747

كانت الأندلس مجتمعًا يشجع الحضور الأفريقي الدائم في جنوب شبه الجزيرة الإيبيرية، ويؤكد تقرير نشرته صحيفة الباييس الإسبانية أن العرق الأسود كان أحد الأعراق التي أثرت المجتمع الأندلسي وشكّلت هويته المميزة.

يوضح الكاتب كيف شكّل العنصر الأفريقي الأسود أحد مكونات المجتمع الأندلسي وتناغم مع الدم الغجري والمسيحي واليهودي والمسلم ليشكّلوا جميعًا الأندلس، احتفظ جنوب شبه الجزيرة الإيبيرية بهوية كوّنتها هذه العناصر الثقافية الخمسة، وأسهم بهذا في إثراء المنطقة التي كانت تُعتبر في الماضي شمال أفريقيا. وهذا هو التنوع الذي تعرّف به جماعة الأندلس؛ وهم مجموعة من المفكرين يسعون ضمن أهداف أخرى إلى إلقاء الضوء على تاريخ هذا المجتمع الذي كان ثمرة تضافر لا محدود بين أهله.

إنكار متعمَّد لوجودهم

يقول إيسيدورو مورينو أستاذ الأنثروبولوجيا وأحد أعضاء المجموعة «إننا نعيد إحياء جانب من التاريخ تم إخفاؤه عن عمد، الثقافات المسيحية واليهودية والإسلامية كانت دائمًا رسمية ولكن هناك اثنتين إضافيتين لتكون النظرة شاملة وليكون الحكم عادلًا؛ الثقافة الغجرية وثقافة السود. ليس من قبيل الصدفة أن يسقط ذكرهما، لأنهما كانتا ثقافات الطبقات السفلى، وبسبب ارتباط السود بالعبودية، لكنها كانت ثقافة موجودة هناك قرونًا».

ذكرنا مرة أن البشر قدِموا من أفريقيا، وفي استعراض موجز للتاريخ، فقد بدأ الحضور الأفريقي في الأندلس خلال عهد الإمبراطورية الرومانية، حين وصل إلى بيتيكا من أفريقيا عبيد سود. يصف مورينا ما حدث فيقول «كانت ممارسة مُبررة ومُتفهمة في الكتابات الفلسفية للتقاليد الكلاسيكية التي امتدت حتى العصور الوسطى، كان العرب أيضًا يشترون العبيد السود، وكان الأمر نفسه في الثقافة اليهودية»، ويلقي مورينو الضوء على نموذج آخر هو تمثال أسبوع الآلام في إشبيلية (منحوتة تجسد حياة السيد المسيح ) التي يظهر فيها العبيد السود في خدمة الرومان.

غارات البرتغاليين تفتح سوقًا كبيرة للعبيد

لكن نقطة التحول كانت في نهايات القرن الرابع عشر، حين فتحت غارات البرتغاليين على السواحل الأفريقية الغربية لحوالي خمسة قرون، سوق تجارة العبيد عبر لشبونة، في البداية في أوروبا ثم في الأمريكتين. وتحولت إشبيلية وقادش مبكرًا إلى مراكز تجارية يُعامل فيها البشر مثل السلع، حتى وصلت أعداد السود في هذه المدن الأندلسية إلى أكثر من 10% من سكانها حتى القرن التاسع عشر.

كانت خمسة قرون من تناقص السكان في غرب أفريقيا واختطاف الملايين وتشريدهم بعيدًا عن أراضيهم، واعتقالهم في فترات الحروب، تفككت الأسر وتصدعت أعراق مثل الولوف واليوروبا، كانت قرون من الحياة المدمرة للمنطقة الممتدة من خليج غينيا حتى المناطق الداخلية والكونغو. أثرى وجود السود حياة البيض كما أسهموا في زيادة ثروات السود المسؤولين عن جلبهم إلى القارة، كانوا أياديَ عاملةً مجانية وموارد جنسية، ويضيف مورينو واقعًا لم تصِفه كتب التاريخ في المناهج الدراسية «كان لدى كل البيض عبيد سود، النبلاء ورجال الدين والتجار وكان أمرًا مألوفًا».

يقول راؤول رودريجيث الأنثروبولوجي وأحد المشاركين في ندوة المصادر الخمسة للهوية الأندلسية التي أقيمت مؤخرًا في إشبيلية «إنها حقيقة تم إخفاؤها بشكل رائع، كانت إسبانيا تخفي أننا كنا من كبار تجار الرقيق. جريمة ضد الإنسانية ارتُكبت لقرون وشكّلت أساسًا لثروات كبرى ومؤسسات رأسمالية في بلدان تعتبر اليوم متقدمة».

ويضيف الباحث والموسيقي المتخصص في التأثير الثقافي للسود في الأندلس «تم إخفاء هذه الحقيقة بشتى الطرق، نكاد لا نجد مادة رسمية في المدارس تحكي عن ماضينا الأسود، ولأن الناس لا يجدون أثرًا للسود في بشرتهم البيضاء فإنهم يتساءلون أين عاش السود إذن، لكنهم نحن، أنا لدي طفلتان تحملان دمًا مختلطًا، الصغرى ذات بشرة بيضاء، ولنا أن نتخيل ما سيحدث بعد عدة أجيال؟».

أثر السود.. في الوجوه والرقصات الإسبانية

يؤكد رودريجيث في لفتة لإعادة تقييم الواقع أننا حين نخلع ملابسنا فإن ما يبقى هو ثقافتنا الحقيقية ويضيف «الدليل الأكثر وضوحًا يظهر في اللحن الأساسي لرقصة بولريا، كما أن هناك علاقة وثيقة جدًا بين رقصة ثارباندا والرقصات في سيراليون وليبيريا وبلدان خليج غينيا الأخرى».

ويواصل «هكذا وصلت نغماتهم وموسيقاهم التي كانوا يحملونها بداخلهم»، هناك أمثلة أخرى لهذا الإرث الثقافي تظهر في ذِكر العبودية في رواية دون كيشوت لثربانتس، وفي نصوص الشاعر والمسرحي لوبي دي بيجا أو في رموز مثل خوان لاتينو وهو أحد العبيد تمكّن من أن يصبح أستاذًا للغة في غرناطة في القرن السادس عشر.

ويصرّح مورينو الذي يشير لقبه إلى أنه قد يكون وريثًا لهذا الماضي (إذ تعني مورينو بالإسبانية أسمر اللون) «ليس من المنطق ألا يؤثر حضور السود في الأفراد، ربما لا يكون ضمن ما اعتبره الناس ثقافة عالية، فقد كان أيضًا خارج نطاق الكتب إذ كانوا في معظمهم يجهلون القراءة والكتابة، كما كان في جماعات السود دائمًا أحد البيض ليتولى هو كتابة الوثائق، لكن السود عاشوا بين سكان الأندلس عدة قرون «يُطلق على السود مورينو أو الأسمر حتى لا يقال أسود، وكان لقب البيض يطلق على عبيدهم السود ليحددهم ضمن ممتلكاتهم».

يؤكد مورينو أن أغلب سكان مناطق مختلفة من مقاطعات لبلة وجبل العيون وكارتايا لا يزالون يذكرون أحياء السود. وفي الواقع فقد أعادت الهجرة إلى إسبانيا ذوي البشرة الداكنة منذ النصف الثاني من القرن العشرين

ويؤكد مورينو «ربما يشعر الناس بأن وجود السود في الشوارع أمر جديد، لكننا قضينا بالكاد قرنين دونهم، وإذا ما نظرنا إلى قرون عدة مضت فسنجد أن الأمر مكرر وإن بطرق مختلفة بالطبع وبأعداد أقل، لكنهم انعكاس واضح للطابع متعدد الأعراق الذي شكّل وجودنا وهويتنا الأندلسية».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

تعليقات الفيسبوك