لا تزال أصداء رد «حزب الله» على الهجوم الإسرائيلي تتوالى في فضاء التحليل السياسي؛ إذ يتبارى المحللون في كشف الحسابات السياسية المعقدة والاعتبارات العسكرية المتداخلة التي حكمت طبيعة رد الحزب وأخرجته على هذه الصورة المحدودة.

في هذا السياق، نشر «معهد درسات الأمن القومي» مقالّا للكاتب «يورام شفيتسر» والكاتبة «أورنا مزراحي» الباحثين الأوَّلَيْن في المعهد، يحاولان فيه تفكيك حسابات الحزب المعقدة، ويتناولان خلاله ما أطلقا عليه «مزيج الهويات» الذي يحكم آلية اتخاذ القرار داخل «حزب الله».

ماذا تعرف عن القوة الصاروخية التي أصبح «حزب الله» يملكها في لبنان؟

ترميم معادلة الردع

في بداية المقال يقول الكاتبان: «كان استهداف حزب الله لمدرعة إسرائيلية في منطقة أفيفيم في مطلع سبتمبر (أيلول) الجاري أمرًا أشبه بالقضاء المحتوم الذي لا معدى عن حدوثه بالنسبة للأمين العام للحزب حسن نصر الله؛ فقد ألزم الرجل نفسه وأعلن على رؤوس الأشهاد عزمه الأكيد على رد الصاع لإسرائيل، بالرغم من عدم وجود رغبة لديه في المرحلة الراهنة في خوض حرب مفتوحة معها. وقد أعلن الحزب أن عملية أفيفيم جاءت ردًّا على مقتل اثنين من عناصره في الهجوم الاستباقي الإسرائيلي الذي استهدف مقرًا للحزب في قرية «عقربا» السورية نهاية أغسطس (آب) الماضي».

ويرى الكاتب أن أبرز ما دفع نصر الله لاتخاذ قرار الرد هو خوفه من أن تشكل هجمات الطائرات المسيرة على الضاحية الجنوبية في 25 أغسطس بداية لمزيد من الهجمات الإسرائيلية على أهداف للحزب في لبنان.

ومن ثم كان الغرض من الرد ترميم معادلة الردع مع إسرائيل، وتثبيت قواعد الاشتباك المعمول بها بين الطرفين منذ وضعت حرب لبنان الثانية أوزارها عام 2006، وهي القواعد التي تقول إن أي هجوم إسرائيلي على لبنان يستجلب ردًّا من حزب الله.

حزب الله وأزمة الهويات المتعددة

يعتقد الكاتبان أن المستجدات الأخيرة على ساحة المواجهة بين حزب الله وإسرائيل من شأنها أن تجسد بصدق ما أطلقا عليه «أزمة الهوية» التي يعاني منها الحزب؛ لا سيما بين هويته كفصيل لبناني شيعي وطني، وبين كونه تنظيما شيعيا محسوبا على الثورة الإيرانية يساند طهران وتسانده.

Embed from Getty Images

إن الحزب يُعَدّ مكونًا رئيسًا في «محور الممانعة» الشيعي في الشرق الأوسط، المحور الذي بات مؤخرًا يضم – بحسب نصر الله – حركتي حماس والجهاد الإسلامي في غزة، وحركة أنصار الله الحوثي في اليمن.

ويتابع الكاتبان: «يعدّ حزب الله كيانا مستقلا متعددة الأقنعة في لبنان: فهو حركة سياسية تغلغلت خلال السنوات الأخيرة في منظومة الحكم اللبنانية، وهو مؤسسة اقتصادية وحركة اجتماعية تسهر على شؤون المواطنين الشيعة وتأمين رفاهيتهم في لبنان، وهو ميليشيا عسكرية تمتلك جيشًا قويًا ومستقلًا، ولها ذراع ميدانية تنفذ هجمات إرهابية وعمليات إجرامية، وهو حركة دينية وثقافية لها منظومتها المعرفية الخاصة. ورغم كل ذلك فإن آليات صنع القرار داخل أروقة الحزب تنجح في أغلب الأحايين في توفير التناغم المطلوب بين هذا المزيج من الهويات وذاك الخليط من الأقنعة».

ويخلص الكاتبان إلى أن تصريحات نصر الله وأنشطة حزب الله ينبغي تقويمهما على ضوء هذا «الكوكتيل الهُوِيّاتي». ففي بعض الأحيان يكون إخلاص الحزب لإيران – بوصفها الدولة الراعية – هو العامل الحاسم، وفي أحيان أخرى يكون الشغل الشاغل للحزب هو الحفاظ على صورته ومكانته بوصفه «درع لبنان».

وفي جميع الأحوال نجد الحزب يحرص على الحفاظ قدر الإمكان على استقلاليته أمام إيران.

حزب الله لاعبًا في «محور الممانعة»

يقول الكاتبان: «خلال المواجهات العسكرية التي وقعت في السنوات الماضية بين إسرائيل وإيران على الأراضي السورية، ومؤخرًا في العراق، برز دور حزب الله لاعبًا رئيسًا في المحور الشيعي الذي يديره الحرس الثوري الإيراني. وقد أظهرت الضربة الإسرائيلية في «عقربا» هوية الحزب بوصفه إحدى حلقات المحور الشيعي. فقد تكشَّف أن العملية التي أحبطتها إسرائيل كانت ستتم بمشاركة اثنين من مقاتلي الحزب، إلى جانب مجموعة من المقاتلِين الشيعة العراقيين، تحت إشراف الحرس الثوري. علاوة على ذلك، بادر نصر الله إلى إعلان تبعية المبنى الذي استهدفته إسرائيل وقُتِل فيه جنوده إلى حزبه».

ويضيف الكاتبان أن الخطاب الذي ألقاه في الذكرى الـ13 لحرب لبنان الثانية 15 أغسطس، أعرب فيه نصر الله عن دعمه لإيران في ظل التوتر المحتدم في الخليج مع الولايات المتحدة والدول الغربية وبعض دول الخليج. وهدد نصر الله بأن الولايات المتحدة إذا هاجمت إيران، فستكون إسرائيل والمملكة العربية السعودية أول من يتأذّى، وسيشتعل الشرق الأوسط بأكمله. وفي الخطاب الذي ألقاه في ذكرى انتصار حزب الله على الفصائل السورية المسلحة 25 أغسطس، ثمّن نصر الله دور قواته في الحرب السورية، مؤكدًا على إسهامهم في دحر «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)». وقد أماطت هاتان المناسبتان وغيرهما اللثام عن وجه حزب الله وهويته الإيرانية.

حزب الله «حامي حمى لبنان»

يؤكد الكاتبان أن رد نصر الله على هجوم المُسيّرات في ضاحية بيروت الجنوبية، والذي استهدف منشأة يعمل فيها الحزب على تطوير صواريخه وتحسين دقتها، يعبر بشكل أساسي عن هويته المتمثلة في كونه «خط الدفاع عن لبنان» و«رأس المقاومة» اللبنانية.

حزب الله إسرائيل

نصب تذكاري لحزب الله في جنوب لبنان.

لقد اعتبر نصر الله هذا الهجوم تجاوزًا للخوط الحمراء؛ فهو أول عمل عسكري إسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية منذ العام 2006. ومن ثم أرغى وأزبد وتوعد إسرائيل بالرد، بل وسارع إلى الوفاء بما تعهد.

إن استهداف آلية عسكرية إسرائيلية بصاروخ مضاد للدروع كان يهدف – بحسب الكاتبَيْن – إلى حرمان إسرائيل من فرض قواعد اشتباك جديدة، وتنفيذ هجمات أخرى على الأراضي اللبنانية كما دأبت تفعل في سوريا والعراق.

وقد صرح نصر الله في يوم الهجوم قائلًا: «إذا ما التزمنا الصمت حيال هذا الانتهاك، فسيغدو لبنان في موقف بالغ الخطورة تقوم فيه إسرائيل كل يومين بإرسال طائرة انتحارية مسيرة لضرب أهداف على أراضينا».

في المقابل يرى الكاتبان أن دور «حامي حمى لبنان» الذي اضطلع به حزب الله يُعدّ بمثابة القيد له يكبح جماحه. فقد عكس ردُّ الحزب على الهجوم الإسرائيلي موقعه في دور الفاعلٍ الرسميٍّ الوازنٍ في الدولة اللبنانية؛ نظرًا لشعوره المتنامي بالمسؤولية تجاه الدولة، لا سيما بعد اندماجه في النظام السياسي فيها.

وعليه فإن الحزب معني بالحؤول دون وصول ضربة قوية أخرى للدولة اللبنانية الفاشلة، وكذلك لجماهير مؤيديه في لبنان، وهم طيف واسع لا يقتصر على الشيعة وحدهم؛ وإنما يضم جماعات مسيحية مارونية، بل أقلية سنية أيضًا.

ماذا بعد؟

ردًّا على هذا السؤال يقول الكاتبان: «يشير الرد المحدود والمدروس حتى الآن من جانب حزب الله إلى رغبته في الحيلولة دون توسيع المواجهة مع إسرائيل في هذه المرحلة؛ سواء لحسابات واعتبارات متعلقة بوضع كفيله الإيراني، أو لمصلحته ورغبته في تجنب حرب شاملة تعود بالدمار على لبنان. إضافة إلى ذلك، فإن لدى الحزب حساباته واعتباراته الخاصة، فهو يتعرض حاليًا لضغوط سياسية؛ حيث صنّفته دول غربية تنظيمًا إرهابيًا، واتهمته دول عربية بأنه قام بتصرُّف غير مسؤول باستهدافه للمدرعة الإسرائيلية في منطقة أفيفيم، ناهيك عن تعرضه لأزمة مالية بسبب العقوبات الاقتصادية المباشرة التي تفرضها عليه الولايات المتحدة الأمريكية».

ويتابع الكاتبان أن حزب الله يطمع في تثبيت المعادلة التي أسسها ردُّه على إسرائيل؛ بحيث يكون على الحكومة الإسرائيلية مستقبلًا إعادة النظر في حدود إستراتيجية «المعركة بين الحروب» وعواقبها، تأسيسًا على فرضية أن أي عمل عسكري إسرائيلي جديد في لبنان سيؤدي إلى رد من جانب حزب الله. وبقطع النظر عن ذلك، فإن الاحتمال الذي لم يزل قائمًا هو أن يكون إعلان الحزب بأن عملية أفيفيم هي رد على مقتل عناصره في سوريا، هو ذريعة لهجوم آخر على إسرائيل ردًّا على هجوم المُسيّرات، أو يكون سيفًا مسلطًا على رقبتها إذا هي تجرأت على مهاجمة لبنان مرة أخرى.

ختامًا يرى الكاتبان أن أمام إسرائيل في ظل هذه الظروف عدة خيارات: أولها هو تجنب القيام بعمليات أخرى في لبنان. أما الثاني فيقتضي المضي قدمًا في ٱستراتيجية «المعركة بين الحروب» في لبنان لإحباط التهديدات الإستراتيجية وفي مقدمتها مشروعات تحسين دقة الصواريخ، في ظل اتباع سياسة «المخاطرات المحسوبة». أما الثالث فهو أن تبادر إسرائيل بتوجيه ضربة استباقية وشن حرب شاملة ضد حزب الله تنال من قدراته العسكرية بشكل بالغ.

وعلى كل حال فمن الأولى – من وجهة نظر الكاتبين – أن يُرجَأ قرار خوض حرب شاملة في الأراضي اللبنانية، مرشّحة لأن تتطور إلى مواجهة دامية تجلب دمارًا على الطرفين، حتى تُدرس دواعيها وعواقبها جيدًا من قبل الحكومة الجديدة المنتظرة بعد الانتخابات الإسرائيلية الوشيكة.

«جيروزاليم بوست»: هذه هي استراتيجية حزب الله وإيران ضد إسرائيل وأمريكا

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد