمات إلى العشوائيات حيث يعيش أكثر من نصف السكان في مبانٍ من الطوب معبأة عن آخرها ومتراصة، يفصلها فقط أزقة من القمامة. وبدلًا عن ذلك توجد عروض صممت عبر برنامج «PowerPoint» تظهر فيها أحياء واسعة خضراء حديثة، وقد نقيت من كل المشكلات التي تعاني منها القاهرة وسكانها.

ويؤكد التقرير أن العاصمة الجديدة هي أحد عناصر «البروباجندا» التي يستخدمها الرئيس ونظامه، فالسيسي الذي يحكم البلاد منذ عام 2014 بعدما قاد انقلابًا عسكريًّا أطاح فيه الرئيس السابق محمد مرسي قيادي جماعة الإخوان المسلمين الذي فاز بالرئاسة بفارق ضئيل، بعد انتفاضة مذهلة أنهت حقبة محمد حسني مبارك التي استمرت 30 عامًا. فالسيسي منذ ذلك الحين قاد أسوأ موجة قمع في تاريخ مصر الحديث، مع قتل المتظاهرين واضطهاد الصحافيين، وسجن وإخفاء وتعذيب آلاف من المعارضين السياسيين للنظام. ومع ذلك يقدم السيسي نفسه على أنه المخلّص، الذي أنقذ البلاد من فوضى سياسية، وأخونة الدولة، والتدخل الخارجي، ورعى مشاريع قومية مثل توسيع قناة السويس، التي ستوفر عائدات اقتصادية مشكوكًا في صحة أرقامها، ولكنها قدمت له أبهة عظيمة.

لكن العاصمة الجديدة ليست مجرد مشروع قومي، فالمسؤولون في مصر ولمدة طويلة تبنوا فكرة خيالية عنيدة ترى بأن «الصحراء حل لكل المشكلات الحقيقية والخيالية» بحسب وصف سيمز، الذي عبر عن استيائه من الهوس الحكومي باستصلاح الأراضي الصحراوية خارج وادي النيل. فمنذ عام 1976 أطلقت الحكومات المتعاقبة 21 مدينة صحراوية جديدة، تهدف مجتمعة لاستقبال حوالي 20 مليون ساكن، فيما ستستقبل العاصمة الجديدة -بحسب الخطاب الرسمي- 25 مليون نسمة. ولكن حتى عام 2006 جذبت هذه المجتمعات الحضرية الجديدة أقل من مليون شخص، معظمهم في المناطق القريبة من القاهرة، ما يوضح أن قليلًا من المصريين على استعداد للابتعاد عن الشبكات الاجتماعية، والوظائف، ووسائل النقل في العاصمة المركزية.

منذ عام 1976 أطلقت الحكومات المتعاقبة 21 مدينة صحراوية جديدة، تهدف مجتمعة لاستقبال حوالي 20 مليون ساكن، فيما ستستقبل العاصمة الجديدة -بحسب الخطاب الرسمي- 25 مليون نسمة.

لكن هذا الفشل بالكاد صد الحماس لبناء مدن جديدة في الصحراء، التي تشكل 96% تقريبًا من مساحة اليابسة في مصر، والمملوكة كلها –تقريبًا- إما للدولة، وإما للجيش. وكما يصف سيمز فإن النخب ترى الصحراء مكانًا يمكنهم أن يبدؤوا فيه بناء مدن حديثة ومنظمة وغنية، تعود عليهم بالمال بينما يعيشون فيها، وبحسب وصف رئيس حكومة سابق فإنهم يعتبرون الصحراء «صينية بسبوسة» يجب أن تقسم إلى قطع.

وتقول أورسولا إنه علاوة على المدن الحكومية المخططة، فإن مساحات شاسعة من الصحراء تباع، وفي بعض الحالات تمنح لشركات تطوير عقارية خاصة، تبني أحياءً تحاوطها الأسوار، ويطلقون عليها أسماء مثل «يوتوبيا»، و«دريم لاند»، و«بيل فيل»، و«هايد بارك»، و«الرحاب»، و«بالم هيلز». وتصور اللوحات الإعلانية على الطرق السريعة في العاصمة المركزية عائلات –أحيانًا أجنبية- وهم يمرحون على المساحات الخضراء، ما يعطي صورة عن العيش في ضواحي المدينة، وهي الحياة التي بالكاد يتعرف عليها سكان القاهرة. فمنذ سنوات كانت هناك لافتة أعلى أحد المباني المهدمة في وسط القاهرة مكتوب عليها عبارة «إنت هنا ليه؟»، وتقول الكاتبة: «بالطبع، فقط الأقلية الثرية لديها الخيار لتكون في أي مكان آخر».

إذًا العاصمة الجديدة ترمز إلى الوطنية في جزء منها، وآخر عبارة عن مشروع استصلاح أراضٍ صحراوية، وثالث يعتبر أرض الخيال. وبعد أكثر من سنة عرف فيها المشروع باسم «العاصمة الإدارية الجديدة»، فإنها أخيرًا أطلق عليها اسم «وديان»، من قبل تحالف الشركات الهندسية والمعمارية البارزة في المشروع.

وستضم العاصمة نهرًا صناعيًّا محاطًا بمساحات خضراء واسعة، يمر من خلال المدينة، بالإضافة إلى 13 حيًا جميعها باسم «وديان»، كل منها يحوي منطقة خضراء، ويضم ميزة عن غيره، فمثلًا هناك «وادي المعرفة» ويضم الجامعة، و«وادي العدل» ويضم المحاكم، و«وادي الثقافة والفنون»… إلخ.

ظلال ميدان التحرير

تقول أورسولا: «إن الأكثر إثارة للقلق، أن العاصمة الجديدة ستجعل الحكومة تتفسخ عن المدينة المركزية، وعن سكانها، من أجل إحباط أي تحرك شعبي على شاكلة ما حدث في 25 يناير (كانون الثاني) 2011، والتي توجت بـ18 يوم اعتصام في ميدان التحرير».

ففي يوم 28 يناير (كانون الثاني) من ذلك العام، تلاقت الجموع في ميدان التحرير قادمين من نقاط انطلاق مختلفة في أنحاء القاهرة، وبعد معارك دامت طوال اليوم، اقتحمت الجموع ميدان التحرير، وتقول الكاتبة عن تجربتها خلال ذلك اليوم: «اتبعت مسيرة انطلقت بعد صلاة الجمعة من حي الدقي، ثم اقتفيت أثرها من خلال عبور ضفة النيل، وكان التحرير وقتها كتلة من النيران والدخان والغاز المسيل للدموع، وظل الشباب يتجولون فرحين في الليل بدروع وهراوات أفراد الشرطة وبعض من أسلحتها، بعد أن هربت قوات الشرطة، وانفجرت سياراتهم كالألعاب النارية، وفي اليوم التالي كان مقر الحزب الوطني الحاكم ما زال يحترق، رأيت رجلًا في الخارج يرفع يده ويقول بفرح شديد أن الحكومة سقطت».

وتتابع: «كنت أخرج إلى شرفتي خلال الاعتصام الذي دام 18 يومًا لأرى الجموع تدخل من شارع القصر العيني إلى الميدان، وذهبت إلى هناك عدة مرات، مارة في طريقي بالشوارع الهادئة حد الغرابة، كان الحي به نقاط للتفتيش وضعها شباب صغير السن، ويقوم متطوعون بالتفتيش باحترام داخل الحقائب، وعلى جانبي النقطة تغني لجان الترحيب عبارة (المصريين أهم)».

وترى الكاتبة أن التظاهرات التي بدأت ضد وحشية الشرطة، تحولت إلى شيء أكبر، كان الناس يستدعون أصدقاءهم عبر الهاتف «يجب أن تأتوا إلى هنا، يجب أن تروا الذي يحدث».

إن الأكثر إثارةً للقلق، أن العاصمة الجديدة ستجعل الحكومة تتفسخ عن المدينة
المركزية، وعن سكانها، من أجل إحباط أي تحرك شعبي على شاكلة ما حدث في 25
يناير (كانون الثاني) 2011.

فالكثير قد كتب عن «جمهورية التحرير الحرة» على حد وصف الكاتبة، فتقول: «فقد كتب الكثير عن العيادات الميدانية والمشاريع الفنية الجماعية، والمتطوعين لتنظيف الميدان، وعن الهتافات الحماسية، وبهجة المتضامنين، والاختلاط بين الرجال والنساء، المسلمين والمسيحيين، الشباب والعجائز، بعض ما كتب كان قريبًا من المثالية، لكن كان هناك عنف وعدم ثقة أيضًا، وتخبط واختلاف داخل الميدان. لكن أي خلاف ينشأ يتم حله علنًا في صورة جماعية، في شكل من الجدال والمشاركة المدنية، كان الأمر بعيدًا عن المثالية، لكن بعد سنوات من الخوف والاستسلام فإن ذلك كان منعشًا بعمق».

وتتحدث الكاتبة عن تجربتها في العيش في القاهرة، حيث تقول إنها عاشت في منطقة وسط البلد منذ عام 2002 وحتى 2014، وهو الحي الذي يضم الكثير من المباني الحكومية. أما الآن فحينما تستدعي الصورة اللامعة للعاصمة الجديدة، يصعب عليها تصور المتظاهرين وهم يصلون إلى عمق الصحراء، للاعتصام في «الساحة الشعبية» عند القصر الرئاسي الجديد. فمدينة وديان تضم مساحة مفتوحة تعتبر ديكورًا للاحتفالات السياسية، بدلًا من أن تكون ملكية عامة للشعب. فالعاصمة الجديدة ستكون بعيدة جدًّا عن المركز، والمسافة الكبيرة بينهما تجعل من الصعب تصور كيف سيتجمهر المواطنون، في أعداد كبيرة للتعبير عن مطالب سياسية.

لكن أورسولا ترى أن هذا هو المغزى بالضبط، فالغرض من العاصمة الجديدة هو تجسيد إرادة الرئيس، وتأكيد الدور البارز للمؤسسة التي جاءت به إلى السلطة، وهي الجيش، في إدارة البلاد. فالمشروع تديره شركة مشتركة بين وزارة الإسكان والجيش، والأرض لن تباع، بل يتم تأجيرها. وتعتبر الكاتبة أن ذلك هو مثال على توغل الجيش في القطاع الخاص، مستخدمًا «نسب الإيجار». وترى أن الطريقة التي صمم بها المشروع وأعلن بها –من دون استفتاء شعبي ومساءلة أو شفافية عن حجم التكاليف والتأثيرات البيئية- مما يعزز سلطوية النظام. وتضيف الكاتبة: «ما أنتجه هذا النظام هو مدينة صحراوية متجاهلًا ليس فقط للجغرافيا والتاريخ والمناخ، ولكن للواقع الذي يعيشه معظم المصريين».

مدينة تبحث عن مركز

بينما بقيت مدينة القاهرة لآلاف السنين، إلّا أن الجزء الحديث من المدينة يعود إنشاؤه إلى حقبة الخديوي إسماعيل في القرن الـ19، مدفوعًا بثراء تجارة القطن، ومُلهَمًا بزيارته إلى معرض باريس عام 1867، حينها قرر الخديوي تطوير القاهرة جذريًّا، بالتزامن مع افتتاح قناة السويس. فدعا البارون هوسمان، وهو المعماري المصمم لباريس الحديثة، وعهد إليه بتصميم شبكة من الطرق الواسعة والميادين في غرب القاهرة القديمة، وفوض بإنشاء حدائق الأزبكية وحي الإسماعيلية، وهو منطقة «وسط البلد» حاليًا، وكانت قطع الأراضي في هذه المناطق تمنح فقط لمن يريد أن ينشئ مباني على الطراز الأوروبي.

وغيرت هذه التدخلات المخطط الحضاري تمامًا، لكنها أدت إلى إفلاس الخديوي والبلاد، حتى استدعى «مستشارو» الخديوي للشؤون المالية قوات لحماية مصالحهم، وبذلك بدأ عهد 70 عامًا من الاحتلال البريطاني لمصر. وتوسعت المناطق السكنية الجديدة على يد القوى الاستعمارية، والكثير من الأحياء القديمة التي تعرف اليوم بالقاهرة الإسلامية، كان ينظر إليها على أنها آثار من الماضي، قذرة وغير منظمة، وهجرها النخبة إلى الأماكن الجديدة.

وتشير الكاتبة إلى أن قصة القاهرة ما قبل الحرب، هي قصة هذه المدينة المزدوجة، بجانبيها المتجاورين لكنهما متضادان: الحداثة مقابل التخلف، والثراء مقابل الفقر، والأجنبي مقابل المحلي، والتخطيط مقابل العشوائية. فالطريق بين نصفي القاهرة يمكن أن يُفهم أبعاده من الأعمال الأدبية لكتّاب مثل نجيب محفوظ، ويوسف إدريس، فهما في رأي الكاتبة وجدا حريتهما وراحتهما في الأحياء الجديدة، لكنهما أيضًا شعرا بالاغتراب وعدم المساواة. وتنقل أورسولا رأي الجغرافية وباحثة الأنثروبولجيا جانيت أبو لغد، إذ وصفت التقسيم الحضري في القاهرة بأنه «تمزيق للنسيج الاجتماعي، ناتج من الحداثة المفروضة والاستعمار».

وتضيف أورسولا: «على رغم هذا التاريخ المستمر، فإن منطقة وسط البلد بالقاهرة أصبحت القلب الثقافي لها، وميدان التحرير هو المساحة الشعبية الأعظم. فحينما اعتصم المتظاهرون في ذلك الميدان في شتاء عام 2011، لم يفعلوا ذلك لمجرد التظاهر ضد الحكومة، ولكن لاستعادة حقهم المشترك في أن يروا ويتم رؤيتهم».

ويوضح التقرير أن سنوات ما قبل خلع الرئيس السابق مبارك، شهدت تحول وسط القاهرة إلى خواء، نتيجة تمدد الأحياء العشوائية، ومقابلها من المدن الجديدة، وهو ما تقول عنه الكاتبة: «فالقاهرة مثل باقي العواصم الكبيرة في دول العالم النامية، حيث تعاني من انعزال الطبقة المتوسطة، هؤلاء الذين يمكنهم تحمل تكاليف الهروب من التلوث والفوضى في المدينة، والبحث عن ملجأهم في المدن الجديدة»، وتقول أورسولا إن الملايين في هذه الأثناء عاشوا في الأحياء العشوائية، التي قاموا ببنائها بأنفسهم لسد حاجتهم الأساسية، في تحدٍ صريح للقانون، ولكن في ظل «تواطؤ» من المسؤولين أيضًا، فعانوا للحصول على المياه والكهرباء، والطرق المرصوفة، والخدمات العامة. حتى أن أحياءهم غير موجودة على الخريطة، وتوصم بأنها أوكار للجرائم والمتطرفين. وحينما اعترفت السلطات –على مضض- بوجودهم، كانت تطلب منهم إخلاء المناطق. وبذلك أضحت القاهرة أكثر انقسامًا، بين أقلية ثرية حلمت بالهروب، وبين أغلبية تعاني من سلطات تطلب منهم الرحيل.

بحسب وصف رئيس حكومة سابق فإنهم يعتبرون الصحراء «صينية بسبوسة» يجب أن تقسم إلى قطع، وفي بعض الحالات تمنح لشركات تطوير عقارية خاصة،
تبني أحياءً تحاوطها الأسوار ويطلقون عليها أسماء مثل «يوتوبيا»، و«دريم
لاند»، و«بيل فيل»، و«هايد بارك»، و«الرحاب»، و«بالم هيلز».

وتشير أورسولا إلى حقبة حكم مبارك، فتقول إن في ظل نظامه تم خصخصة المساحات المفتوحة، وعينت لها الحراسة، والحدائق العامة أغلقت، ووضعت الأسياج حول الميادين العامة، حتى أن أراضي الملكيات العامة بيعت خلسة إلى مستثمرين. وتضيف أن الطرق السريعة والكباري الجديدة خدمت فقط باصات نقل السياح، وساكني المدن الجديدة، ما تسبب في تدمير وتشويه الأحياء المركزية. وفي بعض المناطق أقيمت الطرق السريعة لتكون قريبة للغاية من المباني السكنية، حتى أن السائقين يمكنهم أن ينظروا من مكانهم مباشرة في غرفة معيشة أحد المواطنين. وفي الوقت ذاته روقبت التجمعات العامة بإحكام، وجرمت التظاهرات.

وتحكي الكاتبة عن حديثها مع الروائي حمدي أبو جليّل، الذي كتب عن تجربته في العيش في منطقة منشية ناصر بالقاهرة، إذ قال لها في وقت لم يكن منطقيًّا الحديث عن الأحياء «المهمّشة» في القاهرة: «لا يوجد أحد، مهما يكن المكان الذي عاش فيه، لديه السلطة لاتخاذ القرارات السياسية، فمبارك هو الأساس وبقيتنا مهمشون».

وتشير إلى أن المصريين بعد ثورة 25 يناير (كانون الثاني) كانوا حريصين على الوصول إلى الانقسامات الاجتماعية الجغرافية لإصلاح المدينة، وتصف أن القاهرة كانت في حالة ثبات، لكن التفاؤل كان في أعلى درجاته، فالباعة المتجولون أصبحوا يقفون أينما رغبوا، والشباب يقود الدراجات النارية على الأرصفة، وكل شيء كان يدل على السياسة، فالفنانون أقاموا معارضهم في مناطق فقيرة، وقادوا جولات للمشي في العشوائيات، والنشطاء وضعوا شاشات في الميادين المفتوحة لعرض لقطات إخبارية كانت الشرطة تفرض عليها رقابة، والجيران في الأحياء نظموا أنفسهم للمطالبة بجمع القمامة من المناطق الفقيرة، وتحملوا مسؤولية الحي والبنية التحتية فيه، فقد قاموا بأنفسهم ببناء شوارع صغيرة تربطهم بالطرق السريعة. وأدرك المعماريون والمخططون التقدميون أنهم أخيرًا يمكنهم رؤية طريقة منصفة في التعامل مع التطوير الحضاري، وكان الانتصار الأول لهم حينما ألغيت خطة «القاهرة 2050»، وهي خطة وضعت في عهد مبارك تبنت إعاد تطوير الواجهة المائية للنيل، والتي كانت تتطلب طرد وإعادة توزيع أكثر من 12 مليون شخص. وفي خلال سنوات قصيرة تلت الثورة تم تقبل الكثافة السكانية في المدن على أنها حقيقة واقعة.

وتقول أورسولا: «في عام 2012، بدأت حضور اجتماعات عمل تركز على الجانب الحقوقي تنظمها المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، إذ يقدم الفنانون والباحثون والصحافيون عملهم ويتبادلون الأفكار، وفي أحد الاجتماعات عرض المعماري فادي الصادق صورة للناس أثناء أداء الصلاة في ميدان التحرير، وظهروا على سجادة الصلاة متراصين بإحكام كحبات الرمان، وبجانبها صورة لمنازل في العشوائيات، وقال إن الصورتين تمثلان الاستغلال الأقصى لمساحات الفضاء». وتشير الكاتبة إلى أن ملاحظة الصادق تتفق مع حقيقة الكثافة السكانية للقاهرة التي وصلت إلى 40 ألف نسمة للكيلومتر المربع، أي أنها تفوق الكثافة في مدينة نيويورك أربعة أضعاف، وبالتالي فإن الكثافة هي السمة المميزة للنطاق الحضري في مصر.

بحسب الإحصاء فإن حوالي 13% فقط من المصريين يملكون سيارة خاصة، ويفضل سكان
الحضر السيارات الخاصة على وسائل النقل العامة، ما يزيد من الاختناق المروري
ويتسبب في المزيد من التلوث.

وللاستفادة من هذه الكثافة السكانية، فإن المدينة تحتاج إلى آلية سياسية للتأكد من توزيع الموارد توزيعًا عادلًا، وترى الكاتبة أن أكبر المشكلات التي تواجه القاهرة هو الافتقار إلى الاستثمار في المواصلات العامة، حتى في ظل إقامة الحكومة طرقًا سريعة ضخمة في الصحراء، وبحسب الإحصاء فإن حوالي 13% فقط من المصريين يملكون سيارة خاصة، ويفضل سكان الحضر السيارات الخاصة على وسائل النقل العامة، ما يزيد من الاختناق المروري، ويتسبب في المزيد من التلوث.

ويشير التقرير إلى أن المصريين عام 2013 حينما كانوا يتجادلون حول إعادة تطوير البلاد، عرض الصادق تقسيم القاهرة إلى 20 حيًا يضم كل منها 100 ألف مواطن، على أن يدير كل حي لجنة من ممثلين محليين ومخططين مركزيين، سيقومون معًا باختيار شارع واحد تخدمه المواصلات العامة، لإغلاقه وتحويله إلى منطقة خضراء أو مفتوحة وربطها بمناطق العمل، وسيتم تخصيص هذا الطريق للمشاة وتعزيزه بمميزات مثل المقاعد، والظلال، والنوافير.

وتقول أورسولا: «كان عرض الصادق مثل الكثير من خطط الإصلاح المبتكرة في ذلك الوقت، والتي لم تر النور حتى اليوم، فالبيروقراطية أصيبت بالشلل التام في انتظار معرفة من سيفوز بالسلطة، لكن هؤلاء الذين شاركوا في الثورة نادوا مرارًا وتكرارًا بالعودة إلى الميدان، وبالفعل عادوا أكثر من مرة، لكن الذي كانوا يحتاجونه بالفعل هو العودة بالزمن، إلى اللحظة الإيجابية الاستثنائية التي تبين أنها كانت عابرة، حينما وقفوا جميعهم في وسط التاريخ».

وتصف الكاتبة أن أحلام الحصول على مدينة أفضل ضاعت مرتين، حينما صعد الإخوان المسلمون إلى السلطة، والأخرى حينما وصل السيسي بنظامه العسكري إلى الحكم. فميدان التحرير أصبح يشكل خطرًا، فالمتظاهرون قتلوا هناك على يد الشرطة والجيش واغتصبت النساء. حينما كانت أجهزة المجتمع المدني مشغولة عن آخرها بالدفاع عن الحقوق الأساسية وعن حق تواجده. والآن الكثير من طاقم المبادرة المصرية استقالوا أو غادروا البلاد، ومؤسسها حسام بهجت يواجه محاكمة إلى جانب بعض نشطاء حقوق الإنسان المعروفين في البلاد، بتهمة تلقي تمويلات أجنبية.

لا سياسة في المدينة الجديدة

يوضح التقرير أنه في ظل المناخ القمعي الأكثر انتشارًا اليوم، يخشى الكثير من المصريين انتقاد مشروعات السيسي على الملأ، حتى أن بعض كتاب الأعمدة في الصحف أبدوا بحذر تحفظاتهم عليها، مبررين أنه ليس الوقت المناسب لمشروعات طموحة ومكلفة إلى هذه الدرجة. أما المعماريون والمخططون خصوصًا تملكهم الرعب من إظهار النقد، لكن معماريًّا وأستاذًا جامعيًّا مصريًّا– أمريكيًّا سخر من العاصمة الجديدة عبر حسابه على موقع التواصل «فيسبوك»، ووصفها بـ«سيسي لاند»، ما عرضه إلى الاحتجاز والتحقيق في مطار القاهرة الدولي.

وتتساءل أورسولا: «ماذا ستقدم المساحة العامة المفتوحة في العاصمة الجديدة لدولة حظرت عام 2013 التجمعات والتظاهرات؟»، وهي الدولة التي حولت ميدان الشعب بالأساس –التحرير- إلى أرض معارك، خنقته بالغاز المسيل للدموع، ونثرت فيه الدماء، وأغلقت مداخله بالجدار الإسمنتي، وانتشرت فيه الشرطة وكأنه مسرح جريمة.

وترى الكاتبة أنه في العاصمة الجديدة لن تكون السلطات مضطرة لاتخاذ تدابير أمنية فائقة كالتي يتخذونها في وسط القاهرة، فاليوم توجد عند نهاية شارع القصر العيني بوابة حديدة كبيرة، ملونة بعلم مصر، يمكن للسلطات إغلاقها في أي وقت لمنع المسيرات من الوصول إلى ميدان التحرير. أما الشارع المؤدي من الميدان إلى مبنى مجلس الشعب مغلق منذ سنوات، والحائط الإسمنتي يحيط بمعظم الوزارات والسفارات ليس تأمينًا ضد العمليات الإرهابية، بقدر ما هو تأمين ضد المتظاهرين.

ينظر النظام إلى المساحات المفتوحة كما ينظر إلى الحكم ذاته، فلديه خيار من اثنين إما الفوضى الكاملة، وإما التحكم الكامل.

وينظر النظام إلى المساحات المفتوحة كما ينظر إلى الحكم ذاته، فلديه خيار من اثنين إما الفوضى الكاملة، وإما التحكم الكامل، فلا يوجد أرض وسط يمكن التفاوض فيها على المصالح، أو مناقشة توزيع الموارد. وترى الكاتبة أن المدينة الجديدة ستكون «خالية من السياسة»، وتضيف: «مهما يكن نتيجة خطة نقل العاصمة فإنها قد كشفت عن رؤية الحكومة لمدينتها المثالية: إذ تكون مخططة بدقة، وبراقة، ومنظمة، ومستقلة، ومعزولة عن السكان، أي أن تكون مدينة مضادة للقاهرة».

وتؤكد أورسولا أن هناك ما سيتم بناؤه في الصحراء، وسيعود بالنفع على أحدهم، لكن الأسئلة التي ما تزال مطروحة في رأيها هو هل ستنتقل الحكومة بالفعل إلى هناك؟ وهل سيتبعها مواطنون وسكان إلى هذه المدينة؟ وتستدل الكاتبة بمدينة نصر، وهي الضاحية التي خطط لها في الخمسينات من القرن الماضي، والتي كان الهدف منها هو أن تضم الوزارات، وهو ما لم يحدث أبدًا. وكان المسؤولون في حكومات مبارك يتطرقون مرارًا إلى نقل المباني الحكومية، لكنهم لم يشرعوا أبدًا في التنفيذ، وترى أورسولا أن الصحراء حول القاهرة تتبعثر فيها مدن ومجتمعات نصف فارغة– نصف ممتلئة.

وتختتم الكاتبة تقريرها قائلة: «إلى الآن، تخدم العاصمة الجديدة غرضًا خطابيًّا، إذ يمكن للحكومة والإعلام الحديث عن هذا الكائن الخرافي بدلًا عن الحديث عما يجري بالفعل في شوارع مصر، وتتيح لهم أن يظهروا وكأنهم يحاولون حل مشكلات الدولة، ولا يتجنبونها». وتستدل الصحافية بما قاله أحد المعماريين حول العاصمة الجديدة: «إنه مشروع لهؤلاء الذين يريدون تصديق أن الأمور تتقدم، وأن الحكومة تفعل أشياءً تصب في صالحهم، إنما الحقيقة هي أننا ننفق الكثير من الأموال لنقل القذارة وسط الصحراء».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد