تناول تقرير نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية الأوضاع في المدن المحيطة بفوكوشيما والتي أٌخليت عقب الكارثة النووية، مسلطًا الضوء على بلدة ناراها الصغيرة، وكيف تتعامل الحكومة والسكان بها حاليًا بعد مرور 6 سنوات على الأزمة.

اقرأ أيضًا: «النووي يقصف بقوة» بريطانيا مستعدة لقتل مئات الآلاف والعالم يُجدد ترسانته النووية

قصة ناراها

خريطة توضح المنطقة المتأثرة بالكارثة النووية

لأكثر من أربع سنوات، كان السكان ممنوعين من دخول مدينة ناراها، هذه البلدة الصغيرة في فوكوشيما بعدما ضربها زلزال كبير وتسونامي تسبب في تسرب إشعاعي للمفاعل النووي شمال المدينة في 2011. ومع إلغاء أمر إخلاء المدينة من قِبل الحكومة عام 2015، كان أغلب من عادوا هم من البالغين، ممن رأوا أن العودة لديارهم تستحق خطر مواجعة الإشعاع المتبقي، ولكن هذا الشهر، وتحديدًا بعد 6 سنوات من الكارثة، عاد 105 من الطلاب إلى البلدة، وهم من طلبة المدارس الإبتدائية والإعدادية ليشهدوا بداية العام الدراسي في اليابان.

في كل صباح، يفحص العاملون بالمطاعم نسب الإشعاع في مكونات الطعام الطازجة التي يستخدمونها، بينما يذهب الطلاب إلى مدارسهم الخاوية، إذ لا يتجاوز عدد الطلاب في بعض فصول المدرسة الإعدادية 6 طلاب فقط، بينما يفترض أن تسع 30 طالبًا. بالتأكيد كان رجوع الأطفال إلى البلدة علامة على عودة الحياة لها، إذ لا تبعد سوى 12 ميلًا فقط عن موقع مفاعل فوكوشيما.

يقول ساشيكو آراكي، مدير المدرسة الإعدادية «عودة الطلاب يحمل معنى كبير للغاية. مدينة بلا طلاب هي ليست مدينة حقيقية». تكلف المبنى الجديد للمدرسة والمكون من طابقين قرابة 18 مليون دولار، ويضم فصولًا دراسية واسعة، ومعملين للعلوم، ومكتبة مليئة بالكتب الجديد، بالإضافة لملعب لكرة السلة وصالة للألعاب الرياضية، فيما يطل الجزء الخلفي من المبنى على البحر.

اقرأ أيضًا: بعيدًا عن هيمنة الدول الكبرى: كيف تمكنت 4 دول نامية من تحدي الظروف وإنشاء برامج نووية؟

مدارس متطورة لجذب الصغار من جديد

فصل للطلاب في المدرسة الابتدائية ويضم 6 طلبة فقط Tomohiro Ohsumi for The New York Times

وبحسب التقرير، كان وراء قرار عودة الأسر لناراها الكثير من المشاعر، إذ كانت دائمًا بلدة صغيرة لا يتجاوز عدد سكانها 8000 نسمة قبل الكارثة، إلا أن من عادوا حتى الآن لا تتجاوز نسبتهم 20% ممن غادروا عقب الكارثة. حتى الآن، جرى افتتاح بنك، ومكتب للبريد، وعيادة طبية، بينما مازال متجر البلدة قيد التجهيز. ونظرًا لأن البلدة كانت مهجورة الفترة، من المألوف أن ترى بعض الخنازير البرية تتجول في شوارع المدينة.

ومع أجهزة قياس الإشعاع المنتشرة في المدينة، لا تزال ذكرى الكارثة النووية في ذاكرة السكان. كانت مدرسة ناراها تُشيد بينما وقعت الكارثة، ما اضطر العاملين بها إلى هدم بعض الأساسات وبنائها من جديد في محاولة لتطهير التلوث الإشعاعي الذي أصاب المنطقة.

يضيف التقرير أن مستويات الإشعاع تُقاس بشكل منتظم في ملاعب المدرسة، بالإضافة إلى أساسات المبنى، إذ وضعت الحكومة المركزية حدًا لمستوى الإشعاع المسموح ويقدر بـ0.23 ميكروسيفرت في الساعة، بناءًا على توصيات اللجنة الدولية للوقاية من الإشعاع، وهو المستوى الذي لا يوجد ما يُثبت وجود خطر الإصابة بالسرطان معه، إلا أن المدرسين مازالوا يتخذون إجراءات وقائية مضاعفة لحماية الطلاب من الإشعاع.

في مكان قريب من المدرسة، بُنيِت حضانة جديدة ومركز للرعاية، وأغلبهم بُنِي من أموال الشركة المشغلة للمفاعل الكارثي – شركة طوكيو للطاقة الكهربية – في 2007، وأُعِيد افتتاحها هذا الشهر. تتعجب مدير الحضانة الجديدة، وتُدعى كيكو هاياكاهو، أنها تتعجب من أن المدينة سعت لإعادة الأطفال قبل التخلص بالكامل من أكياس التربة الملوثة بالإشعاع والتي تم جمعها، وعلقت قائلة «كان علينا البدء وافتتاح الحضانة في أسرع وقت ممكن، وإلا كان الخوف ليتملك الناس ما كانوا ليعودوا أبدًا».

يؤكد التقرير أن حسابات الإشعاع ليست دقيقة للغاية دائمًا، إذ ربما لا يمكنها التقاط تربة ملوثة تحركت مع هطول الأمطار وترسبت في بعض الشقوق المنخفضة، وأن خطر الإصابة بمرض ما يعتمد على عدة متغيرات، من بينها العمر والنشاط الذي يبذله الشخص وحالته الصحية.

آراء مختلفة

الحياة تعود من جديد لناراها Tomohiro Ohsumi for The New York Times

ويعد إحياء المدن المحيطة بفوكوشيما أولوية للحكومة المركزية، خاصة مع انعقاد دورة الألعاب الأوليمبية 2020 في طوكيو، إذ يرغب رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي في الوفاء بوعوده بكون جهود تنظيم فوكوشيما «تحت السيطرة». يقول كينتارو ياناي، المشرف على مدارس ناراها «في الحقيقة الأمر خاضع تمامًا للأفراد ليحددوا ما إذا كانوا يقبلون الوضع البيئي الحالي أم لا، ولكن بالنسبة لنا، لقد فعلنا أفضل ما بوسعنا حتى الآن لتقليل مستوى الإشعاع».

بالنسبة للعائلات الشابة، لم يكن خطر الإشعاع فقط في حساباتهم حينما فكروا في العودة، إذ ينتمي بعضهم لهذه المدينة التي عاش فيها أجدادهم لأجيال ممتدة، بينما رأى آخرون أنه بإمكانهم عيش حياة أفضل في ناراها عن غيرها. وفي الوقت الذي يُقترض أن تتوقف التعويضات التي تدفعها الحكومة للمتضررين بنهاية العام المقبل، تمكن الكثير من السكان من تأمين وظائف حكومية في المدينة، أو أعمال تابعة لإعادة إعمارها، فيما يعمل البعض في شركة طوكيو للطاقة الكهربية، والتي تنسق عملية تطهير كبرى للمفاعل النووي حاليًا.

آيوكا أوهوادا، 29 عامًا، كانت من بين السكان الذين انتقلوا للعيش في مدينة إيواكي بعد الكارثة، وهي مدينة يبلغ تعداد سكانها 340 ألف نسمة، وتبعد 20 ميلًا نحو الجنوب، وكانت تظن أوهوادا أنها ستعيش في المدينة الجديدة للأبد، إلا أنه بمجرد أن قرر والداها العودة إلى ناراها، بدأت في زيارتها في نهاية كل أسبوع، والآن تفكر في العودة لنارها بعدما عرض والداها إعطاءها قطعة أرض لبناء منزل جديد لها، إذ تقول إنها وزوجها لا يستطيعون تحمل تكلفة منزل جديد في إيواكي.

اقرأ أيضًا: كميات من الإشعاع النووي انتشرت عبر أوروبا ولا أحد يعلم السبب

في ناراها، تفعل المدرسة بوسعها لتسهيل عودة الأسر الشابة. إذ يناقش المستشارون الذين توفرهم المدرسة مخاوف الطلاب بشكل دائم، إذ تخصص المدرسة اثنين من المدرسين لكل صف دراسي لهذه المهمة. يحصل جميع الطلاب على حواسب لوحية، كما يحصلون على وجبة غذائية والزي المدرسي بشكل مجاني.

تقول يوكا كوسانو، 37 عامًا: إن أطفالها اعتادوا على الفصول ذات الأعداد الكبيرة من الطلاب في مدينة إيواكي التي انتقلوا إليها، إلا أنهم بعد التسجيل هذا العام في مدرسة ناراها، حظوا باهتمام لا مثيل له، وأن هذا هو أمر نادر في المدارس اليابانية، إذ إن ابنتها الطالبة بالصف السابع تدرس في فصل يضم 6 طلاب فقط، فيما يضم فصل ابنها الأصغر في الصف الرابع 13 طالبًا فحسب.

على الجانب الآخر، يتناول البعض الجانب الصعب الذي مر به الطلاب على مدار 6 سنوات منذ وقوع الكارثة، والاضطرابات التي واجهوها والتنقل المستمر. البحث عن الاستقرار ربما كان أحد الأسباب التي قادت الكثير من العائلات ممن لديهم أطفال صغار عدم العودة لناراها. يقول تسوتومو ساتو، ويعمل كمدير لدار تمريض وأب لثلاث بنات أعمارهن 9 سنوات، و6 سنوات، وسنتان: إنه اضطر وعائلته الانتقال 7 أو 8 مرات بعد إخلاء ناراها.

وقرر ساتو الانتقال لمدينة إيواكي بحثًا عن بناء أساس جديد لعائلته بسرعة، إذ يقول إن ابنته الكبرى دائمًا ما بكت بلا انقطاع حينما يذكر فقط أنه يفكر في العودة لناراها، والتي يخطط والداه وجدته العودة إليها العام القادم. في المنفى، مازال ساتو يرتبط ببلدته بشدة، إذ شكل مجموعة تطوعية تحمل اسم نارانوها، وتهدف لتنظيم مسابقات ثقافية تجمع السكان السابقين للمنطقة من جديد، بينما يقول إنه في حال أصاب الشيب والديه واحتاجوا للرعاية فسيفكر في العودة.

يقول عمدة ناراها، يوكيي ماتوسومو، إن استطلاعات الرأي تُظهِر أن أقل من 75% من السكان السابقين يريدون العودة لمدينتهم في نهاية المطاف، ويقول «في محاولة منا لمحو ما حدث، نحاول الآن أن نظهر لليابان وللعالم بأكمله أننا في حال جيدة»، إلا أنه اعترف أنه في حال لم يعد المزيد من الشباب والصغار للمدينة، فمستقبلها يبدو قاتمًا، بحسب ما نقلته صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية.

كازوشيجي واتانابي، رجل في الـ73 من عمره، قال إنه قرر العودة، بالرغم من أن تسونامي قد دمر منزله، وأن أبناءه قرروا العيش خارجة فوكوشيما بالكامل، إلا أنه انتقل للعيش في بيت صغير وسط المدينة وحيدًا بعدما توفيت زوجته في يناير (كانون الثاني) الماضي. أشار واتانابي إلى منزل في إحدى الزوايا، وذكر أن أسرة بها ثلاثة أطفال انتقلت للعيش بها، مؤكدًا سعادته لسماع صوت الأطفال من جديد.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد