عندما يتعلق الأمر بتعلم اللغات الأجنبية، فكثير منا يعتقدون أن الأطفال هم الأكثر حظًّا والأكثر مهارة، لكن قد لا يكون هذا هو الحال، وهناك ميزات إضافية للبدء في تعلم اللغة للبالغين، كما تقول صوفي هارديك في مقال نشره موقع هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي».

في صباح خريف مزدحم في الحضانة الإسبانية، وفي حضانة مزدوجة اللغة تقع في شمال لندن، يساعد الآباء أطفالهم بإعطائهم خوذات وسترات ركوب الدراجات، والمعلمون يرحبون بالأطفال بالفرح والعناق قائلين لهم «Buenos dias»، وتعني صباح الخير بالإسبانية. في ملعب الحضانة تطلب فتاة صغيرة أن يربط شعرها في ضفيرة وتعني بالإسبانية «coleta»، ثم تلعب الكرة وتصرخ «أمسكوها، بالإنجليزية «Catch».

يكتسب كبار السن اللغة الجديدة بشكل أسرع من صغار السن.

تقول مديرة الحضانة كارمن رامبيرساد: «في هذا العمر لا يتعلم الأطفال اللغات وإنما يكتسبونها»، وهذا يدل على السهولة التي يكتسب بها الأطفال اللغات الأجنبية في هذا السن. بالنسبة لكثير من الأطفال تعد الإسبانية هي اللغة الثالثة، أو حتى الرابعة، وتتضمن اللغات الأم الكرواتية والعبرية والكورية والهولندية.

فلنقارن ذلك بالمعاناة التي يتكبدها كبار السن في محاضرات اللغات، وسيكون من السهل أن تستنتج أنه يجب أن تبدأ في تعلم اللغات الأجنبية وأنت صغير السن، كما تقول الكاتبة.

مترجم: 3 نصائح لتعلم اللغات بنجاح

تذكر صوفي أن العلم يقدم وجهة نظر أكثر تعقيدًا بكثير حول كيفية تطور علاقتنا مع اللغات على مدى العمر، وهناك الكثير من الأسباب التي تدفع لتشجيع المبتدئين الكبار على المضي قدمًا.

كيف تتغير قدرتنا على تعلم اللغات مع تقدم العمر؟

تشير صوفي إلى أنه، وبصفة عامة، تمنحنا كل مرحلة من مراحل الحياة المختلفة ميزات مختلفة فيما يتعلق بتعلم اللغات. عندما نكون رضعًا تكون لدينا قدرة أكبر على تمييز الأصوات؛ وعندما نكون أطفالًا صغارًا يُمكننا التقاط اللهجات بسرعة مذهلة؛ وعندما نكون بالغين يكون لدينا قدرة أكبر على الانتباه ومهارات مهمة، مثل الإلمام بالقراءة والكتابة، والذي يتيح لنا توسيع حصيلتنا اللغوية باستمرار، حتى في لغتنا الأم.

هناك عوامل أخرى تتحكم في تعلم اللغة غير العمر، مثل الظروف الاجتماعية، وأساليب التدريس، وحتى الحب والصداقة يمكن أن تؤثر في عدد اللغات التي نتحدثها، ومدى إتقاننا لها. ولدى الأطفال الصغار موهبة فريدة في التقاط اللهجات المحلية، لكن المراحل العمرية المختلفة تمنح الفرد ميزات لغوية مختلفة.

تقول أنتونيلا سوارس – أستاذة اللغويات ومديرة مركز ازدواجية اللغة في جامعة أدنبرة-: «ليس كل شيء يضمحل مع التقدم في العمر». وتضرب على ذلك مثالًا بما يُعرف باسم «التعلم الصريح»: وهو دراسة اللغة في الفصول الدراسية مع وجود مدرس يشرح قواعد اللغة. وتضيف: «الأطفال الصغار سيئون في ما يتعلق بالتعلم الصريح؛ لأنهم لا يمتلكون القدرات المعرفية المتقدمة، والقدرة على التركيز والانتباه، بينما الكبار أفضل كثيرًا في ذلك؛ لذلك فإن القدرة على تعلم اللغات هي شيء يتحسن مع التقدم في العمر».

على سبيل المثال توصلت دراسة أجراها الباحثون في إسرائيل إلى أن البالغين كانوا أفضل في فهم قواعد اللغة المصطنعة وتطبيقها على الكلمات الجديدة في بيئة معملية. قارن العلماء ثلاث مجموعات منفصلة: أطفال في عمر الثامنة، وأطفال في عمر الثانية عشرة، وبالغين شباب: كانت نتائج البالغين الشباب أعلى من كلا المجموعتين الأصغر سنًّا، وكانت نتائج مجموعة الأطفال في عمر الثانية عشرة أفضل من مجموعة الأطفال الأصغر سنًّا.

Embed from Getty Images

وهذا يتفق مع نتائج دراسة طويلة المدى أجريت على ما يقرب من ألفين من مزدوجي اللغة، الذين يجمعون بين اللغتين الإسبانية والكتالونية، والذين يتعلمون اللغة الإنجليزية: يكتسب كبار السن اللغة الجديدة بشكل أسرع من صغار السن.

وأشار الباحثون الإسرائيليون إلى أن المشاركين الأكبر سنًّا قد يكونون قد استفادوا من المهارات التي يكتسبها الإنسان مع النضج والتقدم في العمر مثل الاستراتيجيات المتقدمة لحل المشكلات، وكذلك من خبرتهم الأكبر فيما يتعلق باللغات. بعبارة أخرى: في العادة يعرف المتعلمون الكبار الكثير عن أنفسهم وعن العالم من حولهم، ويمكنهم استخدام هذه المعرفة لمعالجة المعلومات الجديدة.

أعجب النظريات في تعلُّم اللغات.. تعلَّم أثناء النوم أو كالأطفال!

ما يتفوق فيه الأطفال الصغار هو التعلم الضمني، وهو الاستماع إلى المتحدثين الأصليين وتقليدهم. لكن هذا النوع من التعلم يتطلب قضاء الكثير من الوقت مع متحدثين أصليين. في عام 2016 أعد مركز قضايا ازدواج اللغة تقريرًا داخليًّا عن دروس اللغة الصينية في المدارس الابتدائية للحكومة الاسكتلندية. وقد وجدوا أن ساعة واحدة من الدراسة أسبوعيًّا لم تحدث فارقًا كبيرًا بالنسبة للأطفال في سن الخامسة؛ لكن قضاء نصف ساعة إضافية فقط في وجود متحدث أصلي للغة ساعد الأطفال على فهم عناصر اللغة الصينية التي يصعب على البالغين فهمها مثل النغمات.

اكتساب اللغة

تقول صوفي: جميعنا نبدأ حياتنا اللغوية بالشكل ذاته. الأطفالال صغار يُمكنهم سماع جميع الأصوات الساكنة التي يبلغ عددها 600، وجميع الأصوات المتحركة التي يبلغ عددها 200، والتي تتكون منها جميع اللغات الموجودة في العالم. وخلال سنتنا الأولى من الحياة تبدأ أدمغتنا في التخصص والتركيز على الأصوات التي نسمعها بشكل متكرر. في الواقع يثرثر الأطفال الرضع بلغتهم الأم وليس باللغة ذاتها، بل حتى حديثي الولادة يصرخون بلهجة تحاكي الأحاديث التي يسمعونها أثناء وجودهم في الرحم. هذا التخصص يعني أيضًا التخلص من المهارات التي لا نحتاج إليها. كمثال على ذلك إذا نظرنا للأطفال اليابانيين فسنجد أنهم يستطيعون التفريق بسهولة بين الصوتين «I» و«R» في اللغة الإنجليزية بينما معظم الكبار يواجهون صعوبة أكبر في التفريق.

وتقول أنتونيلا سوارس إنه لا يوجد أدنى شك في أن السنوات الأولى تعد حاسمة في عملية اكتساب لغتنا الخاصة؛ وقد أظهرت الدراسات التي أجريت على الأطفال المعزولين أننا لو لم نتعلم الحديث البشري في وقت مبكر؛ فإننا لا يمكننا تعويض ذلك بسهولة لاحقًا.

لكن هنا تظهر مفاجأة: هذا الأمر لا ينطبق على تعلم اللغات الأجنبية. تقول دانييلا ترينك أستاذة علم النفس اللغوي في جامعة يورك: «الشيء المهم الذي يجب فهمه هو أن التقدم في السن تتزامن معه تغيرات في كثير من الأمور الأخرى». لذلك فإن حياة الأطفال تختلف اختلافًا كليًّا عن حياة الكبار؛ ولذلك فإننا عندما نقارن بين المهارات اللغوية للأطفال وتلك الخاصة ببالغين فإننا لا نقارن بين نظيرين حسب ما تقوله دانييلا.

Embed from Getty Images

وتضرب على ذلك مثالًا بعائلة منتقلة إلى دولة جديدة تتحدث لغة مختلفة. في العادة يتعلم الأطفال اللغة بشكل أسرع بكثير من آبائهم؛ لكن السبب في ذلك قد يكون سماعهم للغة باستمرار في المدرسة بينما قد يعمل آباؤهم عملًا فرديًّا. من الممكن كذلك أن يرجع السبب في ذلك إلى إحساس الأطفال بالحاجة الملحة لتعلم اللغة من أجل حياتهم الاجتماعية: تكوين الصداقات، وقبولهم من الآخرين، وتأقلمهم معهم. أما الآباء على الناحية الأخرى فهم على الأرجح يتفاعلون مع أشخاص يفهمونهم مثل زملائهم المهاجرين.

وتضيف دانييلا ترينك: «من وجهة نظري الخاصة، فإن إنشاء علاقة عاطفية هو ما يجعلك أفضل في تعلم اللغة». بالطبع يمكن للبالغين أن يخلقوا تلك العلاقة العاطفية – وهذا لا يقتصر على الحب أو الصداقة- مع متحدث أصلي للغة. وقد كشفت دراسة أجريت عام 2013 على البالغين البريطانيين في مقرر دراسي للغة الإيطالية للمبتدئين أن الأشخاص الذين عانوا خلال تعلم اللغة ساعدهم إنشاء علاقات مع الطلاب الآخرين والمعلم على التحسن.

وعن ذلك تقول دانييلا: «إذا وجدت أشخاصًا مقاربين لك في التفكير فهذا يزيد من احتمالية تقدمك في تعلم اللغة وقدرتك على المثابرة، وهذا في حقيقة الأمر هو المفتاح؛ فإذا لم تكن هناك دوافع اجتماعية لذلك سيصعب عليك الاستمرار في تعلم اللغة».

في وقت سابق من هذا العام وجدت دراسة أجريت في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا عبر اختبار على الإنترنت شارك فيه ما يقرب من 670 ألف شخص، وجدت أنه للوصول إلى معرفة باللغة مماثلة لمعرفة متحدثيها الأصليين؛ فمن الأفضل أن يبدأ الإنسان في تعلمها في عمر العاشرة، وبعد هذا العمر تبدأ تلك القدرة في الانخفاض. لكن هذه الدراسة أظهرت أيضًا أنه يمكننا الاستمرار في التحسن في اللغات – بما في ذلك لغتنا الخاصة- مع مرور الوقت؛ فنحن على سبيل المثال لا نتقن قواعد لغتنا الأم إتقانًا تامًّا إلا في حدود الثلاثين من العمر. وهذا يضيف إلى دراسة أخرى مستقلة أجريت على الإنترنت وأظهرت أن حتى المتحدثين الأصليين للغة يتعلمون كلمة واحدة جديدة تقريبًا كل يوم وصولًا إلى منتصف العمر.

وتشير دانييلا إلى أن دراسة معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا عمدت إلى تحليل شيء محدد ودقيق للغاية، وهو القدرة على اجتياز الاختبار بصفتك متحدثًا أصليًّا للغة من ناحية سلامة القواعد النحوية، وهذا قد لا يكون بهذا القدر من الأهمية بالنسبة لطلاب اللغة العاديين.

في حقيقة الأمر فإن أكبر ميزة لمعرفة اللغات الأجنبية هي القدرة على التواصل مع عدد أكبر من الناس.

وتضيف: «في بعض الأحيان يتساءل الناس: ما أكبر ميزة لتعلم اللغات الأجنبية؟ هل سأربح المزيد من المال؟ هل ستزداد مهارتي؟ هل ستتحسن صحتي؟ لكن في حقيقة الأمر فإن أكبر ميزة لمعرفة اللغات الأجنبية هي القدرة على التواصل مع عدد أكبر من الناس».

تنحدر أصول دانييلا ترينك نفسها من صربيا، وهي لم تتقن اللغة الإنجليزية سوى في العشرينات من عمرها بعد أن انتقلت إلى المملكة المتحدة، وتقول إنها ما تزال تقع في أخطاء في قواعد اللغة، خاصة عندما تكون متعبة أو متوترة. وعن ذلك تقول: «نعم رغم كل ذلك – وهذا أمر حاسم- يمكنني القيام بأمور رائعة بالإنجليزية: يمكنني الاستمتاع بقراءة أفضل الأعمال الأدبية العالمية، كما يمكنني كتابة نصوص مميزة وهادفة بجودة تجعلها قابلة للنشر».

Embed from Getty Images

جدير بالذكر أن اختبار معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا قد صنف دانييلا متحدثًا أصليًّا للغة الإنجليزية. في الحضانة الإسبانية حيث يغني المعلمون «Cumpleanos feliz» (وهي تعني بالإسبانية عيد ميلاد سعيد)، ويحتوي رف الكتب على كتب مصورة باللغة العبرية، نجد أن مديرة الحضانة نفسها قد بدأت في تعلم اللغة في وقت متأخر؛ فقد نشأت كارمن رامبيرساد في رومانيا، ولم تتقن اللغة الإنجليزية سوى عندما انتقلت إلى الخارج في العشرينات من عمرها، بينما استوعب أطفالها الإسبانية في الحضانة.

لكن الشخص الأكثر منها إثارة في ما يتعلق باللغات فهو زوجها، الذي ينحدر أصله من ترينداد، وقد تعلم اللغة الرومانية من عائلتها التي تعيش بالقرب من الحدود مع دولة مولدوفا. وتقول عنه كارمن: «إن لغته الرومانية رائعة؛ إنه يتحدثها بلهجة مولدوفية، هذا أمر رائع».

من كوريا إلى تركيا إلى إسرائيل.. أسباب جديدة تدفع نحو تعلم اللغة العربية!

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات