في الطابق الأول من مستشفى كيليس، على بعد بضع دقائق من الحدود السورية، استعرض شاب ضعيف البصر في سن المراهقة الصور الفوتوغرافية للمباني المدمرة والجثث على هاتفه النقال.

“هذه هي قريتي. لقد دمرت تمامًا”، هكذا يقول أبو دياب الذي هرب من منزله بالقرب من بلدة منغ السورية على الحدود التركية قبل يومين، في مواجهة الغارات الجوية الروسية المكثفة.

 

ويضيف أبو أيوب: “أصيبت هذه الفتاة من قبل الروس”، وكشف عن صورة لفتاة شابة تخضب الدماء وجهها.

 

شقيقه البالغ من العمر 21 عامًا، محمد يرقد في سرير المستشفى على بعد ياردات فقط. تم كسر عظام يديه في الهجوم الصاروخي الذي دمر منزلهم.

 

ممر الموت

 

تكتظ قاعات المستشفى بالناس على طول امتداد الأراضي الواقعة بين مدينة حلب السورية إلى الحدود التركية. وقد أصبحت هذه المنطقة ممرًا للوفاة في الأيام الأخيرة، ونزوح عشرات الآلاف الذين يفرون للنجاة بحياتهم.

 

سكان من تل رفعت، منغ وحلب ومجموعة من القرى على الطريق المؤدي إلى تركيا، يروون مشاهد مماثلة: قصف لا هوادة فيه من الهواء وتقدم للقوات البرية من الشرق والجنوب والغرب، بينما يتطلع الجيش السوري وحلفاؤه الأجانب لسحق معقل المعارضة السورية في الشمال والفوز لاستعادة السيطرة على أكبر مدينة في البلاد.

قتل أكثر من 500 شخص منذ بدء الهجوم الذي يحظى بدعم روسي في حلب هذا الشهر، وفقًا للمرصد السوري  لحقوق الإنسان في لندن، والذي يستخدم شبكة من المصادر على الأرض في سوريا. ومن بين هذا العدد 89 مدنيًا.

 

وقد نفت الحكومة الروسية قتل المدنيين في سوريا، وأصرت على أنها تستهدف فقط الجماعات الإرهابية هناك.

 

“لكل منزل في قريتنا كانت هناك ثلاث قنابل”، كما يقول أحمد، عم محمد.

 

ويضيف أحمد: “المدنيين فقط يموتون في قريتنا”.

 

أولئك الذين يمكن أن يستقلوا سيارة إسعاف مع محمد تمكنوا من عبور الحدود إلى تركيا، لكن حوالي 50 ألف شخص فروا من نفس الهجوم، حوصروا على الجانب السوري من الحدود، وبقيت البوابات مغلقة.

 

بصيص أمل

 

معظم عائلة محمد تقطعت بهم السبل في إعزاز، في شمال سوريا، حيث تم إنشاء مخيمات للتعامل مع موجة جديدة من اللاجئين. إنهم لا يعرفون متى يرون بعضهم البعض مرة أخرى، لكنهم على يقين من أن هناك بصيص أمل في العودة إلى ديارهم.

 

يجلس يوسف القرفصاء على الأرض، ويميل الى الوراء في مقابل الجدار. والده البالغ من العمر 45 عامًا يرقد في سرير المستشفى في غرفته. جاؤوا إلى تركيا أخيرًا من تل رفعت، وهي بلدة تسيطر عليها قوات المعارضة شمال حلب التي باتت الآن بقوة في مرمى من الجيش السوري.

 

يقول يوسف: “الأمر فظيع. كسرت ساق والدي”.

 

تعج المستشفى بشباب بعضهم ما زال يرتدي زيًا عسكريًا، ويشيرون إلى المعركة التي لا تزال مستمرة في الجنوب.

 

يجد محمد صعوبة في التحرك مع الدعامة التي تم تركيبها على رقبته، وهو يناضل من أجل الجلوس في سريره. هناك علامة على خده الذي استقبل رصاصة. وبينما يجلس الرجال بجانب سريره، تظهر صور الأشعة خرطوشة لا تزال مستقرة في عنقه.

يقول محمد:”لقد كان الإيرانيون هم الذين أطلقوا النار عليّ، ويضيف: “تسعون في المئة من الجيش السوري هم الآن من الأجانب”.

ويقول إنه “مقاتل عادي؛ لا مع تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش) أو القاعدة” مجرد مقاتل يسعى للإطاحة بالرئيس بشار الأسد.

كان محمد يتمركز بالقرب من ماريا، وهي بلدة إلى الشمال الشرقي من تل رفعت، بين حلب والحدود. إنه يتحدث عن هجوم واسع النطاق مدعوم بالضربات الجوية الروسية بوحشية.

 

يضيف محمد: “إنهم يحاولون السيطرة على أي قرية ضعيفة”.

 

السجن أو الموت

 

بين المقاتلين والمدنيين على حد سواء، هناك شعور بالاكتئاب في مواجهة هذا الهجوم الأخير.

 

المدنيين الذين فروا من الأراضي التي تسيطر عليها المعارضة بين الحدود وحلب يخشون أنهم قد لا يعودون أبدًا. إذا نجح الجيش السوري في إعادة السيطرة عليها، يقولون بأنهم سيواجهون الانتقام: السجن أو حتى الموت.

 

الرئيس الأسد وحلفاؤه على وشك قطع السيطرة على حلب، تلك المدينة التي كانت مكسبًا مهمًا ومبكرًا من قبل قوات المعارضة الذين يقاتلون لإزاحة الأسد عن السلطة. وإذا نجحت قوات النظام السوري في السيطرة على حلب، فإن السكان هناك يواجهون احتمال حصار طويل، وربما حتى الموت جوعًا.

 

شعور بالخيانة

 

من جانبه، يعتبر الغرب منذ فترة طويلة قوات المعارضة في شمال سوريا البديل الوحيد للأسد، يدعمهم بالسلاح لتحقيق هدفهم. بالنسبة لتلك القوات، هناك أيضًا شعور بالخيانة. والحس المشترك بين المقاتلين هو أننا “هزمنا الجيش السوري منذ زمن طويل، ونحن الآن نقاتل الإيرانيين وحزب الله وروسيا”.

 

في حين يمكن للأسد الاعتماد على دعم حلفائه، تقول المعارضة أنها كانت مهزومة من البداية. هذا الدعم الضعيف، بالإضافة إلى التفكك بين العديد من قوات المتمردين، أدى إلى استنزاف الجماعات المعارضة الصديقة للغرب، لصالح المزيد من الجماعات المتطرفة التي حازت على تمويل أفضل.

 

في حديث له أخيرًا، اعترف وزير الخارجية الأمريكي، جون كيري، بخطورة الوضع.

 

وقال كيري: “نحن لن نغض الطرف عما يحدث. إننا ندرك تمامًا مدى أهمية هذه اللحظة”.

 

لقد نسينا العالم

حسن حسن، زميل غير مقيم في معهد التحرير لسياسة الشرق الأوسط، ومؤلف كتاب “داعش: داخل جيش من الإرهاب”، قال إن قوات المعارضة “تواجه تحديات غير مسبوقة”.

 

وإذا استمر النظام في تحقيق مكاسب في الشمال، فقد تتحول ساحة المعركة السورية إلى شيء أصر عليه الأسد وحلفاؤه. مع أضعاف المعارضة المعتدلة، كل ما سيبقى هو خيار بين الأسد وداعش. خيار يرى كثيرون أن تنبأ به المجتمع الدولي.

 

يختتم أبو دياب بقوله: “لن تتعافى الثورة، لقد نسينا العالم”.

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد