نظم الري والواحات في جنوب تونس القاحل تفشل في تلبية متطلبات مزارع النخيل العطشى

يكتب هاري جونستون في صحيفة «الجارديان» عن المتاعب التي يتعرض لها مزارعو التمور في جنوب تونس نتيجة التغير المناخي، الذي أدى إلى ارتفاع درجة حرارة الجو وندرة المياه وقصر موسم تفتح الأزهار، ما يؤثر على تلقيح النخيل وينعكس سلبًا على مستوى جودة المحاصيل، وبالتالي حياة من يعتمدون عليها في معاشهم.

يستهل الكاتب مقاله بصحبة المزارع «منصور رجب» وهو يلف غطاءً واقيًا من البلاستيك حول عرجون من نخيل التمر في واحته بالقرب من قرية «بشلي» جنوب تونس، وهو يربطها على مهلٍ تكبحه مخاوفه، فيقول: «أشعر بالقلق؛ لأن الجودة تزداد سوءًا، والتمر يزداد جفافًا».

مثل الآلاف من المزارعين في جميع أنحاء المنطقة، تهدد آثار أزمة المناخ وندرة المياه مورد رزقه. ويقول عن ذلك: «عندما تكون الجودة رديئة، نحصل على أسعار منخفضة. أصبحتُ أجني أرباحًا أقل. وهذا العام، سأكسب ثلث ما كسبته العام الماضي، الذي كان عامًا متوسطًا».

على الطريق الخارجة من بشلي، تهب الرياح فتثير الرمال. وخلف أشجار النخيل تمتد الصحراء، أرض مسطحة جرداء لا تنبت فيها سوى الأشجار الخفيضة، إلى جانب الصخور والرمال. صحيح أن مجتمعات عاشت هنا على مدار آلاف السنين، لكن البيئة المتغيرة قد تجعل المكان غير صالح للسكن قريبًا.

إجمالًا، ارتفعت درجات الحرارة في تلك المنطقة بنحو درجة واحدة مئوية (1.8 درجة فهرنهايت) منذ عام 1988، وفقًا للبيانات التي جمعها مكتب الأرصاد الجوية في توزر، عاصمة الولاية الواقعة جنوب غربي تونس.

المنتج أكثر جفافًا ورداءة بسبب ارتفاع الحرارة

يقول الطيب فضيلي، من شركة «ساوث أورجانيك»، لتصدير التمر ويقع مقرها في مدينة قبلي: «كانت درجات الحرارة تبلغ ذروتها في أغسطس (آب) ثم تنخفض، ولكن الآن يستمر ارتفاع الحرارة حتى شهر أكتوبر (تشرين الأول)».

Embed from Getty Images

وفي ظل هذا النمط من السخونة، تتراجع مستويات الرطوبة وتتكيف النباتات مع الجو الحار من خلال التخلص من الماء. والنتيجة، كما يقول فضيلي، هي الحصول على منتج أكثر جفافًا ورداءة. ويجب على شركته الآن القيام بالمزيد من الفرز للحفاظ على معايير الجودة.

أدت سخونة الأرض أيضًا إلى قصر الفترات التي يمكن للنخيل خلالها أن يزهر ويتلقح، وفقًا لنبيلة القدري، وهي باحثة زراعية من قبلي. نتيجة لذلك، لاحظت نبيلة انخفاضًا في إنتاجية التمور لكل هكتار.

لكن ليس مجرد ارتفاع درجات الحرارة فقط هو الذي يسبب القلق. فخلال العقود الأخيرة، ولا سيما بعد ثورة تونس عام 2011، انتشرت المزارع غير القانونية مثل البقع عبر التضاريس البيضاء. وفشلت الدولة في فرض الضوابط المناسبة. ويوجد الآن 38 ألف هكتار معلنة (93.860 فدان) من أشجار النخيل في جميع أنحاء منطقة قبلي، على الرغم من أن نبيلة تعتقد أن الرقم الحقيقي قد يصل إلى 50 ألف هكتار. وهي المنطقة التي تنتج أكثر من نصف تمور البلاد.

التمور ثاني أكبر الصادرات الزراعية بعد الزيتون

وأشار الكاتب إلى أن التمر يعد ثاني أكثر الصادرات الزراعية قيمة في تونس بعد محصول الزيتون، إذ يأتي بعائد أكثر من 200 مليون دولار (154 مليون جنيه إسترليني) سنويًّا.

نتيجة لذلك تتفاقم مشكلة ندرة المياه؛ فنخيل التمر يعاني من العطش. وفي كل مزرعة، تقدر نبيلة أن هناك ما بين 100 و140 شجرة نخيل لكل هكتار، تحتاج كل شجرة ما يقرب من 20-25 ألف متر مكعب من المياه كل عام. فيما لا يمكن للينابيع الطبيعية أو المياه الجوفية تلبية هذا الطلب.

ويتابع الكاتب أن المزارعين يلجأون إلى الحفر وضخ المياه من الخزانات الجوفية. ويوجد الآن حوالي 30 ألف بئر في جميع أنحاء البلاد، بعضها على عمق مئات الأمتار. وحفرت نحو نصف هذه الآبار بطريقة غير مشروعة، وفقًا لتقرير صادر عن وزارة الزراعة التونسية لعام 2017، مع العلم بأن أقل من نصف مياه الآبار غير قابلة للتجديد، في حين تُستَغَل مستويات المياه بشكل مفرط في جميع أنحاء جنوب تونس.

تضيف نبيلة: «إذا واصلنا إنشاء هذه الواحات الجديدة، مع وجود آلاف الهكتارات من الأشجار الجديدة، على مدى 10 إلى 15 عامًا، لن يكون لدينا أي مياه». 

الواحات الجديدة سيئة الري ويهجرها مزارعوها

ويؤكد الكاتب أن المزارعين يعانون بالفعل. يقول «رجب» إن لديه أصدقاء مزارعين قاموا بالفعل ببيع أشجارهم في الواحات الجديدة التي تعاني من فقر مياه الري، لأن محاصيلهم كانت «ضعيفة للغاية». وتقول نبيلة إنها مسألة وقت فقط قبل أن يهجر إنتاج التمور المنطقة باتجاه الشمال إلى «قفصة».

في نهاية المطاف، تنشأ مشاكل سخونة الأرض وندرة المياه التي تواجه مزارعي التمور التونسيين من التعامل مع المشكلة بطريقة قصيرة النظر، وهو فشل شائع سببه العجز عن النظر إلى الصورة الكاملة. ويوضح فضيلي: «نحن نفكر فقط في المنتج. في حين يجب أن نفكر في الهواء والشجرة والتربة. نحن بحاجة إلى تغيير طريقة تفكيرنا».

العديد من مزارع النخيل الحديثة في تونس أحادية المحصول، تنتج مجموعة متنوعة من تمور «دقلة النور» ذات القيمة العالية وقليل من الأنواع الأخرى. وعندما يفشل هذا المحصول، لا يجد المزارعون ما يمكن أن يعتمدوا عليه. 

Embed from Getty Images

مشروع البنك الدولي للزراعة البينية

ويشير الكاتب إلى نموذج آخر، هو «يونس بلقاسم» البالغ من العمر 71 عامًا، وكان يرقد في ظلال شجرة نخيل في مدينة الشبيكة، بينما تزدهر واحته.

إنه واحد من حوالي 18 ألف شخص يستفيدون من مشروع للبنك الدولي بقيمة 5.7 مليون دولار أطلق في عام 2014. وزوده المشروع ببذور الخضروات وأشجار الفاكهة، وساعده على تحسين تربة أرضه والري، وسمح له بإقامة سياج أفضل لحماية الأرض من الخنازير البرية المحلية.

ودعمت المبادرة بلقاسم لاستعادة نظام «من ثلاثة مستويات» من الزراعة البينية (أي زراعة محصولين أو أكثر في الحقل ذاته). وفي واحته، يوفر نخيل التمر ظلالًا لأشجار العنب والموز والرمان والتين، بينما تنمو الخضروات والأعشاب البرية تحتها.

ويتطلب هذا النظام جهدًا أكثر من المزارعين، وقد يوفر مردودًا تجاريًا فوريًا أقل من إنتاج التمر. وربما يثبط هذين العاملين المزارعين الذين يتطلعون إلى كسب إيراداتهم في موسم حصاد واحد للتمر.

المحاصيل البينية لها فوائدها ومتاعبها

لكن في حين يقول بعض المزارعين الذين يزرعون المحاصيل البينية في الواحات إن هذا النظام يمكن أن يتطلب المزيد من المياه، فإنهم يؤكدون أيضًا أنه يحتفظ بمستويات معقولة من الرطوبة ويحسن جودة التربة ويعزز التنوع البيولوجي، كما أنه ينوّع الأصول التي يمتلكها المزارعون.

وتشير هذه المميزات إلى أن الزراعة القائمة على النظام الإيكولوجي يمكن أن تكون مفيدة للجميع: حماية المزارعين من الصدمات المناخية أو الاقتصادية أو تلك المرتبطة بالأمراض، مع الحفاظ على البيئة الطبيعية أيضًا. لهذا السبب، يشعر بلقاسم بالارتياح أكثر بشأن المستقبل. ويقول: «أصبح الجو أكثر حرارة،ولكني لست قلقًا بشأن تغير المناخ».

علوم

منذ 7 شهور
«الجارديان»: تغيُّر المناخ يهدد الحج أيضًا.. كيف؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد