يُشكَّل التحالف الأمريكي السعودي جزءًا حيويًّا من سياسة الولايات المتحدة تجاه الشرق الأوسط، لكنَّ صحيفة «واشنطن بوست» ترى أنَّ مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي في قنصلية المملكة بإسطنبول في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، ألقى بظلاله على العلاقات بين البلدين، ظاهريًّا على الأقل.

وتشير الصحيفة في تقريرٍ لها إلى أنَّ ذلك ظهر جليًا في خطاب وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، يوم الأربعاء الماضي 9 يناير (كانون الثاني) في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، الذي تحدث خلاله عن الشرق الأوسط دون التطرُّق إلى ذكر المملكة العربية السعودية إلا نادرًا.

بحسب التقرير، انتقد بومبيو سياسة الإدارة الأمريكية السابقة تجاه الشرق الأوسط، وانتقد الرئيس السابق باراك أوباما، مُثنيًا على ما وصفه بجهود إدارة ترامب لاحتواء النفوذ الإيراني، ومواجهة القوى «المتطرِّفة» مثل تنظيم الدولة الإسلامية (داعش).

«ستراتفور»: ما هو مستقبل الدعم الأمريكي لحرب السعودية في اليمن؟

لكنَّ رؤية بومبيو لمستقبل المنطقة في خطابه غابت عنها الكثير من القضايا والمواضيع، وأهمها كان المملكة العربية السعودية. إذ لم يُشِر الدبلوماسي الأمريكي إلى المملكة سوى لمامًا، رغم أنَّها حليفٌ قديمٌ للولايات المتحدة وشريكٌ أساسيٌ في سياسات إدارة ترامب. وجاءت إشارة بومبيو إلى السعودية عرضًا فقط حين تحدث عن الحملات ضد داعش وإيران، وأثناء مناقشة الوجهة التالية التي سيزورها في جولة الشرق الأوسط.

أشار بومبيو وفقًا للصحيفة إلى تراجع التواجد الأمريكي داخل المملكة، مستغلًا الأمر للتدليل على أنَّ الولايات المتحدة لا ترغب في احتلال الدول بشكلٍ دائم. وقال: «كانت لدينا عشرات الآلاف من جنود الجيش الأمريكي داخل المملكة العربية السعودية، لكنَّ الأعداد المُتواجدة الآن لا تُقارن بالماضي مُطلقًا». وأثنى بومبيو أيضًا على الروابط الدبلوماسية الجديدة التي تكونها المملكة داخل العراق.

لكنَّ الصحيفة أوضحت أنَّ الإشارات إلى السعودية في الخطاب كانت نادرةً، بالمقارنة مع نفوذها في المنطقة. إذ تعد المملكة العربية السعودية واحدةً من أكثر دول الشرق الأوسط اكتظاظًا بالسكان، ومركزًا حيويًّا للنشاط الاقتصادي، ومُنتِجًا مؤثرًا بالنسبة لأسواق النفط. وتتمتَّع السعودية بأكبر ميزانيةٍ عسكريةٍ داخل المنطقة، فضلًا عن أنَّ قائدها الملك سلمان هو خادم الحرمين الشريفين في مكة المكرمة والمدينة المنورة، أقدس مواقع الإسلام، مما يُضفي أهميةً كُبرى على مشاركة البلاد في مُحاربة «التشدُّد» بين المسلمين، حسب تعبيره.

قارن التقرير بين خطاب بومبيو والخطاب الذي ألقاه أوباما في العاصمة المصرية عام 2009. وبحسب الصحيفة، لم يتطرق أوباما أيضًا إلى المملكة كثيرًا خلال خطابه، وأشار مرةً واحدةً فقط إلى ترحيب الولايات المتحدة بـ«حوار الأديان الذي تبناه الملك السعودي عبد الله»، بوصفه جهدًا يُسهم في تقريب مُعتنقي مختلف الأديان من بعضهم البعض. وعانت إدارة أوباما في ما بعد علاقةً صعبةً مع السعوديين، ويرجع ذلك جزئيًّا إلى محاولاتها لإيجاد أرضيةٍ مشتركةٍ مع الحكومة الإيرانية.

 

Embed from Getty Images

خطاب أوباما في القاهرة عام 2009.

 

لكنَّ إدارة ترامب تعاملت بنهجٍ مختلف مع المملكة العربية السعودية. إذ كانت الرياض الوجهة الدولية الأولى للرئيس ترامب بعد وصوله إلى البيت الأبيض عام 2017. وأشارت الصحيفة إلى اقتباس بومبيو خلال خطابه لتصريحٍ أصدره ترامب خلال تلك الزيارة، قال فيه إنَّ الوقت قد حان لتواجه الدول ذات الأغلبية المسلمة «الاختبار الأعظم في التاريخ، وهو التغلُّب على التشدُّد وقهر قوى الإرهاب»، لكنَّه أشار إلى تلك الزيارة بأنَّها كانت زيارةً إلى «المنطقة»، متجنبًا ذكر المملكة.

ترى «واشنطن بوست» أنَّ السعودية عام 2019 تختلف تمامًا عن السعودية عام 2009، إذ يقودها الآن ولي العهد محمد بن سلمان، الذي يطبق تغييراتٍ اقتصادية مُثيرة للجدل، وأرسل الجيش السعودي للمشاركة في صراعٍ دموي داخل اليمن المُجاورة.

وتشير الصحيفة إلى أنَّ بومبيو زار الرياض عدة مراتٍ ممثِّلًا عن إدارة ترامب، والتقى بولي العهد في أكثر من مناسبة. وخلال زيارته في أبريل (نيسان)، وصف خطة ابن سلمان الاقتصادية «رؤية 2030» والإصلاحات المحلية بـ«المُبادرات المُلهِمة»، وقال إنَّه يدعم روح القيادة التي يراها في ولي العهد.

لكنَّ بومبيو لم يتطرَّق إلى ذكر ابن سلمان خلال خطابه الأخير في القاهرة مطلقًا بحسب الصحيفة، التي ترى أنَّ السبب الواضح لذلك هو مقتل جمال خاشقجي. ألقى مقتل الصحافي السعودي بظلاله على قيادة ولي العهد، وأثار الكثير من التساؤلات حول التحالف الأمريكي السعودي. الذي دافع عنه بومبيو حين كتب لصحيفة «وول ستريت جورنال» في نوفمبر (تشرين الثاني): «تُعَدُّ المملكة العربية السعودية قوةً نافذةً وضروريةً لإرساء دعائم الاستقرار في الشرق الأوسط». وبحسب مجلة «بوليتيكو» الأمريكية، كان بومبيو يخطط للثناء على تعامل الرياض مع التحقيق في مقتل خاشقجي خلال المسودة الأولية لخطابه في القاهرة، لكن يبدو أنَّ تلك الإشارة أُلغيت في النهاية، وبهذا تحوَّلت المملكة العربية السعودية إلى مُجرِّد فكرةٍ عابرةٍ في رؤية بومبيو للشرق الأوسط.

https://www.sasapost.com/translation/why_saudi_arabia_is_embracing_a_new_nationalism/

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد