مليون شخص وتريليون دولار. توقع خبراء في تسعينات القرن الماضي أن تصل تكاليف الحرب مع كوريا الشمالية إلى ما لا يقل عن هذا الحجم. في حين يبدو ذلك صحيحًا بشأن أسوأ السيناريوهات، وأن التقديرات بلا شك ستكون أعلى من ذلك، اليوم، يرى النقاد والمسؤولون أن أي إجراءات ضد كوريا الشمالية ستؤدي إلى تدمير كارثي.

هذا غير صحيح. تحالف العمليات العسكرية ضد كوريا الشمالية لن يؤدي تلقائيًّا لمحرقة نووية أو إبادة سيؤول. الخوف والنفور من المخاطر وسوء فهم كوريا الشمالية سمح للسيناريو الأكثر خطورة أن يكون السيناريو الأكثر تفضيلًا. سياسة التحالف والتخطيط العسكري يجب أن تدرك حقيقة بسيطة: لا يهم ما تشكله كوريا الشمالية من تهديد، سوف تسعى جاهدة لتجنب تبعات الحرب. السلوك التاريخي لكوريا الشمالية وهدفها للإبقاء على النظام يؤكدان ذلك بشدة.

ليس من الصعب العثور على النقاد الذين يدفعوننا نحو الاعتقاد بأن كوريا الشمالية على استعداد للتضحية بشبه الجزيرة الكورية في حريق المجد في أول إشارة من الصراع. وبينما يرى البعض أن عملًا عسكريًّا هجوميًّا “من المرجح أن يؤدي إلى حرب قد تدمر كوريا الجنوبية”، يرى آخرون أنه حتى ضربة استباقية “محدودة للغاية” تثير مخاطر إثارة صراع عسكري كبير وقد يكون لهذا عواقب وخيمة على الولايات المتحدة وكوريا وآخرين.

ومع ذلك يحاجج البعض الآخر بأنه ليس هناك شيء يمكن للولايات المتحدة وكوريا الجنوبية القيام به لأن المدفعية الكورية الشمالية الموجهة إلى سيؤول تمنع العمليات العسكرية، ولو كانت بسيطة، وهو ما يعني أن أي هجوم على كوريا الشمالية من شأنه أن يؤدي إلى أسوأ سيناريو يمكن تصوره . أحد المحللين لاحظ أن استخدام القوة ضد كوريا الشمالية سيكون أسوأ من السماح لبرنامجها النووي بالتوسع.

وقعت الإدارات الأمريكية المتعاقبة فريسة لمشاعر الخوف ذاتها، بدلًا من الاستناد إلى المنطق، والتفكير. في عهد إدارة الرئيس الأمريكي السابق، جورج دبليو بوش، كان الرأي السائد “أنه في حال بدأ أي نوع من الضربات العسكرية ضد كوريا الشمالية، فإن كوريا الشمالية ستغزو… وأنها سوف تتسبب في دمار هائل في سيؤول”. وزير الدفاع الأمريكي السابق، روبرت غيتس، كتب في مذكراته عن مناشدات إدارة أوباما لأعلى المستويات في الحكومة الكورية الجنوبية بعدم الرد على كوريا الشمالية بسبب هجوم المدفعية في نوفمبر 2010 على جزيرة يونبيونغ.

الخوف الذي يتبدى على نطاق واسع من حرب شاملة في كوريا الشمالية هو مرض يستند على تخيلات بشأن كوريا الشمالية. بغض النظر عن الميول السياسية للمرء، يتفق اليمين واليسار على حد سواء على أن الهدف الرئيسي لكوريا الشمالية هو بقاء النظام، وهذا يعني أن كوريا الشمالية لن تأخذ فقط الإجراءات اللازمة لحماية نظامها، ولكنها أيضًا تتجنب اتخاذ إجراءات من شأنها وضع بقائها على قيد الحياة على المحك.

اليوم، تهدد كوريا الشمالية المنظمات غير الحكومية الكورية الجنوبية التي ترسل بالونات الدعاية إلى أراضيها، ومع ذلك، تطلق النار باتجاه البالونات وليس الشعب الذي أطلقها. في اشتباكات بحرية متكررة مع كوريا الجنوبية في البحر الأصفر، شنت كوريا الشمالية بعض الضربات وعانت من البعض الآخر، لكن الاشتباكات لم تتصاعد إلى ما أبعد من الاشتباك المحلي.

وحتى مع تكرار الفرص التي لا تحصى أمام كوريا الشمالية بالتصعيد أو توسيع الصراعات، اختارت باستمرار ضبط النفس. بغض النظر عن خطابات كوريا الشمالية ودوافع العنف، يظهر سجلها أنها تميل لعدم اتخاذ الإجراءات التي من شأنها أن تضر النظام، والتصعيد الكوري الشمالي الذي يخشاه الجميع سيفعل ذلك بالتحديد.

حتى إذا ردت كوريا الشمالية بعنف في حال تمت مهاجمتها أو تعرضت لأعمال انتقامية، هناك فارق هائل بين الرد بالعنف المحدود (ضربة بضربة) والرد بضربة تكون أكثر فتكًا، مثل الضربة النووية الأولى أو القصف المدفعي ضد سيؤول. وهذه الأخيرة هي خطوات إنهاء النظام، في حين أن الأولى قد تمنح الفرصة لكلا الجانبين لالتماس السلام.

حتى نكون واضحين، إننا لا نقول بأن الصراع مع كوريا الشمالية أمر مستحيل. على العكس من ذلك، قد تصبح المغامرة العسكرية الكورية الشمالية الأكثر ترجيحًا، حيث أنها تشعر أن توسيع برنامجها النووي وقدراتها الصاروخية يوفران لها حماية أكبر للانتقام.

ولكن هذه الصراعات لن تتصاعد إلى حرب شاملة، حتى لو رد التحالف على عنف كوريا الشمالية بهجوم مضاد محدود. كما أننا لا ندعو أيضًا لتوجيه ضربات وقائية إلى المنشآت النووية الكورية الشمالية في الوقت الراهن. نزع سلاح الضربة الأولى ضد كوريا الشمالية يتطلب الإجابة على العديد من الأسئلة. ما هي مدى ثقتنا في تدمير 100% من الأهداف؟ إلى أي مدى ستردع الضربة الأولى القدرات النووية لكوريا الشمالية؟ كيف يمكننا أن نحرر كوريا الشمالية من تصورها بأن التحالف يتبنى تغيير النظام (السيناريو الوحيد الذي من شأنه أن يؤدي لانتقام تدميري من كوريا الشمالية)؟

ولكننا نقول بأنه من الخطأ لسياسة التحالف والخطط العسكرية أن تجرى صياغتها على افتراض أن أي ضربة وقائية أو انتقامية ستتصاعد حتمًا إلى حرب شاملة وتغيير النظام. فذلك لا يناقض فقط الهدف الأساسي لكوريا الشمالية، بل إنه نوع من الشيء الذي يشل التحالف عندما يواجه العدوان الكوري الشمالي.

على سبيل الملاحظة التاريخية، وليس الافتراض العقلاني، الهدف الرئيسي لكوريا الشمالية هو بقاء النظام، وسياستها الخارجية رهينة لمنطق العواقب. إذا قبلنا هذه الافتراضات، سيتحتم علينا إذن أن نخطط ونصيغ سياسة لا تقوم على افتراض أن كوريا الشمالية سوف تصعد من ردها على أي عمل هجومي للتحالف، ولكن بدلًا من ذلك تقوم على توقع أن كوريا الشمالية سوف تسعى للحفاظ على أي احتكاك عسكري في إطار محدود من أجل بقاء النظام.

الخطر الأكبر الذي يواجه كوريا ليس حربًا غير مقصودة أو تصعيدًا كوريًّا شماليًّا. بل هو السماح لكيم جونغ أون للاعتقاد بأن كوريا الشمالية حققت الردع النووي الذي يعطيها حرية العمل في شبه الجزيرة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد