نشرت مجلة «فورين بوليسي» مقالًا للكاتب «ديفيد لارج» المهتم بدراسة النازية يشرح الفرق الكبير بين النظرة إلى هتلر في الدول المختلفة، مع محاولة تحليل الأسباب في وجهة نظره.

نشرت مجلة «فورين بوليسي» مقالًا للكاتب «ديفيد لارج» المهتم بدراسة النازية يشرح الفرق الكبير بين النظرة إلى هتلر في الدول المختلفة، مع محاولة تحليل الأسباب في وجهة نظره. ينظر الغرب للقائد النازي باعتباره مهووسًا بإبادة البشر، عدا ذلك، يعتقد «لارج» أن بقية العالم يعتبره مصدرًا للإلهام السياسي.

يرى «لارج» أنه حيث هناك جهل بالمحرقة وبرغبات هتلر المجنونة في السيطرة على العالم، يُنظر للرجل على أنه قائد صارم أكثر من كونه قاتلًا وحشيًا ومهووسًا بالعظمة. شخص ترك خلفه القانون والنظام أكثر مما ترك المجازر والفوضى والمدن المدمرة. كذلك قد يعني اسم هتلر وبوضوح في العالم غير الغربي التمرد ضد الإمبريالية، بسبب الصراع القومي الألماني ضد الهيمنة البريطانية الفرنسية الأمريكية الصهيونية.

أمثلة من آسيا

متجر «هتلر» في الهند

الأسبوع الماضي صرح الرئيس الفلبيني «رودريجو دوتيرتي» أن هتلر هو مصدر إلهام شخصي له، إذا كان الرجل سياسيًا غربيًا، ربما كان تصريحه هذا ليضع نهاية لمسيرته السياسية. «هتلر قتل 3  ملايين يهودي، اليوم  لدينا 3 ملايين مدمن للمخدرات في الفلبين، سأكون سعيدًا بقتلهم جميعًا». يصرح «دوتيرتي» بهذا في إطار الحرب الشرسة التي يشنها على المخدرات. يتفاخر بعدها أن شرطته «نازية»، وأنها ستخلص بلاده من مشكلة المخدرات وتنقذ الأجيال القادمة من الهلاك.

لا يبدو أن ثمة استياء من هذه الجمل في الفلبين، لا أحد مهتم حتى بأن يقول أنها زلة لسان، بل ربما سترفع هذه العبارات من شعبيته العالية أصلًا، فالرجل يثبت أنه يتحدث بما يؤمن، ويفعل الأشياء. ربما يظن الغرب أن ثمة كلمات ضاعت في الترجمة، لكن ما ينقصه لفهم الخطاب ليس الكلمات، ولكن السياق الثقافي لكل ما هو غير غربي. ينظر الغرب لهتلر باعتباره نموذج السياسي الشرير، مهندس الإبادات الجماعية، رائد العنصرية على أساس العرق والحالم ببسط قوة الألمان على أوروبا ثم العالم، الرجل الذي أغرق البشرية في أحد أكثر حروب التاريخ دمارًا، لكن باقي العالم لا ينظر له بالضرورة بنفس الطريقة.

إندونيسيا بلد آخر وجد فيه «لارج» مثالًا على تبجيل علني لهتلر، الرئيس الإندونيسي الأول، «سوكارنو» والذي قاد حركة استقلال بلاده ضد الهولنديين، مدح روح الفخر القومي الكبير لعهد هتلر، الرئيس الإندونيسي الثاني، «سوهارتو»، رأى ألمانيا النازية نموذجًا لنظامه المركزي الجديد الذي يهيمن عليه الجيش. في مؤتمر أقيم في «باندونغ» في إندونيسيا عام 1955 لدول عدم الانحياز في آسيا وإفريقيا، ومعظمها دول حديثة الاستقلال، كان المندوبون يلقون خطاباتهم على الطريقة النازية شجبًا للاستعمار و«الإمبريالية الصهيونية». أحد المطاعم في «باندونغ» تشتمل ديكوراته على صلبان معقوفة وملصقات لهتلر، فالرموز النازية قانونية تمامًا في إندونيسيا.

يرى أستاذ تاريخ بارز في جامعة «غادجاه مادا» بجاكارتا أن الطلبة في إندونيسيا لا يعرفون شيئًا عن اضطهاد اليهود أو المحارق، وأنهم ينظرون لهتلر كثوري مثل «تشي جيفارا». يبدو إذن أن ثمة افتتان إندونيسي بهتلر، رجل أعمال محترم هناك صرح ذات مرة أن «إندونيسيا بحاجة لهتلر جديد يعيد لها الأمن والنظام».

إفريقيا والشرق الأوسط.. نماذج أخرى من تمجيد هتلر

رئيس زيمبابوي، «روبت موجابي»

الرئيس «روبت موجابي»، الرجل القوي في زيمبابوي، لا يقارن نفسه بالمسيح فقط، ولكن بهتلر أيضًا. لا أحد يعترض على هذه المقارنة أو يبدي استياءً.

«أنا هتلر هذا العصر، والذي يضع نصب عينيه هدفًا وحيدًا، العدالة والسيادة لشعبه، وانتزاع الاعتراف باستقلاله وسيادته على موارده. إذا كان هذا هو هتلر، فاسمحوا لي أن أكون 10 أضعاف ما كان هتلر». موجابي

يعتبر «لارج» أن هذه النظرة لهتلر لا تقتصر على بلدان شرق آسيا أو إفريقيا، فالشرق الأوسط على سبيل المثال له نصيبه من مشاعر التقدير نحو هتلر. تركيا، الدولة صاحبة الديمقراطية الأعرق في المنطقة، يمكن أن يرى فيها مؤيدون لهتلر. مؤسس الجمهورية التركية «مصطفى كمال أتاتورك» كان بمثابة ملهم لهتلر الذي كان معجبًا بشدة بقمع أتاتورك للإسلام السياسي. ربما لم يكن أتاتورك نفسه مفيدًا كثيرًا للقائد الألماني، لكن الكثير من المقربين منه كانوا ذوي فائدة بالتأكيد. «رجب بيكير» الأمين العام للحزب الكمالي الشعبي والذي أصبح لاحقًا رئيسًا للوزراء، عبر عن إعجابه بألمانيا النازية بعد زيارته لها.

يعتقد الكاتب أن تقديس أسلوب هتلر في الحكم ربما لم يكن من أجل انعدام ثقته في الإسلام السياسي، فحتى «أردوغان» الزعيم الإِسلامي لتركيا استشهد بهتلر كنموذج يحتذى به لتوسيع صلاحياته. تعجب بعض الأتراك من اعتبار «أردوغان» رجلًا مثل هتلر قدوة له، لكن مع زيادة سلطاته المطلقة بعد الانقلاب الفاشل ضده، يصبح أردوغان شبيهًا بهتلر أكثر من كونه غريبًا عنه.

في مصر، الديكتاتور الحالي «عبدالفتاح السيسي» يحاول تجنب عقد مقارنات بينه وبين هتلر كوسيلة لإضفاء الشرعية على طغيانه المتزايد، لكن أتباعه لا يظهرون التحفظ ذاته. «سهير البابلي» ممثلة مصرية قالت عشية استيلاء السيسي على السلطة أنها واثقة أن المصريين يعرفون أن بلادهم «بحاجة إلى رجل قوي كهتلر، يعاقب المواطنين على الأخطاء التي يرتكبونها». لم تكن مخطئة في توقعها كما يصف الكاتب، فما يفعله السيسي من تمجيد لذاته وتصنيف لمعارضيه بأنهم «أعداء الوطن»، وقمع الإعلام المستقل ونشر التعصب القومي وكراهية الأجانب يجعله يقارن كثيرًا بهتلر.

صدمة للزوار الغربيين

كتاب هتلر على الأرصفة في الهند

في باكستان، مثل إندونيسيا ينتشر الإعجاب بهتلر وتقديسه. يصر بعض الباكستانيين أن الأمر ليس إلا بين أقلية من الناس، لكن يبدو أن هذه الأقلية كبيرة لدرجة تجعل هتلر وصفًا يطلق على من يتمسك بسلاحه مهما كان الثمن. مواقف الإعجاب بهتلر تسبب صدمة للزوار الغربيين، خاصة الألمان منهم. صحفي ألماني كتب لدير شبيغل أنه اشتكى لحلاق في «إسلام آباد» أن تصفيف شعره جعله شبيهًا بهتلر، فابتسم الحلاق قائلًا: «نعم، نعم، هذا لطيف جدًا». يحكي الصحفي أيضًا عن سيارة كانت تقود أمامه حاملة ملصقًا كتب عليه: «أنا أحب النازية».

في الهند، هناك علامات أكثر على الانبهار بالفوهرر. المكتبات تعرض كتابه «كفاحي» بشكل واضح، كان هذا صادمًا أيضًا للسياح الذين لم يفهموا الأمر في البداية. يعتقد البعض أن السبب ربما عدم معرفة الهنود بالمحرقة أو ربطه بتزايد شعبية الحركة القومية الهندوسية. البعض الآخر يعتقد أن السبب ربما معاداة السامية أو الاعتقاد بأن الرجل يستطيع تحويل الهند إلى مجتمع أفضل وأكثر انضباطًا بقوة القانون والنظام.

قادة دول العالم النامي قادرون على استخدام اسم هتلر بسهولة، سواء كإلهام أو حتى كإهانة. في أمريكا الجنوبية حيث وجد الكثير من النازيين مأوى لهم بعد الحرب، وحيث عاش هتلر نفسه لفترة طبقًا لتقارير عديدة، يستخدم اسم هتلر للتحقير. الرئيس الفنزويلي السابق «هوغو تشافيز» قارن المستشارة الألمانية «أنجيلا ميركل» بهتلر، لم يفعل ذلك بغرض الإطراء، وكان الأمر مريعًا بالنسبة للألمان.

الرفض الكبير لهتلر في الغرب ربما يسير جنبًا إلى جنب مع قيم احترام حقوق الإنسان، والتنوع العرقي ونبذ العنصرية. لكن «لارج» يعتبر أن نظرة الإعجاب التي ينظر بها إلى هتلر في العديد من دول العالم تعطي مؤشرًا عن هشاشة هذه القيم الاجتماعية والسياسية في عالمنا المعاصر.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات