عند الحديث عن الولايات المتحدة والصين، يتبادر إلى الأذهان التنافس العسكري والسياسي بين القوتين العظميين. إلا أن تقريرًا نشرته صحيفة ذا ديلي بيست سلط الضوء على حكاية ربما يجهلها الكثيرون.

ففي حديقة سوجو الصناعية، الواقعة شمال غرب مدينة شنغهاي، ثمة بناية على شكل معبد بوذي تبدو وكأنها لا تنتمي إلى تلك المنطقة، التي تضم بنايات حديثة ومنشآت للتصنيع تهيمن على المقاطعة الواقعة على ضفاف بحيرة جينجي.

يتقاطر طلاب المدارس على زيارة التمثال الرخامي الطويل للرجل الذي بُني الضريح لتخليد ذكراه. يرتدي الرجل سترة طيار ويحمل معطفًا في يسراه وخوذة الطيار في يمناه، وهو ينظر إلى الأعلى صوب السماء.

يقول التقرير إنه للوهلة الأولى قد يظن المرء أن التمثال مخصص لتخليد ذكرى بطل صيني، ولكن على غير المتوقع، فإن التمثال شيُد لتخليد ذكرى طيار أميركي، يدعى روبرت شورت، دافع عن الصين ضد اليابان قبل تسع سنوات من هجوم «بيرل هاربر».

وُلد روبرت في ضاحية تاكوما في واشنطن في العام 1904، وهو الابن البكر لوالديه. وقد ربته أمه بعد أن هجرهم والده. عُرف عن روبرت الطيبة وحسن الخلق اللذين ورثهما عن والدته. كان الشاب طويل القامة وحسن المظهر وكان من محبي ممارسة الرياضة، واشتهر بحس الدعابة. كما كان عطوفًا على والدته وإخوته ونصيرًا للضعفاء.

يشير التقرير إلى أن روبرت نشأ على حب كل شيء يطير. وقد اعتزم تحويل ذلك الشغف إلى مهنة بعد تخرجه، فحصل على رخصة للطيران بعد دراسة استمرت عامين. والتحق الشاب ببرنامج التدريب التابع لسلاح الجو الأميركي. حصل على التدريب الأساسي في مدرسة الطيران في تكساس، ثم خاض التدريب المتقدم في كاليفورنيا. كان طيارًا موهوبًا وقد جعلت منه روح المغامرة طيارًا حربيًا مثاليًا. لكنه جرى تسريحه من سلاح الجو بعد أن قصف بالخطأ سيارة مدنية.

بقي في كاليفورنيا وعمل مدربًا على الطيران. وقد جرى قبوله مجددًا ضمن ضباط الاحتياط في سلاح الجو بعد أن سدد مبلغًا من المال. وقد حصل على رخصة الطيران المدني ونقل البضائع والركاب على طول الساحل الغربي. ولكن بعد فترة قصيرة، عرض عليه أحد معارفه فرصة مثالية.

كان بيرت هول متعاقدًا مع الحكومية القومية في الصين في العام 1929. وكان من بين مهامه تجنيد طيارين مؤهلين للالتحاق بالنواة الأولى لخدمات النقل الجوي الصيني. فالتحق شورت بها.

إلا أنه قد تبين أن هول ليس إلا محتالًا خدع الصينيين والطيارين الذين وعدهم برواتب مجزية، بمن فيهم شورت. عمل شورت فترة وجيزة لدى الصينيين في شنغهاي بمقابل زهيد. لكنه بحث عن عمل آخر. ولسوء الطالع، حصل على عمل تسبب في مقتله أخيرًا.

يقول التقرير إن رجل أعمال أميركيًّا يدعى لويد غيل كان قد حقق مكاسب كبيرة من بيع كل شيء إلى الصينيين. كما كان الوكيل الوحيد لعدة شركات صناعة طائرات أمريكية. وكان يحاول جاهدًا إقناع الصينيين بشراء إحدى المقاتلات الحربية عندما ظهر شورت في مكتبه لطلب وظيفة.

لفتت الطائرة انتباه الصينيين لأنها كانت تضاهي الطائرات اليابانية وقتئذٍ. وقد أظهر غزو طوكيو لمانشوريا في العام 1931 والتهديد بحرب شاملة حاجة الصين لتحديث طائراتها، وكانت تلك الطائرة نموذجية.

أمضى شورت آلاف الساعات في قيادة الطائرة في الصين، وقد أقنعت قدراته بوصفه طيارًا واندلاع القتال بين الصين واليابان في العام 1932 الصينيين بشراء الطائرة. وبعد تجهيزها بشكل كامل للقتال، أُسندت لشورت مهمة خوض المعركة في نانكنغ.

انخرط في القتال في صبيحة العشرين من فبراير (شباط) بشكل مفاجئ. كان اليابانيون يهاجمون محطة السكك الحديدية وعدة أهداف. تعرض للهجوم من عدة مقاتلات يابانية، لكنه استطاع الرد على مهاجميه. استمرت المعركة لمدة 20 دقيقة ألحق فيها إصابات مباشرة في المقاتلات اليابانية، انسحبت على أثرها تلك المقاتلات ولم يُصب هو بأي أذى.

حصل شورت على كثير من الثناء على معركته الأولى، حيث كان في انتظاره حشد من المرحبين لدى هبوطه بالطائرة.

بعدها بيومين، يشير التقرير، هاجمت ست قاذفات يابانية محطة القطارات في سوتشو (المعروفة حاليًا باسم سوزو). ولأسباب غير معروفة، انبرى شورت للتصدي لهجوم الطائرات اليابانية.

انخرط شورت في معركة عنيفة مع الطائرات اليابانية، التي استطاعت أن تلحق أضرارًا بطائرته لكنه تمكن من السيطرة عليها. تعرضت طائرة شورت للمطاردة من قبل ثلاث طائرات يابانية، التي أطلقت المزيد من النيران عليها فأصابت المحرك إصابة مباشرة، فاشتعلت النيران فيها وارتطمت بالأرض. وكان ذلك أول انتصار يسجله سلاح الجو الياباني.

تحول شورت من مجرد طيار عادي إلى بطل قومي صيني بعد وفاته بقليل. أُطلق عليه لقب «شهيد الحرية» من قبل الحكومة الصينية، وحضر جنازته حوالي نصف مليون شخص، بما في ذلك أمه وشقيقه اللذان حضرا من أمريكا. أقيم تمثال وتكريمًا له، أقيم نصب تذكاري قرب موقع سقوط الطائرة بعدها بأشهر، ثم جرى نقله لاحقًا على ضفاف بحيرة جينجي. واليوم، وبعد مرور 84 عامًا على وفاته، يظل روبرت شورت بطلًا يجتذب ضريحه آلافًا من الزوار.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد