في تقرير للكاتب ماكس فيشر على موقع Vox الأمريكي، قام فيشر بتحليل اتجاهات داعش الجديدة بعدما خسر ما يقارب 25% من رقعة التنظيم في سوريا والعراق. قرر التنظيم تطوير إستراتيجيته في الحرب ضد أوروبا والغرب ليحاول تحقيق ضربات موجعة بأسهل الطرق الممكنة. التقرير يرصد أيضًا خطأ الحكومات الأوروبية في السياسات المتخذة دائمًا بعد مثل تلك الهجمات من إغلاق الحدود أو توجيه الغضب تجاه العرب، على الرغم من كون هوية منفذي الهجمات دائمًا ما تكون أوروبية.

يبدأ الكاتب الرحلة منذ فبراير/ شباط 2015، بدأت الانتصارات الواسعة التي حققها تنظيم الدولة الإسلامية في كل من العراق وسوريا تصل إلى نهايتها، فبدأ الأمر بخسارة التنظيم لمدينة كوباني، والتي استطاعت القوات الكردية استردادها بدعم من الطيران الأمريكي، ثم بعدها بشهر واحد فقط، فقد التنظيم سيطرته على مدينة تكريت بعد هزيمته على يد قوات الجيش العراقي والميليشيا الشيعية بالإضافة إلى الضربات الجوية الأمريكية.

بحسب التقرير، لم يحمل الصيف الماضي أي أنباء سارة بالنسبة للتنظيم، وواصل خسارة الأراضي التي استطاع السيطرة عليها من قبل، ليصل إجمالي ما خسره التنظيم من رقعته إلى 25% في كل من سوريا والعراق، ما قاد التنظيم إلى تأسيس فروع جديدة في دول أخرى كليبيا واليمن وأفغانستان، واستطاع تحقيق بعض النجاحات في تلك الدول.

داعش في أوروبا

وصل المد الداعشي إلى أوروبا بقوة أيضًا خلال العام الماضي. في أكتوبر/ تشرين الأول، استطاع عضوا التنظيم الدخول إلى جزيرة ليروس اليونانية بهويتين سوريتين مزورتين، وواصلا طريقهما نحو فرنسا وبلجيكا لمقابلة أعضاء آخرين يتبعون التنظيم أغلبهم من أصحاب الجنسيات الأوروبية، واستطاعوا في نوفمبر تنفيذ أكبر هجوم إرهابي في تاريخ أوروبا الحديث، والذي حصد أرواح 130 شخصًا في باريس.

 

وفي استمرار لمسلسل الهجمات على أوروبا، استطاع التنظيم ضرب أوروبا مجددًا أمس الثلاثاء، هذه المرة في العاصمة البلجيكية بروكسل، حيث تمكن من قتل 26 شخصًا في هجمات استهدفت مطار بروكسل ومحطة قطار كبرى بالمدينة، قبل أن يعلن التنظيم مسئوليته عن الحادث، أمام الكثير من التساؤلات حول فشل الأمن الأوروبي والبلجيكي من التصدي للهجمات، وتخوفات من أن تصبح مثل تلك الهجمات الإرهابية أمرًا طبيعيًا في أوروبا.

على الرغم من الاستعدادات الأمنية الكبرى التي اتخذتها بلجيكا ضد هذه الهجمات «المتوقعة»، إلا أن أوروبا فشلت من جديد في التصدي للإرهاب، يقول شارل ميشيل، رئيس الوزراء البلجيكي «لقد حدث ما كنا نخاف منه، أعتقد أن التهديدات الإرهابية من هذا التنظيم ستتواصل وتزداد في المستقبل، ويجب على أوروبا أن تدرك جيدًا كيفية التعامل مع هذه التهديدات».

«مع خسارة التنظيم لأراضيه، قرر الاتجاه نحو الهجمات الإرهابية في الخارج».

من القاعدة إلى داعش.. فوارق كبرى

ينتقل التقرير للحديث عن نقطة هامة للغاية في طبيعة الصراع، وهو الصراع بين التنظيمات الجهادية وبعضها البعض. ففي الوقت الذي يعتبر فيه تنظيم الدولة الإسلامية هو الأقوى على الساحة العالمية حاليًا، يبقى تنظيم القاعدة قويًا للغاية بجذوره الممتدة منذ سنوات طويلة. اليوم، يتنافس كلا التنظيمين على السيطرة على المدن في سوريا، في حين تنتقل المنافسة خارجيًا إلى صورة أيديولوجية، حيث يهدف كلا التنظيمين إلى تصدر مشهد الجهاد عالميًا.

بالنسبة لفيشر، كان ما قدمه تنظيم الدولة الإسلامية مختلفًا للغاية عما حاولت القاعدة تنفيذه عبر عقود ماضية، حيث استطاع التنظيم حديث العهد تأسيس دولة كاملة، والتوسع في كل من سوريا والعراق مع تحقيق انتصارات كبرى عام 2014، ما جذب آلاف الجهاديين من أنحاء العالم للانضمام للتنظيم، ليعيش التنظيم نشوة انتصارات كبرى غير مسبوقة بالنسبة لأي تنظيم جهادي.

على الرغم من ذلك، لم تدم تلك النشوة طويلًا، حيث استطاعت الجهات المحاربة للتنظيم استعادة الكثير من المدن التي كان قد فرض سيطرته عليها في 2014، ما أدى إلى ظهور حاجة ملحة لدى التنظيم للوصول إلى طريقة جديدة يتصدر بها المشهد، ويستمد منها المزيد من القوة التي يحتاجها لدعم أفكاره وعملياته العسكرية. بحسب التقرير، كانت الهجمات ضد المدنيين في أوروبا هي ذلك الطريق الذي يبحث عنه التنظيم، حيث قرر من خلاله معاقبة تلك الدول على المساهمة في محاربته في سوريا والعراق.

بخلاف نهج تنظيم القاعدة، والذي اختار الطريق الصعب لهجماته وهو ضرب السفارات أو مواقع ذات أهمية وصلة سياسية، اختار تنظيم الدولة الإسلامية الطريق الأسهل، والذي يمكن من خلاله قتل أعداد كبيرة، وقام بالفعل باختبار تلك الإستراتيجية الجديدة في يونيو/ حزيران 2015، عندما نفذ هجومًا في مدينة سوسة التونسية أدى إلى مقتل 39 شخصًا، ليتأكد التنظيم من فاعلية طريقته الجديدة.

وفق ويل مكانتس، وهو خبير مختص بقضايا الإرهاب، فإن التنظيم قد وضع حساباته على أساس أنه لن يكون قادرًا على مواصلة الإنتصارات في سوريا والعراق، وأن عليه تغيير اتجاه ضرباته إلى أعدائه في عقر دارهم في محاولة للرد على هجماتهم في سوريا والعراق.

يرى فيشر أن خسائر التنظيم كانت أمرًا متوقعًا، حيث لا يملك التنظيم الإمكانيات أو الموارد التي تمكنه من تسيير دولته لوقت طويل، ومع كثرة الأعداء المحيطين بها وقوتهم، أصبح الأمر حتميًا، وهو ما رأيناه جميعًا طوال العام الماضي، ليتجه التنظيم مباشرة إلى شن الضربات والهجمات على أعدائه، والتي استطاع من خلالها قتل 100 شخص في أنقرة، وإسقاط طائرة روسية في سيناء، وقتل 43 شخصًا في بيروت، بالإضافة إلى هجمات باريس.

 

يقول مكانتس»يملك التنظيم ملايين الدولارات، ويمكنه أن ينفق تلك الملايين على مثل تلك العمليات. نحن هنا لا نتحدث عن تنظيم القاعدة المختبئ في باكستان، نحن نتحدث عن دولة حقيقية تمتلك المال وتملك مخططات، كما أن لديهم الكثير من الأشخاص المتحمسين، والكثير منهم يحملون جوازات سفر أوروبية».

تشمل إمكانيات التنظيم المال والسلاح والأشخاص المدربين، بالإضافة إلى الخبرة في العمل العسكري والقتال وتنفيذ العمليات، وسيسعى التنظيم إلى توجيه تلك الإمكانيات لتنفيذ المزيد من الهجمات مثل ما حدث في بروكسل.

مكاسب سياسية

على الجانب الآخر، يحاول بعض السياسيين في أوروبا بث المزيد من المخاوف لدى شعوبهم من المهاجرين، ومحاولة تحقيق مكاسب انتخابية من خلال الدعوات لمنع المهاجرين، وتصوير الأمر وكأن اللاجئين هم مصدر تلك التهديدات الإرهابية. في حقيقة الأمر، ما أثبته تاريخ تلك الهجمات الإرهابية هو أنها دائمًا ما تأتي من جانب أوروبيين، وهو ما يجعل من المشكلة معقدة وصعبة للغاية، فمحاولة إغلاق الحدود أو منع دخول المهاجرين لن تكون مجدية عندما يأتي التهديد ممن يحملون جنسية البلد نفسه بحسب التقرير.

في هجمات باريس على سبيل المثال، كان أغلب منفذي الهجمات يحملون جنسيات أوروبية، فصلاح عبد السلام المنتمي لتنظيم داعش والمتهم بتخطيط تلك الهجمات والذي ألقت الشرطة القبض عليه منذ أيام في بلجيكا هو بالأساس فرنسي الجنسية وبلجيكي المولد.

يختلف الخبراء حول الأسباء الحقيقية وراء التحاق الأوروبيين بتنظيم داعش، إلا أن الأمر الوحيد المتفق عليه هو التطرف، في حين تختلف أسباب كل شخص ودوافعه للتطرف، حيث يرجع البعض الأمر إلى التهميش السياسي والاجتماعي للمسلمين في أوروبا، في حين يرجع آخرون الأمر إلى حالة العزلة والغربة الداخلية لدى الكثير من الشباب، وآخرون يعتقدون أن الضجة الإعلامية للتنظيم وأعماله كانت سببًا في انضمام الكثيرين.

يظهر تقرير لمجموعة صوفان الاستشارية توزيع المقاتلين الأجانب المقاتلين في تنظيم الدولة الإسلامية في كل من سوريا والعراق.

هجمات بروكسل
دراسة أعدتها مجموعة صوفان الاستشارية لأعداد المقاتلين الأجانب وجنسياتهم في تنظيم داعش – ديسمبر/ كانون الأول 2015

يظهر التقرير أيضًا بالإضافة إلى تلك الأرقام تضاعف أعداد المقاتلين الغربيين خلال العام الماضي فقط، على الرغم من التشديدات التي تقوم الحكومات الغربية بفرضها على وصول مواطنيها إلى سوريا والعراق. يقوم هذا العدد الكبير من المقاتلين حاليًا بالقتال إلى جانب داعش، واكتساب المزيد من الخبرات العسكرية، ومع ضعف التنظيم في سوريا والعراق، يعود الكثير من هؤلاء إلى بلادهم في أوروبا، وهو ما يعني تهديدًا كبيرًا على أمن تلك الدول.

يرصد تقرير Vox الصورة الأسوأ، وهي انضمام هؤلاء المقاتلين إلى شبكات إجرامية، تقوم بإمدادهم بالإمكانيات والمعدات وتساعدهم في عمليات تهريب الأشخاص عبر الحدود. في مقال لفيفيان والت في مجلة تايم الأمريكية، صرح كلود مونيك، مسئول المخابرات الفرنسية السابق قائلًا «إن المزج بين عالم الجريمة وعالم التطرف الإسلامي ينتج شيئًا ثالثًا يصبح من الصعب للغاية تعقب أفراده، وهو ما يجعل مهمة أجهزة الاستخبارات أكثر صعوبة، لأنه يواجه عالمين مختلفين لكل منهما أسلوبه المختلف».

عبر التاريخ، كانت الجريمة المنظمة معضلة كبرى بالنسبة لأوروبا، وهو أمر يجب التعامل معه، حيث لا يوجد حل قاطع يمكن أن ينهي المشكلة بالكامل، إلا أن هناك ما يمكن اتخاذه. بحسب التقرير، إذا أرادت أوروبا التخلص من خطر الإرهاب، فيجب عليها أن تنتصر ضد تنظيم داعش، وأن تعيد تشكيل النظام الاقتصادي والاجتماعي أملًا في القضاء على الجريمة المنظمة.

ماذا لو هُزِم داعش؟

يرى فيشر أنه على تصور النتيجة المحتملة لخسارة التنظيم الكثير أو حتى كل ما يسيطر عليه من أراض في دولته المزعومة، وهو عودة التنظيم إلى صورته الأولى، وهي مجموعة إرهابية تقوم بتنفيذ الهجمات، حيث كان التنظيم في الماضي هو مجرد فرع لتنظيم القاعدة في العراق، قبل أن يبرز هذا الفرع بشدة خلال الحرب الأمريكية في العراق، حيث استطاع تطوير نفسه واكتساب الكثير من المهارات الهامة، كتصوير العمليات بدقة وتنفيذ هجمات إرهابية بحق المدنيين، وتبني أيديولوجية التطرف على أساس طائفي.

وفق التقرير، لم يستطع فرع القاعدة في العراق تحقيق نجاح عسكري حقيقي نستطيع مقارنته بما يحقق تنظيم داعش – الصورة المتطورة من فرع القاعدة – حاليًا، حيث لم يكن حينها سوى مجرد مجموعة متمردة تختبئ في زوايا لا تستطيع الحكومة العراقية الفاشلة الوصول إليها، ما مكنها من تحقيق بعض الضربات الإرهابية الكبرى في ذلك الوقت، حيث كانت ضرباتهم تستهدف مناطق في الشرق الأوسط بالأساس، وهو ما كان يتوافق مع أيديولوجيتهم ومهمتهم في ذلك الوقت.

يقدم تنظيم داعش حاليًا صورة مختلفة وجديدة تمامًا من الهجمات تتخذ شكلًا أوسع من حدود الشرق الأوسط لتصل إلى الغرب مباشرةً. لذلك، يظن فيشر أن حتى نهاية خلافة داعش في سوريا والعراق سيعني خسارة التنظيم لجزء كبير من موارده، إلا أنه سيكون لديه ما يكفي ليستمر في تنفيذ هجمات بهذا الشكل. وعليه، لن يستمر خطر داعش عالميًا فقط، بل سيصبح أصعب في هزيمته من الوقت الحالي.

وفق التقرير، ففي العراق على سبيل المثال لن يكون المطلوب هو هزيمة داعش فقط، ولكن السيطرة كذلك على المناطق السنية التي سيطر عليها التنظيم سابقًا لإنهاء أي تمرد محتمل، ثم بعد ذلك إعادة إدماج العراقيين السنة في تلك المناطق داخل الدولة والنظام العراقي، وهو ما سيمنح السنة في تلك المناطق الكثير من الثقة التي يحتاجونها، والتي لم يحصلوا عليها من قبل.

في سوريا، سيكون من المهم التوصل إلى اتفاق سياسي لإنهاء الحرب حتى تستطيع الجهات المختلفة توجيه ضرباتها نحو التنظيم بشكل كامل بدلًا من محاربة بعضهم بعضًا، ثم بعد ذلك محاولة الوصول إلى حالة الوحدة الوطنية والتي قد تستغرق سنوات للوصول إليها، إلا أنه طريق حتمي بالنسبة لسوريا حتى لا تصل إلى ما وصلت إليه العراق سابقًا.

سنوات الأمل

يرى فيشر أن تلك العمليات ستستغرق سنوات طويلة في أفضل الأحوال، وأنه خلال تلك السنوات سيكون من المؤكد ظهور بعض التنظيمات المتمردة المنبثقة من داعش وقد يكون لديهم ما يكفي من القوة والإمكانيات لتنفيذ هجمات على مدى أوسع.

على الجانب الآخر، يرى الكاتب أن الهجمات الإرهابية في أوروبا سيكون أمرًا يجب أن تتعامل معه الدول، بل ويجب أن تتحمله في بعض الأحيان، كما يرى أنه يجب توفير المزيد من التأمين ولكن دون إجراءات خاطئة تؤدي لمساعدة الإرهابيين مثل توجيه تلك الإجراءات في اتجاه اللاجئين الأبرياء والذين يعتبرون بالأساس ضحايا للإرهاب. وفي الوقت الذي يجب فيه فرض رقابة بصورة قوية على المجتمعات الأوروبية، لا يجب أيضًا خلق أعداء وهميين.

يختتم الكاتب تقريره قائلًا أن هذا الأمر لا يعني الهزيمة أو الخوف من الإرهاب على الإطلاق، فالإرهاب هو خطر حقيقي، ولكن عدد ضحاياه من الأوروبيين أقل بكثير من ضحايا الكثير من الجرائم الأخرى، بل وأقل حتى من ضحايا حوادث السيارات، لذلك، ينصح الكاتب الأوروبيين أن ينتبهوا لهذا الخوف الذي جلب معه اليمين المتطرف الأكثر خطورة، والذي أصبح واقعًا أوروبيًا حاليًا.

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد