قالت سيمينا ماستريانو في تقرير لها على موقع مجلة «فورين بوليسي» إن التطهير العرقي لمسلمي الإيغور في الصين أجبرهم على الفرار الجماعي إلى إسطنبول، حيث يجاهدون للحفاظ على ثقافتهم حية.

تسرد ماستريانو قصة عائلة إيغورية في إسطنبول بالقول: «في صباح أحد أيام الأحد، رافقت نفيسة كريم البالغة من العمر تسعة أعوام شقيقتها الأكبر سانيا إلى محل لبيع الكتب في إسطنبول. تجولت عينا الفتاة على الكتب الملونة ذات الحروف العربية».

أرادت نفيسة اقتناء مجلة جديدة موجهة لأطفال الإيغور صدرت حديثًا. وهي أول مجلة أدبية في الخارج مخصصة لأطفال الإيغور. أرادت محررتها، ميسر عبد الواحد، وهي مدرسة وشاعرة إيغورية، منح الأطفال فرصة لرؤية انعكاس لأنفسهم وإظهار أن مجتمعهم لديه صوت بلغته الأم.

تشير ماستريانو إلى أن نفيسة فرحت بعد اقتناء نسختها من المجلة. كان هناك رسم لرجل غاضب ممتلئ الجسم يحمل حقيبة من الهدايا على الغلاف – النسخة الإيغورية من سانتا كلوز. انتشرت المجلة بين أطفال الإيغور الذين يعيشون في أكثر من عشرة بلدان، ولكن ليس في وطنهم الأم، منطقة شينجيانج الصينية، حيث حظرت الحكومة لغتهم في المدارس وتسعى لمحو ثقافتهم.

المصدر: فورين بوليسي

في السنوات القليلة الماضية، تزايدت هجرة الإيغور، وهم أقلية يتحدثون اللغة التركية، إلى تركيا فرارًا من حملة القمع التي تشنها بكين ضدهم. أتيح للإيغوريين السفر إلى تركيا لأنهم يُنظر إليهم على أنهم قريبون ثقافيًّا من الشعب التركي. ولكن بمجرد الاستقرار هناك، يعيش الكثير منهم دون تصريح إقامة، أو عمل، أو إمكانية تجديد جوازات سفرهم الصينية.

سحق صيني للهوية الإيغورية

يقدر الخبراء أن الحكومة الصينية قد وضعت ما يصل إلى 1.5 مليون من الإيغور والأقليات المسلمة الأخرى في معسكرات التلقين السياسي في السنوات القليلة الماضية. ووُضع الكثير من أطفالهم في ما تسميه الحكومة «المدارس الداخلية»، حيث يتعلمون لغة الماندرين الصينية، و«عادات الحياة الجيدة». وتقول بكين إن حملتها ضرورية لاجتثاث الإرهاب والتطرف الديني. لكن الاعتقالات التعسفية والتضييق على التعبير الديني تشير إلى هدف لغرس الخوف، وتجريد الإيغور من هويتهم الثقافية والدينية. يرى جيمس ليبولد، أستاذ مشارك في السياسة والدراسات الآسيوية بجامعة لا تروب: «أن معاملة الصين الإيغوريين ترقى إلى الإبادة الجماعية».

في إسطنبول – تضيف ماستريانو – أعاد الإيغور بناء بعض ما جرى محوه من شينجيانج. تقدم مطاعمهم الشعرية في غرف مزينة برموز لثقافتهم القديمة، مثل سجاد الحائط الذي يصور مسجد «إد كاه» المهجور الآن، أو لوحة شهيرة لمجموعة موسيقية من الإيغور. نساء يرتدين الحجاب يتسوقن في حوامل فواكه وخضروات، بينما يلعب الأطفال كرة القدم في الشوارع المرصوفة بالحصى.

على الرغم من حيوية الحي، فإن سر المجتمع المفتوح هو أن كل شخص لديه قريب ما داخل المخيمات. كان رد بعض أفراد المجتمع على القمع الصيني هو شن مقاومة ثقافية. فمن خلال الموسيقى والرسم والشعر والتعليم والأزياء، يعمل الإيغور في إسطنبول للحفاظ على إثراء هويتهم، ونقل رسالة قوية إلى العالم.

قال يوسف سليمان، مؤسس فرقة موسيقية شعبية من الإيغور في إسطنبول: «بكينا واحتججنا لأكثر من عامين، لكن لم يتغير شيء. فأدركت أنه يجب أن نغير أسلوبنا ونجد طريقة أخرى».

تكشف ماستريانو عن أنه تجري محاولات لخلق بيئة صحية لأطفال الإيغور، وإعدادهم لحملة أطول من المقاومة الثقافية. تقول ميسر عبد الواحد، التي تدرِّس لغة الإيغور في أيام الأحد، إن أطفال الإيغور يحملون الكثير من الألم والغضب، وأنها تحاول توجيهه إلى دراستهم: «على سبيل المثال، سيقولون لي إنهم يريدون أن يكونوا جنودًا. وسأقول لهم، أن تكون جنديًّا أمر جيد، لكن كونك جنديًّا أميًّا ليس شيئًا جيدًا؛ لأن الجنود الأميين يخسرون دائمًا في المعارك. لذلك دعونا نكون أقوياء، ومتعلمين».

عائلة إيغورية في إسطنبول

تؤكد ماستريانو أنه لا يُعرف حجم الضرر الذي لحق بثقافة الإيغور. خلال السنوات القليلة الماضية، سجنت بكين أكثر من 300 من النخب الثقافية الإيغورية، بما في ذلك الشعراء والروائيون، وعلماء الأنثروبولوجيا، وأساتذة الجامعات، والعلماء.

يجري عرض مؤلفات هؤلاء المثقفين في إسطنبول. توجد كتب هالايد إسرائيل، روائية خيال علمي في سن الخامسة والسبعين. وهناك أعمال لمرزاهيت كريم، الذي قُبض عليه في الخمسينيات من القرن الماضي؛ بسبب كتابته عن طفل رضيع في صندوق، وهو ما رأته الحكومة الصينية تلميحات انفصالية. أُطلق سراحه في الثمانينيات، ولكن أعيد اعتقاله مؤخرًا، عن عمر يناهز 82 عامًا.

وهناك كتب عالم الأنثروبولوجيا الرائد رحيل داوود، الذي كان ذات يوم أستاذًا مشهورًا في جامعة شينجيانج، ولكنه اختفى في أواخر عام 2017. كما سُجن الرئيس السابق للجامعة تاشبولات طيب، إذ تخشى أسرته من إعدامه. قال جيمس ميلوارد، أستاذ التاريخ بجامعة جورج تاون، الذي شبه أساليب الحكومة الصينية بالإرهاب الستاليني في ثلاثينيات القرن الماضي: «إنهم يذبحون الثقافة بأكملها».

تضيف ماستريانو أن الإيغور يشعرون في إسطنبول بأن حملة القمع شاملة وشخصية. فقدت علم النور مطلب، وهي رسامة وشاعرة وخطاطة تبلغ من العمر 22 عامًا، اتصالها بوالديها بعد عام من انتقالها إلى أنقرة لدراسة علم اللاهوت في عام 2016. وبدأت تراودها الكوابيس بسبب قلقها على والديها، فالتفتت إلى شغف طفولتها، الرسم والشعر والخط، الذي كان مهنة والدها.

قالت: «لم أبُح لأي شخص بمشاعري وأفكاري تجاه الحياة؛ لأنني شعرت أنهم لن يكونوا قادرين على الفهم أو التعاطف. لكنني عبرت عنها من خلال كتاباتي». تجسد مُطلب صحراء شينجيانج وشعبها. وتشارك في مشروعات فنية، وتعطي دروسًا في لغة الإيغور. لكن أوضاع الأقرباء والأحباء في الداخل ما تنفك تؤرق الإيغور في الشتات.

محاولات لحفظ التراث

يسعى عبد الجليل توران إلى تدوين جميع السير الذاتية للنخب الثقافية الأيغورية المحتجزة. قال: «نحن بحاجة إلى إخبار العالم بوجودنا». لكنه يخشى من أن الخوف والألم اللذين يعيشهما الإيغور في الخارج، بالإضافة إلى جذب ثقافات البلدان المضيفة للأجيال الشابة، سيؤدي إلى الاختفاء التدريجي للغة الإيغور على مدار العقود المقبلة.

تقول ماستريانو: في منزله في حي الفاتح بإسطنبول، فرض رجل الأعمال حبيب الله محمد قاعدة على الجميع بضرورة التحدث بلغة الإيغور في جميع الأوقات. بدا أن أطفاله الأربعة سعداء؛ إذ كانوا يركضون في المكان بعد تناول وجبة إفطار من اللحم البقري والأرز والجزر وسلطة الخيار والخبز محلي الصنع. في حين يتناوب الصبية الأكبر سنًّا على قراءة كتاب من أدب الأطفال الإيغور.

انتقلت الأسرة من شينجيانج في 2017 بعد أن أنذره صديق في الشرطة بضرورة مغادرة البلاد في موعد لا يتجاوز نهاية الشهر. كان محمد في ذلك الوقت يدير شركة استيراد وتصدير مع تركيا بعد أن أغلقت حكومة شينجيانج متجرين له ومصنعًا لملابس الإيغور التقليدية.

نقل محمد أسرته إلى إسطنبول، تاركًا وراءه أخته الكبرى. تواصلوا لفترة من الوقت عن طريق إرسال رموز تعبيرية من خلال تطبيق المراسلة «وي تشات» للإشارة إلى أنها آمنة. ولكن في سبتمبر (أيلول) 2018، توقف عن استلام أي شيء منها. وعلم لاحقًا أن شقيقته احتجزت. ولا يعرف ما حل بصهره وابنتيه.

تشير ماستريانو إلى أن محمدًا يدير الآن متجرًا صغيرًا في الفاتح يبيع منتجات الإيغور حصريًّا تقريبًا، على الرغم من أنه يعترف بأنه من المحتمل أن يكسب المزيد من المال إذا خدم الجمهور التركي العام أيضًا. إلى جانب بيع القبعات والأوشحة والأزياء، والآلات الموسيقية التقليدية للإيغور، فهو يصمم الملابس الحديثة بأنماط الإيغور التقليدية، ويأمل أن يرتديها الناس في أي مناسبة.

«بيزنس إنسايدر»: يعذب المسلمين ويحرق الإنجيل.. لماذا يحارب رئيس الصين كل الأديان؟

سنتتبعك أينما كنت

ينتشر الجواسيس في أوساط الإيغور في الشتات. ففي كثير من الأحيان، يصبح الإيغور جواسيس لشرطة شينجيانج تحت تهديد أنهم إذا لم يتعاونوا، فإن أفراد عائلاتهم في الوطن سيعانون. تؤكد ماستريانو أنه خلال وجودها في إسطنبول، شعرت أنها تخضع للمراقبة، سواء في الشوارع أو في الفندق. فبينما كانت تجري مقابلة في أحد المطاعم، جلس رجل من الإيغور على طاولة بجانبنا وحدق فينا، متذمرًا، حتى غادرنا.

داخل شينجيانج، في حافلة مزدحمة في بلدة كاشجار، كانت امرأة شابة تحمل حزمة ملونة بين ذراعيها. بإلقاء نظرة فاحصة، تبين أنه طفل، مغطى بالكامل ونائم على الرغم من الضجة المحيطة به. توقفت الحافلة عند نقطة تفتيش بين المدينة ومقاطعة مجاورة. وقد طُلب من جميع الإيغور، بمن فيهم الأم وطفلها، النزول من الحافلة. اضطروا إلى المرور عبر فحص أمني، مرورًا بالماسحات الضوئية للتعرف على الوجوه التي تطابقهم مع بطاقات الهوية الخاصة بهم. بينما انتظر المسافرون الصينيون الهان على متن الحافلة.

من العدل أن نتساءل ما إذا كانت تلك المرأة ما تزال حرة، وقادرة على رعاية طفلها، أو ما اللغة التي سيتحدثها الطفل، وما الهوية التي سيحصل عليها عندما يكبر. إن مهندس الحملة الحالية، التي تشمل المراقبة في كل مكان، ومعسكرات الاعتقال هو تشين قانجو، رئيس حزب شينجيانج، الذي نُقل في عام 2016 من منصبه السابق في التبت.

بدأت قبضة الحكومة على شينجيانج تتقلص منذ أن خلفت أعمال الشغب العرقية في أورومتشي مئات القتلى في عام 2009، تلتها هجمات إرهابية نفذها الإيغور في بكين ومدينة كونمينج الجنوبية. في مارس(آذار) 2017، دعا الرئيس الصيني شي جين بينج إلى إقامة «سور كبير من الصلب» حول شينجيانج لاحتواء العنف.

في الوقت نفسه، حدث تحول أيديولوجي فيما يتعلق بمعاملة الأقليات على أعلى المستويات في الحزب الشيوعي، وفقًا لميلوارد، أستاذ جامعة جورج تاون. منذ أوائل التسعينيات، اعتبرت الصين الأقليات الخمس وخمسين المعترف بها رسميًّا بمثابة اللبنات الأساسية للهوية الوطنية. لكن ابتداءً من عام 2014، تحول هذا إلى أن الحضارة الصينية هي أصل جميع المجموعات العرقية الأخرى – وهي وجهة نظر كانت مشتركة بين القادة الوطنيين في البلاد في ثلاثينيات القرن العشرين.

بينما قالت راتشيل هاريس، الباحثة التي ركزت على ثقافة الإيغور بـ«مدرسة الدراسات الشرقية والإفريقية» (SOAS) في لندن، إن بكين ترى أن استيعاب الأقليات مثل التبتيين والإيغور ضروري لتأمين البلاد وحدودها. يتناسب هذا النهج الراديكالي مع سياق حملة شي الشاملة على الحريات المدنية. يقول الخبراء إن الحملة تهدف إلى تجريف ثقافة الإيغور من خلال استهداف الأركان الثلاثة؛ اللغة، وهيكل الأسرة، والدين، عبر الحظر المفروض على لغة الإيغور في بعض المدارس، والاعتقالات الجماعية، وهدم المساجد ومواقع الطقوس القديمة.

تشير ماستريانو إلى أنه في الوقت نفسه تحب الحكومة استعراض ثقافة الإيغور من خلال تنظيم أحداث للزوار. وبالتالي، يُطلب من الإيغوريين القيام بالأفعال التي يعاقبون على فعلها على انفراد. على سبيل المثال، في صورة ساخرة للغاية، أدى رجال من الإيغور يرتدون لحى مزيفة مسرحية أمام بلدة كاشجار القديمة في نوفمبر (تشرين الثاني). لكن تربية اللحية غير قانوني في شينجيانج؛ لأنه يعد علامة على التطرف الديني. قالت هاريس: «ما نراه داخل شينجيانج هو تفريغ لثقافة الإيغور، فهذا مجرد عرض، بلا روح».

في مواجهة حملة القمع التي تشنها بكين، يجد بعض الإيغور في تركيا بالفعل الأمل للحفاظ على تراثهم الثقافي. قال فرحات كوربان تانرياجلي، وهو عالم لغوي وموسيقي حاصل على جائزة في إسطنبول، إن ثقافتهم تتسم بالمرونة لأن الموسيقى والدين والشعر متشابكون وجزء من الحياة اليومية للناس.

وضرب مثالًا بـ«مشرب»، وهو تجمع تقليدي يشمل الموسيقى والرقص والشعر والمحادثة التي تُعقد في لحظات مهمة في حياة الناس، مثل الولادات وحفلات الزفاف والختان. يجري تعليم العديد من الأطفال الصغار من الإيغور قصائد من قبل آبائهم بطريقة مشابهة للعائلات الغربية التي تقرأ للأطفال قبل النوم. يتعلم الكثيرون العزف على الدوتار، وهي آلة موسيقية تقليدية ذات وترين فقط.

يرى البعض أن ثقافة الإيغور في خطر. فإذا استمر النظام الشيوعي الصيني لفترة طويلة، فسيكون ذلك بالفعل مشكلة. لكن لا يمكنهم حل هذه المشكلة بمفردهم، وعلى العالم أن يتحرك لإنقاذهم.

أظهر العديد من الإيغور في إسطنبول الشعور بالعجز. قال محمد، رجل الأعمال: «إذا فقدت قطتك أو كلبك، فستكون مسؤوليتك العثور عليه. ونحن أعضاء في هذا المجتمع العالمي. لماذا لا ننتمي إلى هذه العائلة؟ لقد سئم المجتمع الدولي من نحيبنا، لكن إذا ركزنا على عملنا والمساهمة في البلدان التي نعيش فيها، سيأتيون في يوم من الأيام ويسألون عما حدث لنا».

مترجم: هذه التقنية استخدمتها الصين لتعقب 2.6 مليون مسلم من الإيغور

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد