قال ستيفن كوك، زميل مجلس العلاقات الخارجية، إنَّ الحديث عن وجود مؤامرات ضد الحكومتين المصرية والتركية يستند إلى وقائع، أما في الولايات المتحدة، فالأمر يتعدى مجرد كونه خيالًا.

وقال كوك في مقال له في مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية «إنَّه في أعقاب الإطاحة بمحمد مرسي في مصر في 2013، ضربت الأزمات الاقتصادية البلاد. ما تنفك الكهرباء تنقطع، وجفّت منابع الاستثمارات وتوقفت السياحة، وتعاني البلاد من أزمة مالية طاحنة». وهذا كلّه بدد أحلام المصريين الذين خرجوا إلى ميدان التحرير قبل ست سنوات هاتفين «عيش، حرية، عدالة اجتماعية».

وقد زاد الطين بلّة أزمة الوقود التي عصفت بالبلاد، يقول كوك. وفجأة بعد انقلاب الثالث من يوليو (تموز)، اختفت كافة الأزمات بين عشبة وضحاها. ظهرت شحنات البنزين بوفرة غير اعتيادية، وهنا يتساءل كوك: هل الأمر مجرد صدفة، أم أنّها مؤامرة مما يُعرف بـ«الدولة العميقة» التي تتشكل من ضباط في الجيش وعملاء في المخابرات ومسئولين فاسدين؟

ظهر مصطلح الدولة العميقة أول مرة في تركيا بعد تفجر فضيحة «سوسورلوك»، التي أظهرت تعاون الحكومة التركية في أواسط التسعينات مع عصابات المافيا والقتلة المأجورين في حربها ضد حزب العمال الكردستاني.

لكن ذلك لم يقدم دليلًا قويًا على وجود الدولة العميقة في تركيا. وقد طلب بعض الأتراك من محققين أجانب التحري عن جذور الدولة العميقة داخل الجيش والشرطة وجهاز الاستخبارات، فضلًا عن وسائل الإعلام والجامعات ومجتمع رجال الأعمال. كانت طريقة عمل الدولة العميقة مجهولة، لكن الاعتقاد السائد هو أنّها تتحرك لخدمة مصالحها الخاصة على حساب الشعب.

يقول كوك «إنّه لا عجب في أن يؤمن المصريون والأتراك بوجود الدولة العميقة. فعلى الرغم من اختلاف التصورات حول بنية الدولتين، إلا أنّ الاعتقاد العام يرى أنها تتكون من قوى ذات تأثير شديد ولا تخضع للمحاسبة وتتحكم في مقاليد الأمور في البلاد. وتعمل على تهميش الشعب فيما يتعلق بإدارة الدولة، وتفرض نظامًا سلطويًا وحشيًا عليهم».

لكن هذا يحدث في مصر وتركيا، اللتين تعودتا على سجن الصحفيين والمعارضين، وتسييس الأجهزة الأمنية والإعلام، ولكن كيف تغلغلت الدولة العميقة في النظام السياسي الأمريكي، يتساءل كوك؟

يشير المقال إلى أنّ عدة منافذ إعلامية أمريكية – مثل موقع Breitbart – قد نشرت تقارير عن الدولة العميقة في أمريكا. وقد ظهر المصطلح في واشنطن بنفس الطريقة التي ظهر بها في مصر، وذلك عبر أشخاص يحاولون فهم سياق ما يجري من أحداث في بلادهم. يرى أنصار دونالد ترامب أنّ الدولة العميقة تقف خلف الهجوم على إدارته في وسائل الإعلام، والمظاهرات الحاشدة التي اندلعت ضده، ونهر التسريبات الذي تفجر من داخل البيت الأبيض. كما أنّ أجهزة الاستخبارات تسعى لإفشال ترامب – من وجهة نظر مناصريه – عبر قيامها ببث شائعات حول ارتكاب بعض معاونيه أنشطة ترقى لمستوى الخيانة العظمى، وكلّ ما سبق بالتعاون مع الديمقراطيين بالطبع.

لكن المعارضين لترامب يرون عكس ذلك – يقول كوك – إذ إنهم يعتبرون هجوم ترامب على وسائل الإعلام، وسعيه للنيل من سلطة القضاء، وعلاقاته المشبوهة مع روسيا، وما يبدو أنه نهج متعمد لضرب استقرار البلاد، هي كلها ضمن خطة للقضاء على النظام السياسي الأمريكي. وقد عزّز هذه الاتهامات ما صرّح به علنًا ستيفن بانون – الذراع اليمنى لترامب – من أنّ إدارة ترامب تسعى إلى «هدم النظام السياسي القائم».

بعبارات أخرى، يرى معارضو ترامب أنه يقود انقلابًا ناعمًا في أمريكا، لكن ترامب ألمح إلى أن ما يلقاه من معارضة ليس إلا مؤامرة حاكتها أجهزة الاستخبارات بمعاونة الجهاز القضائي.

يرى كوك أنّ هناك سبب يدعو للقلق على سلامة النظام السياسي والجهاز القضائي في أمريكا؛ إذ يبدو أن ترامب لم يفكر مليًا في عواقب ما يفعل على المستقبل السياسي للبلاد، وهذا نفس ما تفعله القيادتان التركية والمصرية، عندما تستغل مؤسسات الدولة لمواجهة التحديات السياسية الملحة، وتعزيز الطبيعة الاستبدادية للنظام السياسي في خضم ذلك.

ثمة اختلافات جوهرية بين الدولة العميقة في كل من تركيا ومصر ونظيرتهم المزعومة في أمريكا. ففي تركيا – يشير كوك – تعمل الدولة العميقة بكل ما أوتيت من وسائل على الحفاظ على المبادئ العلمانية التي تبناها مؤسس الدولة التركية الحديثة – مصطفى كمال أتاتورك – وذلك عبر قمع الأكراد والإسلاميين، وتجاهل تاريخ الأرمن في منطقة الأناضول، وقمع الشيوعيين. وقد أفضى ذلك إلى العديد من حوادث الاغتيال، وحرب ضروس مع حزب العمال الكردستاني مستمرة منذ ثلاثة عقود، وأربعة انقلابات عسكرية منذ عام 1960.

أما في مصر، فكان هدف الدولة العميقة هو الحفاظ على نظام الحكم العسكري الذي أسسه الرئيس الراحل جمال عبد الناصر ورفاقه من الضباط الأحرار في عام 1952. ويرى كوك أن الدولة العميقة في مصر نجحت أكثر من نظيرتها التركية، إذ اضطرت الأخيرة للتدخل بالجيش أكثر من مرة للحفاظ على الهوية العلمانية للدولة.

يعتقد كوك أنّ فرضية وجود دولة عميقة في أمريكا مستبعدة؛ إذ إنّ المؤسسات التي عارضت إدارة ترامب كانت تسعى للحفاظ على الأعراف الديمقراطية. وقد حاولت تلك المؤسسات ضمان عدم اختراق قوى معادية للنظام الأمريكي أو قيام مستشار الأمن القومي للبيت الأبيض بمنح معلومات مضللة لنائب الرئيس.

لكن هدف المؤسسات البيروقراطية في أمريكا ليس السيطرة على الحكم – مثلما هو الحال في مصر وتركيا – وإنّما هدفها حماية النظام الديمقراطي القائم. إن لجوء المؤسسات التقليدية في البلاد إلى تسريب معلومات إلى وسائل الإعلام جاء في أعقاب تعبير إدارة ترامب عن ازدرائها لتلك المؤسسات، وفشلها في تفسير صلاتها بروسيا؛ ما سبب تضاربًا في المصالح وصعود النزعة القومية والفاشية في البلاد؛ مما يهدد النظام الديمقراطي القائم.

يختتم كوك بالقول إنّه لم يظهر أي مؤشر على وجود للدولة العميقة منذ أداء ترامب اليمين الدستورية، لكن الفكرة ظهرت لأن الأمريكيين – حالهم كحال المصريين والأتراك الذين يعيشون في مجتمعات تتصرف فيها الحكومة بشكل مبهم – الذين يبحثون عن تفسير منطقي للأحداث الغريبة التي تشهدها بلادهم قد لجأوا إلى التفسير البسيط، ألا وهو المؤامرة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد