في مصر وسوريا والعراق والبحرين، سيكون من الصعب للغاية على الحركات الديمقراطية الثورية تحقيق أي نجاح في مثل هذا النظام السياسي ثنائي القطبين.

مرَّت أربع سنوات منذ أن اشتعلت الثورات العربية، وقد تركت الاضطرابات الاجتماعية الناتجة عنها المنطقة في حالة يرثى لها. فمن مصر إلى سوريا والعراق، يبدو أن النخب القديمة في هذه البلدان غير قادرة على البقاء في السلطة دون دعم دولي كبير. وبمعاناتها من الاضطرابات الاجتماعية وصعود جماعات مسلحة تنتهج العنف تجاه الدولة، فقد فقدت بعض هذه البلدان قدرتها على العمل بشكل مستقل في الساحة الدولية. وقد أصبحوا وكلاء لقوى إقليمية أخرى، وأبرزها المملكة العربية السعودية وإيران، اللتان توسعان من نفوذهما من أجل الهيمنة الإقليمية.

وبالتالي، فإن الطابع المتعدد القطبية للنظام الإقليمي تحول بثبات نحو نظام ثنائي القطبية، وذلك مع تحرك المملكة العربية السعودية بصفتها قوة عظمى إقليمية وأحد القطبين، وقيامها بتشكيل ائتلاف الأنظمة المحافظة السنية، وإيران بصفتها القطب الآخر، وتشكيلها لائتلاف من وكلائها الشيعة. بينما تبخرت صلاحيات مصر وسوريا والعراق، وهم المتنافسون التقليديون على قيادة المنطقة، بسبب اعتماد النخب الحاكمة في تلك البلدان على رعاتهم الغربيين من أجل الحفاظ على قبضتهم الواهية على السلطة.

يقول كينيث فالتز، أحد منظري العلاقات الدولية الأكثر شهرة، في «نظرية السياسة الدولية» إن سلوك الدول في النظام الدولي يعتمد على توزيع السلطة داخل هذا النظام.

يطلق على النظام الذي لديه أكثر من قوة عظمى اسم «نظام متعدد الأقطاب»، وهو يعتبر نظامًا غير مستقر. في حين أن النظام الذي يحتوي على قوتين عظميين فقط يطلق عليه اسم «نظام ثنائي القطبية»، والذي يعتبر الأكثر استقرارًا.

يواصل فالتز حديثه قائلاً إن الأسباب وراء استقرار النظام ثنائي القطبية هي قدرة القوتين العظميين على السيطرة على شركائهما الصغار، بحيث لا يسمح للشريك الصغير بأن يؤجج خطر اندلاع حرب واسعة النطاق عن طريق سحب القوى الكبرى إلى مواجهة غير مرغوب فيها، ويتم الاستشهاد بديناميكية الحرب العالمية الأولى كمثال على ذلك. كما ينخفض أيضًا مستوى عدم اليقين في هذا النظام ويمكن تجنب التهديد بالحرب، بما أن هناك اثنين فقط من القوى الكبرى هما من تتواصلان مع بعضهما البعض، ويستشهد بحقبة السلام الأوروبية خلال الحرب الباردة في دعم هذه الفرضية.

هذه هي النظرية، ولكن كيف ينطبق ذلك على الشرق الأوسط؟

المعسكر السني المحافظ الذي تقوده السعودية

تجاوزت المملكة العربية السعودية السنوات الأربع الماضية بشكل مسالم نسبيًا. على الرغم من أنه كانت هناك آمال باحتمالية اندلاع «ربيع السعودية»، ولكن تم سحق هذه الآمال.

في الواقع، لقد برزت المملكة بمثابة معقل للنشاط الإقليمي المعادي للثورة، بتأييدها الجيش المصري في سعيه للحفاظ على السلطة وسحق الثورة. كما قادت المملكة الجهود الإقليمية، تليها الإمارات العربية المتحدة، الرامية إلى ضخ رأس المال اللازم في الاقتصاد المصري، الذي يهيمن عليه مباشرة من قبل الجيش. في الواقع، لقد سمح هذا للجيش المصري بإحكام قبضته على البلاد.

كما اتبعت المملكة سياسة خارجية نشطة وجريئة اشتملت على التدخل في الدول المجاورة، لا سيما إذا شاركت العناصر الشيعية في صراع داخلي. أول هذه التدخلات كان في البحرين، والآن في اليمن، حيث يتم تعيين مصر وحلفاء آخرين صغار للعب أدوار بارزة.

وبناء على هذا، يمكن القول إن المملكة العربية السعودية قد تصبح القوة الأكثر أهمية في العالم العربي السني. وقد تمكنت المملكة من تحقيق ذلك من خلال ضمان فقد القوى المنافسة المحتملة لأهميتها، واعتمادها على الدعم السعودي لعدم نجاح الثورات. وعلى هذا النحو، كان المنافس الوحيد المحتمل هو مصر، التي ضعفت إلى حد كبير بسبب الثورة وأصبحت أكثر اعتمادًا على المساعدات السعودية والدعم الدولي من أجل البقاء.

المعسكر الإيراني

يمكن ملاحظة نفس الديناميكية في إيران. فمن خلال سياسة متأنية وطويلة الأجل لكسب الحلفاء، جنبًا إلى جنب مع حماقة الولايات المتحدة واندلاع الثورات العربية، تمكنت إيران من تضخيم نفوذها في العالم العربي.

تمتلك إيران علاقات إستراتيجية طويلة الأمد مع الحركات والأنظمة «الراديكالية» في المنطقة، والتي تشمل حماس وحزب الله والنظام السوري. وقد أتاح ذلك لإيران التغلغل عميقًا في العالم العربي، ليس فقط عبر دعم القضية الشيعية، ولكن من خلال دعم القضايا التي كانت ولا تزال ذات أهمية كبيرة لدى العرب، وهي احتلال فلسطين، التي تستخدمها بمهارة لبناء قوتها الناعمة في المنطقة.

وقد ساهمت الولايات المتحدة أيضًا في توسع النفوذ الإيراني عن طريق الإطاحة باثنين من المنافسين الرئيسيين لها، وهما النظام البعثي العراقي وحركة طالبان في أفغانستان، مما منح إيران حرية كبيرة في الحركة وخاصة في العراق، حيث أصبح النظام السياسي العراقي أكثر طائفية. وعلاوة على ذلك، فإن تراجع قوى إقليمية أخرى جعلتهم مجرد وكلاء لإيران، وأبرزهم العراق وسوريا.

في العراق، أدت الطبيعة الطائفية المتزايدة في السياسة العراقية، والتي بلغت ذروتها مع صعود تنظيم الدولة، إلى تآكل الدولة العراقية، وفتح الطريق لتوسع النفوذ الإيراني، الذي يهدد في بعض النواحي بأن يحل محل الدولة العراقية.

هذا واضح جدا في الدور البارز الذي لعبته إيران في معركة تكريت، حيث لعبت الميليشيات المدعومة من إيران دورا بارزًا في قتال تنظيم الدولة، وهو في جوهره ينفي دور الدول ويدمر احتكارها للعنف. وبكلمات أبسط، أصبحت الدولة العراقية غير قادرة على حماية نفسها ومواطنيها دون دعم إيراني، مما يلغي أسباب وجودها.

أما في سوريا، فقد حدث سيناريو مماثل. فقد أصبح نظام الأسد يعتمد على الدعم الإيراني من أجل البقاء في السلطة. وهكذا، فقد كل الاستقلالية في مجال السياسة الخارجية. وفي المستقبل المنظور، فإن النظام السوري ليس لديه خيار سوى اتباع أوامر طهران.

في وسط كل هذه الدماء، أين هو هذا الاستقرار الذي تنبأ به فالتز؟

يحتاج المرء إلى أن يتذكر أن نظرية العلاقات الدولية هي أداة تخص أوروبا، وهو ما يفسر البقع الثقافية العمياء التي تعيبها. فهي تتجاهل ببساطة عددًا كبيرًا من الحروب الإقليمية الأهلية والحروب بالوكالة والانقلابات والانقلابات المضادة، وإشراك القوى العظمى، مثل الولايات المتحدة، والاتحاد السوفييتي خلال الحرب الباردة. ربما تكون أوروبا مستقرة، لكن العالم الثالث عانى من خسائر كبيرة.

بناء على هذا، ماذا يمكن أن نتوقع بالضبط؟

يمكن للمرء أن يجادل بأن حربًا واسعة النطاق بين القوتين الإقليميتين ليست مرغوبة ولا محتملة. ومع ذلك، فإن سلسلة من الحروب بالوكالة، التي اندلعت بالفعل في بلدان مثل سوريا، وربما اليمن، لا بد أنها ستستمر، حيث يتنافس كل من الطرفين لتوسيع نطاق هيمنته على العالم العربي أو ما تبقى منه.

إن هذا لا يبشر بالخير بالنسبة للحركات الديمقراطية والثورية. فهم يجدون أنفسهم مصر وسوريا والعراق والبحرين قد انجرفوا في هذا الصراع الإقليمي، وليس فقط مع حكوماتهم القمعية، ولكن أيضًا مع أنصار حكوماتهم التابعين لأي من المعسكرين المذكورين أعلاه. لذا، فإن نجاح الحركات الديمقراطية الثورية في نظام ثنائي القطبية يعد أمرًا صعبًا جدًا، كما يشهد به مصدق، والليندي وباتريس لومومبا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد