نشرت مجلة «ناشيونال إنترست» الأمريكية مقالًا لمحمد أيوب، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة ميشيجان، تحدث فيه عن احتجاجات إيران الحالية المناهضة للحكومة، والتي تجتاح طهران ومدنًا أخرى، متسائلًا: هل تكون هذه الاحتجاجات هي بداية النهاية للنظام الحاكم في ثاني أكبر دولة في الشرق الأوسط من حيث عدد السكان بعد مصر.

وفي بداية مقاله، ذكر الكاتب أن: «الأحداث التي وقعت خلال الأسابيع القليلة الماضية في إيران تشير إلى أن أحداث عام 1978 التي أدت إلى إطاحة الشاه ربما تتكرر مرة أخرى في البلاد. إذ وصلت الاحتجاجات المناهضة للحكومة في إيران إلى درجة الغليان، وارتجت الشوارع في العديد من المدن والبلدات بشعارات تطالب بإطاحة المرشد الأعلى للثورة الإسلامية آية الله علي خامنئي. ويمكن للمرء أن يسمع أصداء شعارات «الموت للشاه» في الفترة من عام 1978 إلى عام 1979 في هذه الهتافات المحمومة. وبدورها، أطلقت قوات الأمن النار على المتظاهرين مرارًا وتكرارًا، مما أسفر عن مقتل العشرات – وربما المئات – من أجل تفريقهم كما حدث في خريف عام 1978».

تاريخ وفلسفة

منذ سنة واحدة
مترجم: 40 عامًا على الثورة الإسلامية.. كيف أصبحت إيران على ما هي عليه الآن؟

وأوضح الكاتب أن: «الاحتجاجات اندلعت بسبب الانهيار الذي يعاني منه الاقتصاد الإيراني. فالأوضاع الاقتصادية اليوم أسوأ بكثير مما كانت عليه عشية سقوط الشاه عندما كان هناك تراجع اقتصادي حاد بسبب سوء الإدارة الاقتصادية والتوجيهات الخاطئة، على الرغم من الطفرة التي حدثت في أسعار النفط (تضاعف سعره ثلاث مرات) في السبعينيات من القرن الماضي». 

وكانت الأزمة الاقتصادية التي حدثت في أواخر السبعينيات من القرن الماضي مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالرأسمالية القائمة على محاباة المقرَّبين التي اتبعها نظام الشاه، والتي أضرَّت بطبقة التجار التقليديين، التي يرمز إليها باسم تجار «البازار bazar»، فضلًا عن الطبقة الوسطى التي كانت في طور النمو. ولم يكن من قبيل الصدفة أن يُموِّل تجار البازار الملتزمون دينيًّا الحركة التي أطاحت الشاه تحت قيادة الخميني.

بين الأمس واليوم

وألمح أستاذ العلاقات الدولية إلى أن: «هناك تشابه عجيب بين الوضع اليوم والسنوات الأخيرة من حكم الشاه. إذ كانت الأزمة الاقتصادية وقعت جزئيًّا نتيجةً للعقوبات الاقتصادية التي فرضتها الولايات المتحدة، خاصةً على بيع النفط الإيراني، منذ مايو (أيار) 2018. ويُعد النفط شريان الحياة للاقتصاد الإيراني، ويمثل ربع الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، ويساهم في حوالي ثلاثة أرباع الإيرادات العامة الإيرانية.

ومع انخفاض صادرات النفط من 2.45 مليون برميل يوميًّا إلى 0.26 مليون برميل في العام الماضي، دخل الاقتصاد الإيراني في ركود حاد. وأشارت توقعات البنك الدولي لعام 2019 إلى معدل نمو سلبي يبلغ 8.7% في الناتج المحلي الإجمالي. كما هبطت قيمة العملة الإيرانية هبوطًا كبيرًا بعد أن أعادت الولايات المتحدة فرض العقوبات وانخفض سعر الصرف غير الرسمي للريال الإيراني إلى 135 ألف لكل دولار أمريكي واحد، مما فاقم الأزمات المالية للشعب الإيراني».

وأضاف الكاتب أنه وفقًا للبنك الدولي «من المتوقع أن تؤدي أسعار الواردات المرتفعة الناجمة عن انخفاض قيمة العملة إلى عودة التضخم بنسبة تزيد عن 30% في السنوات المقبلة، إذ تتصاعد التوقعات المتعلقة بالتضخم وتتراجع ثقة المستهلك؛ مما يؤدي إلى فترة من الكساد مرة أخرى في إيران. وعلى الرغم من الاستهلاك وانخفاض الواردات، من المتوقع أن يؤدي انخفاض صادرات النفط إلى القضاء على فائض الحساب الجاري تقريبًا، وهو الآن أقل منه في فترة العقوبات السابقة، إذ بلغت أسعار النفط ما يقرب من نصف المستويات التي كانت عليها في الفترة 2012-2013 إلى 2013- 2014. وسيفرض المسار الهبوطي الذي يسلكه الاقتصاد على الأرجح مزيدًا من الضغط على سوق العمل، ويقلل من المكاسب التي تحققت مؤخرًا بتوفير المزيد من فرص العمل».

أسباب المعاناة الاقتصادية

وأفاد الكاتب أن: «الرأسمالية القائمة على محاباة المقرَّبين (رأسمالية المحسوبية) ذات الأسس الدينية التي يسيطر عليها النظام، ولا سيما الحرس الثوري الإيراني، الذي يسيطر على جزء كبير من الاقتصاد ويحتكر بعض القطاعات الحاسمة في البلاد، زادت من المعاناة الاقتصادية للشعب، خاصةً وأن إجمالي ميزانيات هذه المؤسسات تشكل أكثر من 30% من الإنفاق الحكومي المركزي الذي تستفيد منه شريحة صغيرة من النخبة.

وبالإضافة إلى ذلك، ووفقًا لتقديرات البنك الدولي، زاد معدل البطالة عن 12% في الفترة من أبريل (نيسان) إلى يونيو (حزيران) 2018، وارتفع معدل البطالة بين الشباب بنسبة 28% في يونيو 2018. ومن المتوقع أن يرتفع هذا المعدل بعد فرض العقوبات الاقتصادية في مايو 2018، والتي أثرت في الاقتصاد الإيراني تأثيرًا سلبيًّا هائلًا.

وكان من بين النتائج المُصاحِبة للانهيار الاقتصادي الإيراني القرار الذي اتُّخِذ في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) بزيادة سعر البنزين بنسبة ​50% تقريبًا. واعتاد الشعب الإيراني على سعر النفط المدعوم دعمًا كبيرًا، وكان هامش هذه الزيادة المفاجئة كبيرًا؛ مما أعطى إشارة البدء في الاحتجاجات التي اندلعت فور إعلان هذا القرار. ومع ذلك، فإن هذه الأزمات الاقتصادية ناجمة عن الإحباط الذي سببه القمع السياسي».

احتجاجات دون انقسامات

وأشار الكاتب إلى أن: «الاحتجاجات الحالية، التي تختلف عن الاحتجاجات في عام 2009 (الثورة الخضراء) التي أعقبت إعادة انتخاب الرئيس محمود أحمدي نجاد عن طريق النظام (اتُّهمت الحكومة بتزوير نتائج الانتخابات الرئاسية لصالح نجاد)، كانت عفوية وبدون قيادة إلى حد كبير. ولم يشارك أي فصيل تابع للنظام في المظاهرات الحالية، وبذلك تحاشت الوقوع في هوة الانقسامات بين المتشددين والمعتدلين. كما تحاشت الانقسامات الطبقية والعرقية بين الأفراد من جميع الأطياف الذين انضموا إليها، وشاركت أيضًا مجموعات عرقية مختلفة – معظمهم من الفرس وكذلك الأقلية العربية من سكان محافظة خوزستان – في هذه المظاهرات. وفي البداية، خرجت المظاهرات بدافع كبير من العوامل الاقتصادية، والآن تُلِّوح بإشارات سياسية خطيرة مطالِبةً ليس فقط بإزاحة روحاني وحكومته، ولكن أيضًا بإطاحة المرشد الأعلى وزمرة رجال الدين المحيطين به.

وجاء رد فعل قوات الأمن التابعة للنظام سريعًا ووحشيًّا؛ إذ قتلوا بدم بارد المئات من المتظاهرين غير المسلحين، وهو ما أعاد لأذهان المراقبين الأحداث التي وقعت في عام 1978 خلال الفترة التي سبقت سقوط الشاه. ويبدو أن هذه الوحشية كان لها تأثير في تعبئة المعارضة ضد النظام كما حدث في عام 1978، وبذلك يطول أمد دوامة العنف والمقاومة ويذكرنا على نحو مخيف بالأشهر التي سبقت سقوط الشاه».

سؤال بلا إجابة

وأوضح أستاذ العلاقات الدولية أن: «السؤال الرئيس الذي لم نجد إجابة عنه حتى الآن هو: هل سينتج عن هذه الاحتجاجات الحالية ما نتج عن الاحتجاجات في عام 1978؟ أم أن النظام سيكون قادرًا على قمعها بالقوة الغاشمة؟ من الصعب الإجابة عن هذا السؤال بأي قدر من اليقين؛ خاصة بسبب التعتيم شبه التام الذي يفرضه النظام على الأخبار. كما أن القوى التي تعمل تحت إمرة النظام ليست مدربة تدريبًا جيدًا على قمع المعارضة فحسب، ولكنها ملتزمة أيديولوجيًّا أيضًا بنظام الحكم الذي يسيطر عليه رجال الدين.

Embed from Getty Images

وعلاوةً على ذلك، يدرك قادة هذه القوى أن سقوط النظام الذي يسيطر عليه الملالي قد لا يعني إنهاء سلطتهم وامتيازاتهم وفقط، ولكن وجودهم المادي أيضًا. هذا هو الدرس الذي تعلموه جيدًا من سقوط الشاه، والذي أدى إلى إبادة منتظمة للضباط الذين كانوا موالين له. كما يعلمون أنهم يقاتلون من أجل الحفاظ على حياتهم، وليس فقط من أجل إدامة حكم رجال الدين. وهذا ما يفسر إلى حد كبير الوحشية التي أظهرها الجهاز الأمني التابع ​​للنظام في قمع المظاهرات».

إلى متى يستمر النظام الإيراني في الحكم؟

وأردف الكاتب أن: «هذا يعني أن النظام على الأرجح سيستمر في الحكم على المدى القصير، ولكن على المدى القصير فقط؛ إذ تضررت شرعيته على نحو يصعب إصلاحه من جرَّاء الاستخدام الوحشي غير المتكافئ للقوة التي أطلقها ضد متظاهرين غير مسلحين في الغالب. ولا يكاد يقتنع أي شخص في إيران الآن – المتشددون والمعتدلون على حد سواء – بأن القوى الحاكمة تدافع عن الإسلام أو عن الدولة ضد أعداء أجانب. 

علاوةً على ذلك، وعلى العكس من الفترات السابقة من الاضطرابات، لا يملك النظام فائضًا من الموارد الاقتصادية لشراء ولاء المعارضين من خلال عروض الدعم، وهي ممارسة اتبعها النظام مرارًا وتكرارًا عندما كانت أسعار النفط مرتفعة وكان حجم صادرات النفط مرتفعًا كذلك. وأدى الانخفاض الهائل في حجم صادرات النفط إلى نفاد المخزون المالي الذي كانت الحكومة تعتمد عليها في وقت سابق لبقائها».

واختتم الكاتب مقاله قائلًا: «ربما يستطيع النظام الصمود في هذه الجولة من الاحتجاجات والمظاهرات، لكن هناك أضرارًا جسيمة لحقت بشرعيته وقدرته على التشبث بالسلطة، مما أدى إلى عجزه على نحو لا يمكن إصلاحه عن إدارة جولات الاحتجاجات المستقبلية. وفي حين قد لا تتكرر أحداث ونتائج عام 1979 في هذا العام، لكن هذه الاحتجاجات بالتأكيد مهدت الطريق لتكرار ما حدث مع الشاه في المستقبل غير البعيد».

مواقع أخرى

منذ سنة واحدة
مفكر الثورة ومنظرها.. قلم علي شريعتي الذي ساعد في إسقاط شاه إيران

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد