أعد شاران جريوال، من مركز سياسات الشرق الأوسط بمعهد «بروكنجز»، وشادي حميد الباحث البارز في المركز، دراسة حول مستقبل سياسات التوافق التي هيمنت على الحكومة التونسية منذ ثورة 2011، التي أطاحت الديكتاتور السابق زين العابدين بن علي وفتحت آفاق الديمقراطية في تونس. ويرى الكاتبان أن سياسات التوافق قد تكون ضرورية في مرحلة ما، ولكن استمرارها يعني إطالة فترة التحول الديمقراطي وعدم ترسيخ الديمقراطية. 

ينظر المراقبون بشكل عام تقريبًا إلى التوافق التونسي على أنه السبب وراء بقاء تونس على المسار الديمقراطي، بينما انهار جيرانها في حرب أهلية أو ديكتاتورية عسكرية.  

منذ ثورة 2011، تعد تونس نموذجًا للسعي لتحقيق التوافق بين القوى العلمانية والإسلامية. وبينما انحدرت بلدان الربيع العربي الأخرى إلى الحرب الأهلية أو الديكتاتورية العسكرية، اختارت تونس بدلًا من ذلك الحوار والتعاون؛ فشكلت ائتلافًا علمانيًّا- إسلاميًّا في عام 2011، وأقرت دستورًا بشبه إجماعًا في عام 2014. وحتى بعد إقرار الدستور، خضعت تونس من عام 2015 إلى عام 2019 لحكم ائتلاف كبير ضم كلًّا من الأحزاب العلمانية والإسلامية الكبرى. ومع ذلك، فإن تجربة تونس أثارت القلق أيضًا فيما إذا كان مثل هذا التوافق زائدًا عن الحد.

الربيع العربي

منذ 10 شهور
منصف المرزوقي.. قصة الجنوبي الذي قاده نضاله لرئاسة تونس بعد الثورة

الجانب المظلم للتوافق السياسي

وفي هذه الورقة، يخلص الباحثان إلى أن السعي الموسع للتوصل إلى توافق في الآراء في تونس، كان له جانب مظلم أيضًا، مما يقيد التحول الديمقراطي. باسم التوافق، تخلت حكومة الوحدة الوطنية في الفترة 2015- 2019 عن قضايا مثيرة للجدل، ولكنها ضرورية، مثل العدالة الانتقالية، وإصلاح قطاع الأمن ولم تستطع اتخاذ إجراءات جريئة بشأن الاقتصاد أو تشكيل المحكمة الدستورية.

بدلًا من الانتقال إلى السياسة التنافسية، تبنت تونس المزيد من التوافق بتشكيل حكومة ائتلاف إسلامية علمانية كبرى في عام 2015، والمضي في سياسات التوافق حتى عام 2019، مما أثار تساؤلات حول ما إذا كان هناك توافق مفرط. 

ووجود أكبر الأحزاب في الحكومة معناه أيضًا عدم وجود معارضة فعالة، الأمر الذي ساهم بدوره في خيبة الأمل لدى الجمهور إزاء الأحزاب السياسية والديمقراطية. وتجلى فشل حكومة الوحدة في انتخابات 2019، عندما هُزمت المؤسسة السياسية إلى حد كبير على يد السياسيين القادمين من خارجها.

علاوة على ذلك، فإن حكومة التوافق أجَّلت فقط التوترات العلمانية الإسلامية الأساسية بدلًا من حلها. وساهم تجاهل هذه التوترات في صعود أحزاب إسلامية وعلمانية أكثر عقائدية اليوم. ومن المفارقات، أن السعي الموسع للتوصل إلى التوافق لم يجعل من الصعب تشكيل حكومة توافقية فحسب، بل تشكيل حكومة على الإطلاق.

تشير الحالة التونسية إلى أن وجود سياسات التوافق بحد ذاتها وامتدادها لفترة طويلة من المرحلة الانتقالية قد لا تكون مؤشرًا على النجاح الديمقراطي، بل هو مؤشر على ضعف أعمق في العملية الانتقالية.

وتشير الدراسة إلى أن قرار النهضة، أكبر حزب إسلامي في البلاد، بالانضمام إلى حكومة التوافق في عام 2015 بدلًا من قيادة المعارضة؛ إنما نتج عن الخوف من أن يتعرض للقمع أو حتى الحل. وإذا لم تشعر الأحزاب السياسية بالراحة في قيادة المعارضة خوفًا من القمع، فإن هذا يعني أن الديمقراطية قائمة على أرض مهتزة. وبالتالي يمكن استخدام وجود توافق مؤشرًا على عدم ترسيخ الديمقراطية.

Embed from Getty Images

راشد الغنوشي – رئيس حزب النهضة 

إن السمة المميزة لسنوات الانتقال الديمقراطي في تونس التي امتدت تسع سنوات هي التوافق. اتحدت الأحزاب العلمانية والإسلامية مرارًا وتكرارًا لإيجاد أرضية مشتركة، وتشكيل حكومة ائتلافية في عام 2011، والموافقة بالإجماع تقريبًا على دستور 2014. واستمر هذا التحالف حتى عام 2019 بين النهضة والفصائل الرئيسية الانفصالية، من نداء تونس، تحيا تونس، ومشروع تونس.

هذا التوافق بين القوى السياسية الكبرى قد نال استحسانًا دوليًّا لتونس، بما في ذلك جائزة نوبل للسلام. وينظر المراقبون بشكل عام تقريبًا إلى التوافق على أنه السبب وراء بقاء تونس على المسار ديمقراطي، بينما انهار جيرانها في حرب أهلية أو ديكتاتورية عسكرية.  

ويرجع الاهتمام بسياسة التوافق إلى أدبيات أكاديمية كثيرة حول التحولات الديمقراطية التي تفضي لوجود إجماع على قواعد اللعبة حتى تستمر الديمقراطية، مثل الدستور، والنظام الانتخابي وما إلى ذلك. لكن تلك الأدبيات تشير أيضًا إلى أن الديمقراطية تتطلب المنافسة في إطار قواعد اللعبة.  

بدا أن تونس تفي بالشرط الأول؛ إذ وافقت على دستور 2014 – أي قواعد اللعبة – بتوافق شبه كامل. لكن بدلًا من الانتقال إلى السياسة التنافسية ضمن تلك القواعد، تبنت المزيد من التوافق بتشكيل حكومة ائتلاف إسلامية علمانية كبرى في عام 2015، والمضي في سياسات التوافق حتى عام 2019، مما أثار تساؤلات حول ما إذا كان هناك توافق مفرط. 

ما الذي دفع الأحزاب السياسية التونسية إلى مواصلة التوافق، وهل نجحت في تحقيق أهدافها؟ وما آثار التوافق المستمر في تعزيز الديمقراطية في تونس؟ وأخيرًا، ما الدروس المستفادة بالنسبة لوضع الأحزاب السياسية في المستقبل؟

كان لحكومة الوفاق بين عامي 2015 و2019 سجل مختلط في أحسن الأحوال في مواجهة تحديات البلاد أو توطيد الديمقراطية. إذ فشلت في إحراز تقدم في الإصلاحات الاقتصادية الهيكلية، ولم تتمكن من الاتفاق على إنشاء المحكمة الدستورية، وأجلت التوترات العلمانية الإسلامية بدلًا من حلها، وحتى عندما حظيت ببعض النجاح – استعادة الأمن – غضت الطرف عن انتهاكات الشرطة، والتخلي عن إصلاح قطاع الأمن. وفي الوقت نفسه، أصبح التونسيون يشعرون بخيبة أمل متزايدة من الأحزاب السياسية والمؤسسات، وفكرة الديمقراطية على نطاق أوسع.

الثورة تختار التوافق

لطالما أبرز الباحثون أهمية التوافق، خاصة بين النخب، في عملية التحول الديمقراطي. وتدفع أدبيات التحولات بأن القوى الديمقراطية يجب أن تجد توافقًا مع عناصر من النظام القديم؛ لكي تمنع ظهور من يفسدون العملية الانتقالية.  

وهذا يعني أن الديمقراطيات الجديدة يجب أن تكون حذرة وتوافقية، وفي بعض الحالات محافظة، عند اتخاذ قرار بشأن القواعد الدستورية والانتخابية التأسيسية. غير أنها في النهاية، يجب أن تنتقل إلى سياسات أكثر تنافسية. فالديمقراطية ترتبط بالمنافسة: من المفترض أن تمثل الأحزاب مصالح مختلفة، وتتنافس على الأصوات في الانتخابات. ومن ثم فإن التركيز المستمر على التوافق على حساب المنافسة يمكن أن يهدد عملية الانتقال بدلًا من ترسيخها.

Embed from Getty Images

ولكن في أي مرحلة يجب أن تنتقل السياسة من التوافق إلى المنافسة؟

بدأت تونس مرحلة التحول إلى الديمقراطية في عام 2011، بعد إطاحة زين العابدين بن علي في انتفاضة شعبية. منذ ذلك الحين، كان التوافق هو اسم اللعبة. بعد انتخابات عام 2011، اختار الحزب الفائز، حركة النهضة الإسلامية، تشكيل حكومة ائتلافية تضم حزبين علمانيين، حزب المؤتمر من أجل الجمهورية، والتكتل الديمقراطي من أجل العمل والحرية.

كان الائتلاف مع حزب المؤتمر كافيًا لتحقيق أغلبية بسيطة، إذ حصل حزب النهضة البالغ على 89 مقعدًا والمؤتمر 29 مقعدًا، أي 118 مقعدًا في البرلمان المؤلف من 217 مقعدًا، أي أكثر من العدد المطلوب، وهو 109 مقاعد. لكن حزب النهضة سعى إلى تشكيل ائتلاف كبير، إذ دعا التكتل الحاصل على 20 مقعدًا، ليشكل حكومة ترويكا تسيطر على 64% من البرلمان.

سرعان ما تعرض هذا التحالف الإسلامي العلماني أثناء المناقشات الدائرة حول الدستور الجديد والتهديدات الأمنية المتزايدة. صعدت جماعة أنصار الشريعة السلفية هجماتها في أواخر عام 2012، مستهدفة السفارة الأمريكية في سبتمبر (أيلول) والمواقع العسكرية التونسية في ديسمبر (كانون أول). واتُهمت فيما بعد باغتيال اثنين من السياسيين العلمانيين في فبراير (شباط) (شكري بلعيد)، وفي يوليو (تموز) 2013 (محمد براهمي).

ونظرًا إلى أن حركة النهضة أبدت في البداية انفتاحًا على التعامل مع أنصار الشريعة لإدخالها في العملية السياسية بدلًا من تجريمها بشكل مباشر، سرعان ما حدث استقطاب للأحزاب السياسية التونسية على أسس علمانية وإسلامية.

بعد أن أطاح الانقلاب العسكري في مصر حكومة يقودها الإسلاميون في يوليو 2013، نظمت المعارضة التونسية احتجاجات جماهيرية تطالب بتكرار السيناريو المصري. ودعت معظم المعارضة العلمانية إلى حل الجمعية التأسيسية المنتخبة ديمقراطيًّا أو حكومة الترويكا، أو كليهما. وأعلنت جبهة الخلاص التونسية، المستوحاة من الجبهة الوطنية للإنقاذ في مصر، عن حملة لإقالة المسؤولين المحليين والوطنيين الذين عينتهم النهضة.

عزوف الجيش التونسي عن التدخل أنقذ تونس من مصير مصر المظلم 

لكن على عكس مصر، لم يتدخل الجيش التونسي، ولم يترك للمعارضة أي خيار سوى التفاوض مع حكومة الترويكا. بحلول أكتوبر (تشرين الأول)، وافقت معظم الأحزاب على حوار وطني توسطت فيه أربع منظمات مجتمع مدني. أدى الاتفاق الذي جرى التوصل إليه، إلى دستور جديد تقدمي أقر بالإجماع تقريبًا في يناير (كانون الثاني) 2014، والتشكيل اللاحق لحكومة تكنوقراطية. 

يضيف الباحثان: معظم قواعد اللعبة جرى تطبيقها، وفي هذه المرحلة ربما كنا نتوقع أن تنتقل تونس إلى سياسات أكثر تنافسية. شن الحزب العلماني، نداء تونس، حملة على برنامج مناوئ للنهضة بقوة، وأيد أركان النظام القديم، بما في ذلك الدولة القوية والعلمانية. كما توجه إلى المناطق الساحلية التي كانت معاقل النظام القديم.  

بعد حملة انتخابية استقطابية، انتصر نداء تونس وزعيمها الباجي قائد السبسي في انتخابات 2014، الذي فاز بالرئاسة، وحصل الحزب على 86 مقعدًا في البرلمان. إلى جانب حلفائه المقربين، الاتحاد الوطني الحر 16 مقعدًا، وآفاق تونس ثمانية مقاعد، كان نداء تونس سيستحوذ على 110 من مقاعد البرلمان، متجاوزًا عتبة 109 مقاعد بأغلبية بسيطة. إذا لزم الأمر، كان من الممكن تعزيز مثل هذا التحالف بإضافة أحزاب علمانية مؤيدة للنظام القديم مثل المبادرة الوطنية الدستورية ثلاثة مقاعد، أو حتى الجبهة الشعبية اليسارية 15 مقعدًا.

Embed from Getty Images

ومع ذلك، صدم السبسي، وهو رجل دولة يبلغ من العمر 88 عامًا، أعضاء حزبه بالقرار بتشكيل حكومة ائتلافية كبرى ليس مع الاتحاد الوطني الحر ولا آفاق تونس فحسب، ولكن أيضًا مع حزب النهضة صاحب المركز الثاني الذي حصل على 69 مقعدًا، وهو الحزب الذي سعوا لإسقاطه ثم شنوا حملات قوية ضده. ولم يكن لدى المعارضة سوى 18% فقط من مقاعد البرلمان.  

بقي هذا الائتلاف الكبير المكون من أربعة أحزاب حتى عام 2018. في أعقاب تفتت نداء تونس، جرى استبداله بعد ذلك وحل مكانه تحالف كبير آخر بين أكبر حزبين انشقا عن نداء تونس، وهما تحيا تونس ومشروع تونس، والنهضة وآفاق تونس والمبادرة. واستحوذ ائتلاف 2018- 2019 على ما بين 60 إلى 64% من البرلمان. أي إن ائتلافًا حاكمًا موسعًا مكونًا من أكبر الأحزاب العلمانية والإسلامية استمر من عام 2015 حتى انتخابات عام 2019. 

لماذا اشترك نداء تونس مع النهضة في الحكومة؟

أوضح الرئيس السبسي أن الوقت قد حان لترك الانقسامات العلمانية والدينية جانبًا من أجل معالجة الشواغل الملحة للأمة. ويبدو أن العلاقة الشخصية بين زعيم حزب النهضة راشد الغنوشي والسبسي، كان لها دور في تضييق هوة الخلاف بين الحزبين، بحسب الدراسة. وفي حين لم يكن للزعماء الآخرين في نداء تونس العلاقة الشخصية نفسها مع الغنوشي، أقر بعضهم بالمثل بأن التحديات التي تواجه تونس مثل الفقر، والأمية، والتنمية الاقتصادية، تتجاوز النظرة الحزبية، وتستوجب التوافق السياسي. 

ويرى الباحثان أن تقديم توافق النخبة منح نداء تونس والنهضة العديد من المزايا: أولًا، تسهيل إقناع التونسيين بقبول التضحيات المصاحبة لإصلاحات التقشف، ومقاومة الاتحاد التونسي العام للشغل القوي، الذي كان من المؤكد سيقاوم هذه الإصلاحات. ثانيًا، السماح لكل طرف بتجنب اللوم عن إخفاقات السياسة عن طريق الاختباء وراء التوافق الوطني. أخيرًا، كان التوافق مهمًّا أيضًا لجذب المزيد من المساعدات والاستثمارات الدولية. في الواقع، كتب كل من السبسي والغنوشي مقالات افتتاحية في وسائل الإعلام الدولية توخيًا لهذا الهدف على وجه التحديد.

الربيع العربي

منذ 9 شهور
«الثورات العربية لا تشبه الثورة الفرنسية».. حوار مع المفكر الأسترالي جون كين

في حين كانت النهضة ونداء تونس متباعدين بشأن قضايا الدين والثورة، فإنهما كانا متقاربين نسبيًّا تجاه التحديات الاقتصادية والأمنية الرئيسية. إلى جانب هذه الحوافز المشتركة للتوافق، كانت حركة النهضة مدفوعة بمخاوف إضافية، إذ رأت أن تجاوز الانقسامات العلمانية الإسلامية أمر بالغ الأهمية للحد من الاستقطاب، والذي بدوره سيساعد في الحفاظ على الانتقال الديمقراطي في تونس. وكما قال الغنوشي محذرًا من الاستقطاب الذي حدث في مصر: هدفنا هو ضمان أن تنتصر الديمقراطية على الفوضى وأحلام الانقلاب.

والواقع أن النهضة رأت أن انضمامها إلى الحكومة أفضل من بقائها خارجها ومعارضتها، حيث كان ذلك سيسهل حملة السبسي ضد الحركة، وهي المخاوف التي عبر عنها أحد أعضاء البرلمان من النهضة، إذ قال إنه في عدم وجود ديمقراطية راسخة تخشى النهضة أن تكون في صفوف المعارضة. علاوة على ذلك نظرت النهضة إلى أن وجودها داخل الحكومة سوف يمثل كابحًا لميول نداء تونس غير الديمقراطية. وكما قال أحد أعضاء النهضة فإنهم ينظرون إلى نداء تونس على أنه جزء كبير من النظام القديم، في حين يمثلون هم فصيل الثورة. 

تقييم حكومة التوافق

ولكن إلى أي مدى نجحت حكومة التوافق بين نداء تونس والنهضة في تحقيق أهدافها المعلنة؟ هل ساعدت سياسات التوافق على مواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية للبلد؟ وهل ساهم التوافق في تعزيز الديمقراطية في تونس؟

الأمن

تعرضت تونس لثلاث هجمات إرهابية في المناطق الحضرية في عام 2015، مما جعل الأمن هو الأولوية الأولى للحكومة، ودفعها للتوصل إلى توافق في الآراء بشأن إصدار قانون مكافحة الإرهاب في يوليو 2015، وتمكنت من تعزيز القدرات والموارد المادية للقوات العسكرية والأمنية. ووجدت الدراسات الاستقصائية التي أجراها المعهد الجمهوري الدولي أنه في حين عد 47% من التونسيين الإرهاب أكبر مشكلة في تونس في عام 2015، عد 1% فقط الإرهاب كذلك في عام 2019.

Embed from Getty Images

غير أن ذلك جاء ذلك على حساب إصلاح قطاع الأمن. إذ عادت إساءة استخدام القوة من قبل قوات الأمن إلى الظهور، وتقدر هيئات مراقبة حقوق الإنسان وقوع أكثر من 100 حالة تعذيب كل عام منذ عام 2015. وطبقت قوات الأمن قيود السفر تعسفيًّا على الأفراد الذين يشتبه في أنهم إرهابيون. وحالة الطوارئ المطبقة منذ هجمات 2015 ما زالت مستمرة حتى اليوم، على الرغم من خفوت التهديد.

الاقتصاد

تخلص الدراسة إلى أن التحالف كان أقل نجاحًا في هذا الجانب. كان النهج الذي وقع عليه الاختيار هو تنفيذ إصلاحات نيوليبرالية، بما في ذلك تقليص القطاع العام وخلق بيئة مواتية للاستثمار الخاص.

في عام 2016، توصل الائتلاف الحاكم إلى توافق بشأن بعض الإصلاحات التي منحت البنك المركزي مزيدًا من الاستقلالية وأصدر قانونًا مصرفيًّا وقانون استثمار جديد، ثم عقد مؤتمر (تونس 2020) في نوفمبر (تشرين الثاني)، وحصل على تعهدات مهمة بالاستثمار الأجنبي.

وبينما كان الائتلاف الحاكم قادرًا على تحسين مناخ الاستثمار، فإنه لم يتمكن من تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية الهيكلية، وخاصة تقليص القطاع العام. ونفذ تجميد التوظيف، لكنه لم يستطع تجميد الأجور أو دعم الإصلاح في مواجهة التضخم المتزايد والمعارضة من الاتحاد التونسي للشغل.  

في هذه الأثناء، يستمر الاقتصاد في الركود، وما يزال التونسيون يعانون. النمو الاقتصادي الذي بلغ حوالي 4- 5% سنويًّا قبل الثورة، يكافح من أجل الوصول إلى 2% اليوم. والبطالة التي كانت 10 إلى 12% قبل الثورة، ما تزال عند 15% اليوم. وتضاعف التضخم من 3- 4% قبل الثورة، إلى 7.4% اليوم. والوضع الاقتصادي أسوأ من الوضع الذي مهد الطريق للثورة في عام 2011، وفق الدراسة.

المؤسسات الديمقراطية

أولًا، فرض دستور عام 2014 على البرلمان الجديد، إنشاء مجلس القضاء الأعلى في غضون ستة أشهر، والمحكمة الدستورية في غضون عام واحد. ثانيًا، يحتاج البرلمان إلى إقرار قانون اللامركزية وإجراء انتخابات بلدية. ثالثًا، كان عليه إصدار قوانين تحكم الهيئات الدستورية الخمسة المستقلة – اللجنة الانتخابية، وهيئة مكافحة الفساد، ولجنة حقوق الإنسان، وسلطة الاتصالات السمعية والبصرية، ولجنة التنمية المستدامة.

نجحت حكومة التوافق في إنشاء مجلس القضاء الأعلى في 15 مايو (أيار) 2015، في غضون الفترة المقررة. كما أصدرت قانونًا أساسيًّا في نوفمبر (تشرين الثاني) 2015 بإنشاء المحكمة الدستورية، لكن بعد مرور أكثر من أربع سنوات لم تقم بعد باختيار أعضائها الاثني عشر. 

الاستقطاب

حاول الجانبان الحد من الاستقطاب حول قضايا الدين والعدالة الانتقالية التي ميزت الحملة الانتخابية لعام 2014. وكبح كل من حزب النهضة ونداء تونس بعض أعضائه المتشددين، الذين طالبوا بالتحقيقات والملاحقات القضائية لأفراد المعسكر الآخر.

Embed from Getty Images

المرشحون في انتخابات 2014 

سعى برلمانيون من نداء تونس إلى التحقيق مع النهضة على عدة جبهات. الأول كان لدورها في تسهيل سفر المقاتلين التونسيين إلى سوريا والعراق وليبيا. وكبح نداء تونس أعضاء آخرين سعوا للتحقيق مع النهضة لدورها المزعوم في اغتيالات براهمي وبلعيد عام 2013. وما إن تلاشى التوافق بين الغنوشي والسبسي في سبتمبر (أيلول) 2018، حتى بدأت الشائعات تدور حول إيواء حزب النهضة لجهاز سري ساعد في تنفيذ الاغتيالات.

وأضفى الرئيس طابعًا قانونيًّا على هذه الشائعات من خلال تكليف مجلس الأمن القومي علنًا ​​بالتحقيق مع النهضة على شاشة التلفزيون في نوفمبر 2018 ومن المرجح أن هذا التحقيق كان قد جرى التغاضي عنه بين عامي 2015 و2018 نتيجة الرغبة في التوافق وتجنب الاستقطاب. كذلك بذلت النهضة جهودًا لكبح جماح أعضائها المتشددين، الذين يرغبون في محاكمة شخصيات من النظام القديم في إطار عملية العدالة الانتقالية.  

الرأي العام

مع فشل حكومة التوافق في جهودها الرامية إلى تحسين الاقتصاد والمضي قدمًا في العملية الانتقالية، أصبح الجمهور يشعر بخيبة أمل متزايدة إزاء العملية برمتها. وانخفضت ثقة الجمهور في الحكومة والأحزاب السياسية والديمقراطية بسرعة وبشكل ملحوظ. وصلت نسبة الرفض للسبسي والغنوشي ما بين  10- 20% إلى 50- 70% بين عامي 2011 و2017. ولم يقتصر الإحباط على هؤلاء الأفراد، ولكن انسحب على أحزابهما السياسية أيضًا. 

وجود توافق في الآراء ليس بالضرورة شيئًا يستحق الثناء، ولكنه مؤشر على أن الانتقال إلى الديمقراطية لم يكتمل وأن أسسها هشة.

يتابع الباحثان: برز فشل حكومة التوافق والإحباط من الأحزاب السياسية القائمة في انتخابات 2019، التي كانت نتائجها مدمرة لجميع الأحزاب المشاركة في فترة التوافق. إذ هُزم كل شركاء الائتلاف العلماني. وفاز نداء تونس، الذي حصل على 86 مقعدًا في عام 2014، لكنه تراجع إلى 25 مقعدًا بسبب الانشقاقات، على ثلاثة مقاعد فقط في انتخابات 2019. كما تراجعت حصة الفصائل الأخرى من نداء تونس، وتحيا تونس ومشروع تونس من 43 إلى 14 مقعدًا ومن 15 إلى أربعة مقاعد على التوالي.

لم يكن أداء شركاء الائتلاف الصغار أفضل من ذلك، إذ هبط الاتحاد الوطني الحر من 16 إلى لا شيء، وآفاق تونس من ثمانية إلى اثنين. وفقدت النهضة أيضًا الدعم، وإن كان بدرجة أقل، إذ تراجعت حصتها من 69 إلى 52 مقعدًا. وكان أداء أحزاب المعارضة الأكبر في برلمان 2014- 2019، الذي كان عاجزًا في مواجهة حكومة وحدة، ضعيفًا أيضًا، إذ تراجعت حصة الجبهة الشعبية من 15 إلى مقعد واحد، والمؤتمر من أجل الجمهورية من أربعة إلى لا شيء. 

تشخيص فشل حكومة التوافق

يمكن أن يعزى فشل حكومة التوافق في مواجهة التحديات الاقتصادية، والمساعدة في توطيد الديمقراطية، إلى نقطتين أساسيتين: عدم قدرة نداء تونس على تحقيق التوافق، والاستعداد المفرط للنهضة للتنازل سعيًا لإبقاء الائتلاف حيًّا.

Embed from Getty Images

عبد الكريم الزبيدي – وزير الدفاع التونسي الأسبق ومرشح حزب نداء تونس في انتخابات 2019 

تفتيت نداء تونس

السبب الرئيسي لفشل حكومة التوافق في رأسي الباحثين كانت الانشقاقات في حزب نداء تونس. فبعد أن فاز في الانتخابات البرلمانية في الأصل بـ 86 مقعدًا في البرلمان، عقب انشقاقات واسعة النطاق، بقي 25 نائبًا فقط مع نداء تونس في عام 2019.  

كان من المحتمل أن يتفكك حزب بهذا النوع من التاريخ عند محاولة تشكيل تحالف مع منافسه اللدود. علاوة على ذلك، لم يفعل الرئيس السبسي سوى القليل لمحاولة منع هذا التفتت. وبحسب ما ورد، أعلن التحالف مع النهضة دون التشاور مع أعضاء حزبه أو حتى إبلاغهم.

تسهيل الثورة المضادة

تحمل الدراسة حركة النهضة بعض اللوم على فشل التحالف في توطيد الديمقراطية؛ إذ قدمت الكثير من التنازلات في محاولة لإبقاء الائتلاف على قيد الحياة، وبقيامها بذلك، سهلت الميول المعادية للثورة داخل نداء تونس. وبينما اعتقدت النهضة أن بإمكانها كبح جماح هذه الاتجاهات من داخل الائتلاف بشكل أفضل مما لو كانت في المعارضة، فإنها في النهاية خضعت لها أكثر من اللازم.

في المنعطفات الرئيسية والأولويات الرئيسية، كانت النهضة على استعداد للتنازل، في حين لم يكن نداء تونس على استعداد لذلك، مما سمح لميول الثورة المضادة بالتغول دون رادع إلى حد كبير.

القيود الملازمة للتوافق

فيما يتعلق بحكومة التوافق 2015- 2019، ترصد الدراسة اثنين من القيود الأوسع على سياسات التوافق، علاوة على العيوب الخاصة للأحزاب المعنية. الأول هو أن التوافق يخاطر بأن يصبح غاية في حد ذاته، بدلًا من أن يكون وسيلة لتمرير إصلاحات صعبة. كما تخلق سياسات التوافق مشكلة عمل جماعي، حيث لا يوجد لدى أي حزب أو زعيم أي حافز قوي بما يكفي للضغط بقوة بشأن أي شيء قد يكون موضع للجدل سواء داخل الائتلاف أو خارجه. ولأن التركيز يكون منصبًّا على التوافق، يتعين تجنب أي شيء يهدده. 

هل يمكن المضي نحو توافق أفضل؟

على الرغم من سجلها المختلط، فإن الجهود الرامية للتوافق – بمعنى وجود حكومة وحدة كبيرة تضم خصومًا سابقين – قد تستمر في تونس، حسبما تخلص الدراسة. لأن كل الظروف التي أدت لسياسات التوافق في عام 2015 ما تزال قائمة اليوم. وما تزال هناك حاجة إلى توافق في الآراء لإنشاء المحكمة الدستورية، وما يزال التوافق مفيدًا لتجنب إلقاء اللوم على تمرير إصلاحات اقتصادية مؤلمة. علاوة على ذلك، ما يزال الكثيرون في النهضة يشعرون بأن البيئة المحلية والدولية ليست مستعدة لقبولها في دور مهيمن في الحكومة أو المعارضة. 

Embed from Getty Images

متظاهرون ضد «قانون التوافق الوطني» الذي قدمه الرئيس الراحل السبسي للبرلمان – 2016 

وبالنظر إلى إمكانية تحقيق التوافق مرة أخرى، يقدم الكاتبان توصيات لتحسين هذا التوافق بصيغته المأمولة:  

أولًا، على الأحزاب السياسية تطوير هياكل ديمقراطية داخلية. وبدون هذه القنوات الداخلية للتعبير عن الاختلاف، من المرجح أن تستمر الأحزاب في التفتت، ولن تكون قادرة على الحصول على أصوات في البرلمان. وفي الوقت نفسه، يتعين انتخاب قادة الأحزاب داخليًّا حتى يكون لديهم شرعية للتفاوض مع الكتل البرلمانية الأخرى.  

ثانيًّا، يتعين أن تكون حملات الأحزاب قائمة على برامج سياسية متماسكة، وليس مجرد خطاب استقطابي قائم على الهوية ضد حزب آخر. 

أخيرًا، ينبغي للأحزاب السياسية أن تبني على هذا الأساس المشترك لوضع جدول أعمال واضح لأي تحالف كبير مقترح. ستساعد مثل هذه الشفافية الناخبين على التمييز بين تفضيلات السياسة الأصلية لكل حزب، وتفضيلات الحكومة الائتلافية النهائية.  

التوافق مؤشرًا على الضعف

في حين أن هذه الاقتراحات المذكورة أعلاه قد تحسن سياسات التوافق، فإن الباحثان يشددان على نقطة أساسية بعينها. وهي أن وجود توافق في الآراء ليس بالضرورة شيئًا يستحق الثناء، ولكنه مؤشر على أن الانتقال إلى الديمقراطية لم يكتمل، وأن أسسها هشة. فعندما تترسخ الديمقراطية وتلتزم جميع الأطراف بصدق بالديمقراطية، قد يظل التوافق خيارًا، لكنه لن يكون ضروريًّا.

Embed from Getty Images

 احتفالات في تونس بفوز قيس سعيد بالرئاسة 2019

إن قرار النهضة بالانضمام إلى حكومة التوافق في عام 2015 بدلًا من قيادة المعارضة ينبع من التصور بأنه إذا لم يحدث ذلك، فسيجري قمعها أو حتى حلها. إن مخاوف النهضة المستمرة من الانهيار – مبالغ فيها جزئيًّا ولكنها حقيقية – تمثل عقبة رئيسية أمام تعزيز الديمقراطية. فإذا تخوف حزب سياسي كبير، تحاشيًا للقمع، من قيادة المعارضة، سيؤدي ذلك إلى إطالة فترة التحول الديمقراطي ومن ثم ترسيخ الديمقراطية. 

حكومات التوافق يكون لها مكان مؤقت في المراحل المبكرة من التحولات الديمقراطية، ولكن بمرور الوقت، فإن استخدامها وإعادة استخدامها، يمكن أن يطمس خطوط المساءلة الديمقراطية والمسؤولية بين الأحزاب وناخبيهم، وبين الحكومات والناس الذين ينتخبونها. وتعني الائتلافات غير العملية أنه لا يمكن للناخبين أن يكونوا متأكدين تمامًا من المسؤول عن الفشل في الائتلاف، كما أن مثل هذه الائتلافات من المؤكد تواجه خطر الشلل السياسي. 

فبدلًا من تشكيل ائتلافات كبرى عبر الأيديولوجيا تحاشيًا للاستقطاب، يمكن أن تخدم الديمقراطية تحالفات أضيق وأكثر تشابهًا من الناحية الأيديولوجية تحكم وحدها. عندئذ يمكن للناخبين تمييز أداء الحزب بشكل أوضح. والابتعاد عن التوافق يعني أنه يمكن للأحزاب أن تتطور إلى مؤسسات أقوى وأكثر فاعلية وتماسكًا.

لوضع حد لسياسة التوافق، ينصح الباحثان الأحزاب العلمانية والمجتمع الدولي بأن يلعبوا دورًا مهمًّا في تقديم ضمانات النهضة، مع الإشارة علنًا إلى أن مشاركة النهضة قد جرى تطبيعها، وأن حظر الأحزاب أو القيود القانونية المفروضة على حزب النهضة، أو أي حزب آخر غير مطروحة. ما إن يأمن حزب النهضة، أو أي حزب آخر مخاطر القمع، سيكون أكثر راحة في التعبير عن تفضيلاته السياسية بدلًا من قمعها.

التوافق، بهذا المعنى، يمكن أن يكون مؤشرًا للقياس. ويمكن للمراقبين المحليين والدوليين الذين لديهم مصلحة في الديمقراطية التونسية متابعة تقدم تونس عن كثب، من خلال النظر في حالة التوافق في أي لحظة. أما إذا استمر توافق، بناء على التحليل الوارد أعلاه، فمن المحتمل أن يكون مؤشرًا على عدم وجود ترسيخ للديمقراطية. وإذا انتهى التوافق أو متى انتهى – وبافتراض أن يكون ذلك دون تغيير سلطوي كبير – فإن هذا سيوفر دليلًا مهمًّا على أن الانتقال الديمقراطي في تونس أكثر أمنًا وأمانًا.

علوم الثورة

منذ 11 شهر
«واشنطن بوست»: لماذا تنجح بعض الثورات ويفشل البعض الآخر؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد