نشر معهد «بروكنجز» مقالًا لجيفري فيلتمان، الأستاذ الزائر في مجال العلاقات الدولية لدى المعهد، تحدث فيه عن المؤتمر الذي عُقِد الأسبوع الماضي في العاصمة الألمانية برلين، بمشاركة حكومات الصين ومصر وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وروسيا وتركيا والإمارات وبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية، فضلًا عن ممثلي الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية، متسائلًا: هل يمكن أن تذهب كل هذه الجهود سدى، وهل يُقوِّض النفاق نتائج هذا المؤتمر التي يُعوَّل عليه لأن يكون خطوة على طريق تسوية النزاع في ليبيا؟

في البداية، لفت الكاتب إلى أن: «مؤتمر برلين المنعقد في نهاية الأسبوع الماضي، انتهك دليل الأمم المتحدة للوساطة الفعالة 2012، والتأكيدات التي تضمنها على «الشمولية» و«الملكية الوطنية» باعتبارهما عنصرين أساسيين في حل النزاعات بالوسائل السلمية».

ومع ذلك، أشار البيان التفصيليّ الصادر عن مؤتمر برلين، والذي يغطي مجموعة شاملة من القضايا، إلى أن المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة غسان سلامة يستحقان تقديرًا أكبر بكثير من المتوقع  أم يلقياه، لا سيما تركيزهما في هذه المرحلة على الأطراف الدولية الفاعلة، بدلًا من الليبيين، وجذب انتباه اهتمام العالم مرةً أخرى نحو الصراع الليبي.

وكان المؤتمر متسقًا مع منطق خطة العمل المكونة من ثلاث مراحل التي قدمها سلامة للحصول على موافقة مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في يوليو (تمّوز): هدنة عيد الأضحى، وعقد مؤتمر دولي (على سبيل المثال في برلين)، وعملية بقيادة ليبية برعاية الأمم المتحدة.

يمثل مؤتمر برلين مفترق طرق، بحسب أستاذ العلاقات الدولية، فإما أن تنفذ الأطراف الدولية الفاعلة ما أعلنت التزامها به في المؤتمر، لا سيما الالتزام بالحظر الدولي المفروض على تصدير السلاح إلى ليبيا (معمول به منذ 2011 ويتجدد سنويًّا)، وإمَّا أنها ستكشف مجددًا عن نفاقها بدعمها استئناف القتال (يتمثل النفاق في أنها تحضر لمؤتمر من أجل تسوية النزاع بينما لا تلتزم بعدم تصدير السلاح إلى ليبيا).

دولي

منذ 8 شهور
البُعد الغائب في الصراع على كعكة ليبيا.. النفط أهم من الأرواح

المشهد في ألمانيا

في العاصمة الألمانية برلين، تمكنت ميركل وسلامة، على الورق على الأقل، من إقناع الأطراف الدولية الفاعلة، التي تتحمل إثم الشقاء الشديد الذي تعاني منه ليبيا، بالتوقيع على أجندة موحدة. وانضم كل من فلاديمير بوتين، ورجب طيب أردوغان، وإيمانويل ماكرون، وعبد الفتاح السيسي، إلى نحو 10 آخرين (إلى جانب وزير الخارجية مايك بومبيو ممثلًا للولايات المتحدة) في الإعلان عن نيتهم إنهاء التدخل الأجنبي في شؤون ليبيا الداخلية: «نلتزم بالامتناع عن التدخل في الصراع المسلح، أو في الشأن الداخلى الليبى، ونحثُّ جميع الأطراف الدولية الفاعلة على أن تحذو حذونا»، حسبما جاء في البيان، ونأمل أن يؤكد جميع المشاركين على حسن نياتهم (وهو أمر غير معهود، بالنسبة للبعض)».

وأوضح الكاتب قائلًا: «وإظهارًا للجدية فيما يتعلق بالمتابعة، وضع سلامة وفريقه خطة تنفيذية – أُرفقت بذكاء مع نص البيان (وبذلك، باركها المشاركون) – تتضمن لجنة عسكرية مشتركة، اتفق الجانبان المتنازعان في ليبيا بالفعل على المشاركة فيها عن طريق ممثلين عنهما (للتفاوض حول الهدنة)».

Embed from Getty Images

ويبدو أن البيان قدم أيضًا حلًا لبعض الخلافات الدبلوماسية المزعجة بين الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي بشأن ليبيا، مما يضع الأمم المتحدة في صدارة المشهد. (فعل مجلس الأمن ذلك، بأصوات أفريقية، مرارًا وتكرارًا، مما أزعج أديس أبابا. وقد تكون ليبيا مشكلة «أفريقية» بالفعل، ولكنها أيضًا مشكلة عربية وأوروبية ودولية). ويجري التعامل مع المظالم السياسية والاقتصادية الناجمة عن النزاعات الداخلية في ليبيا، والتي لا يمكن حلها إلا عن طريق الليبيين أنفسهم، بعقلانية، بحسب الباحث.

ويضيف: باختصار، يجب الاعتراف بمؤتمر برلين باعتباره أكثر المحاولات جدية منذ سنوات لمعالجة العوامل الدولية التي كانت سببًا في معاناة ليبيا. ومنطق استبعاد الليبيين، بالتوافق مع عرض مجلس الأمن الذي تقدم به سلامة في يوليو، ينبع من حقيقة أن الأطراف الدولية الفاعلة هي التي تقدم الأسلحة المتطورة والطائرات بدون طيار والمرتزقة والقوات التي تسمح لكل طرف من الأطراف الليبية أن يعتقد أنه قد يتغلب عسكريًّا على الطرف الآخر، وتبعًا لذلك يستبعد ضرورة التوصُّل إلى تسوية سياسية قاسية.

وتساءل وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية سابقًا قائلًا: «السؤال الأساسي، بطبيعة الحال، هو ما إذا كان أي من هذا سيحدث فارقًا على أرض الواقع بالنسبة للمواطنين الليبيين المحاصرين. وتعتمد إجابة هذا السؤال على ما تفعله الآن هذه الأطراف الدولية الرئيسية الفاعلة، وبخاصة أولئك الذين يحلمون بأن يصبح الدموي خليفة حفتر هو «الزعيم» القادم لليبيا.

وباختصار، يواجه الليبيون تصعيدًا أو عدم تصعيد عندما تتولى الأطراف الدولية الفاعلة زمام الأمور. ومن نكد الطالع، أن سجل إنجازات الجهات الخارجية الفاعلة التي تتجه نحو عدم التصعيد وكبح جماح وكلائها الليبيين بعد الاجتماعات الدولية السابقة (على سبيل المثال، في باريس أو باليرمو) لا يبشر بخير.

رقعة الشطرنج الليبية

وبناءً على إصرار بوتين، كان فايز السراج، رئيس حكومة الوفاق الوطني الليبية المعترف بها داخليًّا، وخليفة حفتر، الذي يدعي أنه قائد الجيش الوطني الليبي الذي من المفترض أنه يحاصر طرابلس منذ أبريل (نيسان)، حاضرين في العاصمة الألمانية. ولكنهما لم يحضرا المؤتمر، حسب المتفق عليه، ولم يلتقيا معًا في اجتماع منفصل، بل أطلعهما المسؤولون الألمان ومسؤولو الأمم المتحدة على نتائج المؤتمر.

وإذا كان لهما أن يختارا، يمكن لكل من السراج وحفتر اختيار أفضل ما في البيان وخطة الأمم المتحدة التشغيلية للمطالبة بإنجازات تتعلق بأهدافهما المعلنة ودفع مؤيديهما للانتقال من النهج العسكري إلى النهج السياسي.

Embed from Getty Images

ويبدو أن السراج يؤدي الدور المنوط به، حتى وإن لم يكن راضيًّا عن النتيجة الضمنية المتمثلة في أن المفاوضات السياسية في نهاية المطاف ستؤدي إلى مجيء حكومة أكثر موثوقية وشمولية وتمثل الشعب الليبي تمثيلًا حقيقيًّا بدلًا من حكومة الوفاق الوطني التي يترأسها.

ولكن الكاتب يساوره الشك في أن حفتر، على وجه الخصوص، يحتاج إلى الشعور بالقوة الكاملة للضغط الروسي والمصري والإماراتي والفرنسي المستمر لإعادة النظر في رؤيته لغزو طرابلس بالقوة.

فبعد رفضه للاقتراح الروسي التركي بوقف إطلاق النار الأسبوع الماضي (الذي قبله السراج)، أظهر حفتر تجاهلًا غريبًا لموسكو، مع أن موسكو نشرت مرتزقة تابعين لمجموعة فاجنر لدعمه خلال الأسابيع الأخيرة؛ مما منحه ميزة تكتيكية في معركة طرابلس.

ويبدو أن حفتر ضيع الفرصة لتقليص زخم الحشد العسكري التركي «العثماني الجديد» المستمر في ليبيا لمواجهة الدعم الروسي له، وذلك من خلال ما يصل إلى 2.000 تركماني سوري على الأرض بالفعل، فضلًا عن آلاف آخرين على أهبة الاستعداد.

وبإقدامه على وقف إنتاج حقول النفط الليبية التي يسيطر على أغلبها (انخفضت الآن إلى ما يقدر بنحو 72.000 برميل يوميًّا، من 1.2 مليون برميل في الأسبوع الماضي) في أثناء اجتماع المشاركين في مؤتمر برلين، أظهر حفتر ازدراءه للمبادرة الألمانية الأمريكية أو أي تحرك نحو حل سياسي.

ومن المؤكد حتى الآن، ومع تصريحاته المتعددة بأن «النصر قادم خلال أيام» منذ أبريل (نيسان)، أن مؤيدي حفتر الخارجيين يدركون أنه ليس المنقذ الذي سيجمع شمل الفرقاء، حتى وإن زعم أنه كذلك. ومع ذلك، ترى مصر والإمارات، حتى مؤتمر برلين على الأقل، أنه الرهان الأفضل في مواجهة الإسلاميين الذين يُخشى جانبهم والمرتبطين بحكومة الوفاق الوطني.

على الجانب الآخر، يبدو أن روسيا وبعض الزعماء الأفارقة ينظرون إلى حفتر وسيلةً لرد «الإهانة» التي حدثت في عام 2011 بالإطاحة بمعمر القذافي. وحفتر، الذي يفتخر بمزاعمه المشبوهة في أنه حاول الإطاحة بالقذافي حتى قبل عام 2011، لا يدرك تمامًا بسبب نرجسيته أن الروس ربما يستغلونه لإعادة حكم يشبه حكم القذافي في ليبيا (ربما يحدث ذلك، كما ترددت شائعات في دوائر طرابلس ذات العقلية المؤمنة بنظرية المؤامرة، حتى وإن كان في شخص الساعدي، ابن معمر القذافي).

ما دور الولايات المتحدة بعد مؤتمر برلين؟

وشدد الكاتب على أنه: «سيتضح حتمًا في غضون أسابيع ما إذا كان مؤتمر برلين يمثل استئنافًا لعملية سياسية بنَّاءة أم سيُحال إلى سجلات العنف الذي يفاقمه التدخل الخارجي في ليبيا بعد 2011. وعلى الرغم من التفاصيل الواردة في بيان مؤتمر برلين تمنح «شيئًا ما للجميع»، إلا أن الاختلافات الحادة في التفسير والأولويات بين الجهات الخارجية الفاعلة ووكلائها الليبيين ستظهر على السطح بسرعة».

ولمتابعة التنفيذ وتشجيعه، أنشأ مؤتمر برلين لجنة متابعة دولية، للاجتماع على مستوى كبار المسؤولين في الجلسات العامة الشهرية، والاجتماع مرتين شهريًّا في أربع لجان فنية.

Embed from Getty Images

ولكي تكون آليات المتابعة فعالة، فإنها تحتاج إلى جهة إنفاذ من العيار الثقيل – عادةً ما تلعب الولايات المتحدة دورًا خلف الكواليس – لضمان الجدية. ولكن على الرغم من مشاركة وزير الخارجية بومبيو في مؤتمر برلين، إلا أن سياسة الولايات المتحدة تجاه ليبيا تبدو غير واضحة، إذ ترى واشنطن أن ليبيا «مشكلة خاصة بأوروبا».

وبينما كانت تركيا وروسيا تدعمان الأطراف المتنازعة في الصراع في ليبيا، حاول كل منهما التمدد في الفراغ الناشئ عن الغياب الأمريكي. وقد يطمح الاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي في مثل ذلك.

واستدرك الكاتب قائلًا: «لكن لا يمكن لأي جهة فاعلة أخرى محاكاة القوة الكاملة لآلية الدبلوماسية الأمريكية التي تعمل على تعزيز تنفيذ بيان مؤتمر برلين. وبفضل قيادة برلين والأمم المتحدة، أصبح لدى واشنطن الآن مخططًا واضحًا، تمخض عنه مؤتمر برلين، لما ينبغي للمجتمع الدولي أن يفعله. وفي هذه الحالة، يمكن أن يكون تخلي إدارة ترامب حتى الآن عن تولي زمام الأمور في قضية ليبيا ميزة؛ إذ يمكن أن تكون واشنطن، بمصالحها المباشرة الأقل حجمًا وتدخلاتها الأقل مقارنةً بأطراف دولية فاعلة أخرى، أكثر فاعلية في تعزيز التنفيذ.

ونظرًا لأن النجاح غير مضمون، يستحق الألمان التقدير نظرًا للمخاطرة بالمكانة والوزن السياسي للمستشارة أنجيلا ميركل من أجل دعم جهود الوساطة التي تبذلها الأمم المتحدة لإنهاء الصراع في ليبيا.

وإذا كانت الجهات الخارجية الفاعلة ستفي بالتزاماتها في برلين، يمكن بذلك أن ينتقل التركيز إلى المرحلة التالية من اقتراح الأمم المتحدة بشأن ليبيا: محادثات ليبية داخلية حول مجموعة من القضايا، لا سيما الأمن والاقتصاد والماليات والقضايا السياسية.

لكن يجدر بنا أن نتذكر أن خطط المحادثات الليبية في منتصف أبريل هي التي أثارت قرار حفتر بمهاجمة طرابلس باعتبار ذلك طريقته الأفضل في التعامل مع الليبيين الذين تختلف رؤيتهم للبلاد عن رؤيته.

واختتم الكاتب مقاله قائلًا: «وبعبارة أخرى، لا يكفي أن يتحول دور الجهات الخارجية الفاعلة الآن إلى دور سلبي. بل يجب عليها استخدام نفوذهم لإقناع حلفائهم الليبيين بالجلوس على طاولة الحوار وبناء ترتيبات سياسية لإعادة توحيد صف البلاد».

سياسة

منذ 8 شهور
الوجه الآخر لعلاقة حفتر بحلفائه

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد