إنّ ضعف خبرة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وعدم التزامه بأيديولوجيا محدّدة تجعله يتصرف بطريقة براجماتية، ولكن تجعل منه سهل الانقياد في نفس الوقت.

ذلك ما يراه ديفيد جراهام، وكتب في مقال له على موقع «ذي أتلانتك»، أنه في مقابلة أجراها ترامب مؤخرًا مع صحيفة «وول ستريت جورنال» اعترف بأمر مدهش. فوصف ترامب لقاءه بالرئيس الصيني – الذي أصر على قدرة بلاده على حل مشكلة كوريا الشمالية إن أرادت ذلك – قائلاً:

تحدّث الرئيس الصيني عن التاريخ المشترك بين الصين وشبه الجزيرة الكورية، الذي يمتد إلى آلاف السنين ويشتمل على الكثير من الحروب. بعد أن استمعتُ إليه لعشر دقائق، أدركت أن الأمر صعب. لقد شعرتُ أنّ لديهم نفوذًا كبيرًا على الصين، لا سيما من الناحية الاقتصادية.

لقد عبّر الكثيرون عن اعتقادهم بجهل ترامب في الشأن السياسي – يشير جراهام – والمثال السابق يؤكد هذه الحقيقة، إذ أنّه يظهر عدم معرفة ترامب أي شيء عن تاريخ شبه الجزيرة الكورية. في الواقع، إنّ محادثة امتدت لعشر دقائق فقط، كانت كفيلة بتغيير رأي ترامب حول الصراع تمامًا.

يرى جراهام أن هذا يبعث برسالة إلى قادة العالم مفادها أن ترامب ليس متمكنًا في المشكلات التي يتحدث بثقة عنها، بل وإنه من السهل التأثير عليه لتغيير رأيه، وهو ما كان قد وعد بعدم حدوثه إبان حملته الانتخابية. وعلى ما يبدو، فقد أدركت الحكومة الصينية هذه الحقيقة، ودفعت نحو عقد لقاء بين الرجلين في بداية ولاية ترامب، وذلك حتى تتمكن بكين من وضع أسس العلاقة بين الطرفين.

لاحظ الكثيرون أنّ ترامب يميل نحو تبنّي موقف آخر شخص تحدّث إليه – يؤكد جراهام. يزعم الرئيس الصيني أنّ مشكلة كوريا الشمالية عصيّة على الحل، وقد سببت الأخيرة صداعًا لإدارات أوباما وبوش وكلينتون أيضًا، لكن المثير للقلق هنا هو أنّ قائدًا أجنبيًا يمكنه التأثير بهذه السرعة على ترامب. ويعتقد جراهام أنّ ضعف ترامب في الناحية السياسية وعدم وجود استراتيجية واضحة لديه سيؤجّج التنافس بين الأجنحة المختلفة داخل إدارته.

ليست هذه هي القضية الأولى التي يغير ترامب رأيه بشأنها – يقول جراهام. يؤكد هذا التغير في المواقف حقيقة مفزعة، وهي أنّ ترامب كان يجهل حقيقة المواضيع التي يتحدث عنها، أما الآن فقد بات مدركًا لتلك الحقائق. لطالما أكّد ترامب على أنّ الصين تخفض من قيمة عملتها، لكنه الآن يدرك أنّ الصين تعمل على رفع قيمة عملتها منذ 2014. كما أصرّ على أنّه لا يتوجب على أمريكا الانخراط في الأزمة السورية، لكنه بدل رأيه بعد أن رأى أدلّة على استخدام بشار الأسد للأسلحة الكيماوية والبراميل المتفجرة، مع أنّ الأخير كان يستخدمها منذ بداية الأزمة. وبعد أن كان يعتقد أنّ روسيا جزء من الحل في سوريا، تجلّى له أنّ روسيا ما هي إلا أحد رعاة نظام الأسد.

اقرأ أيضًا: «هآرتس»: ترامب يحتاج إلى حرب مقدسة

يرى جراهام أنّ تغيير المواقف هذا مثير للاستغراب، لأنّ معظم السياسيين يحاولون الإيفاء بوعودهم الانتخابية. وحتى في عصر وسائل الإعلام واسعة الانتشار – حيث يكون الفائز في الانتخابات الرئاسية هو صاحب أقوى شخصية – يظل الرؤساء متمسكين بوعودهم استنادًا لأولويات سياستهم، وذلك لأنّه قد يكون من غير المفيد التفكير بشكل مختلف، ولأنّ الكتلة الرئيسية من مناصريهم تطالب بذلك.

لنأخذ باراك أوباما – يضيف جراهام – الذي استطاع أن يزيد من رأس ماله السياسي عبر تمرير إصلاح جذري في منظومة التأمين الصحي. لعلّها كانت خطوة صائبة من ناحية العدالة، لكنها لم تكن كذلك من الناحية السياسية، فحتى مع رفض الشعب الأمريكي لهذه الخطوة، أصرّ البيت الأبيض عليها. وقد تسبب ذلك في خسارة الديمقراطيين سيطرتهم على مجلس النواب، وظل القانون مرفوضًا، حتى جاء ترامب وحاول إلغاءه.

لكن المعرفة الواسعة ليست شرطًا لنجاح الرئيس – يشير جراهام. فبعض قادة القوات المسلحة – ممن يمتلكون سيرًا ذاتية مدهشة – لم يكونوا على نفس المستوى وهم رؤساء للجمهورية. كما أنّ كل الرؤساء يواجهون نوعًا من منحنى التعلم. فقد اصطدمت خطط بيل كلينتون بالسماح للمثليين بالالتحاق بالجيش بواقع سياسي رافض للفكرة. ومهّد رفض جورج بوش الابن لبرنامج بناء الأمة إلى تباطؤ حركة البناء في أعقاب هجمات سبتمبر. وتعهد أوباما بإغلاق معتقل جوانتنامو عند توليه الرئاسة، لكنه لم يفعل. وهكذا، فإن تغيير ترامب لمواقفه هي استكمال لمسيرة من سبقوه.

لم يتخلًّ ترامب عن كافة عهوده. فما زال متمسكًا ببناء جدار عازل مع المكسيك، على الرغم من صعوبة ذلك. وبالنسبة إلى وعود أخرى – مثل إعادة التفاوض على اتفاقية النافتا – فلم تعد من ضمن أولوياته.

يرى جراهام أنّ ترامب يبدو مدركًا لذلك، فقد كان مناصروه يصوتون له بسبب شخصيته، وليس بسبب استراتيجيته، التي شابتها التنناقضات في أحيان كثيرة. في الواقع، عندما ظهر جهل ترامب وقت حملته الانتخابية، تبجّح بالقول إنّه شخص سريع التعلم.

اقرأ أيضًا: «فورين بوليسي»: بعد مصر وتركيا.. الدولة العميقة تظهر في أمريكا

إلا أنّ افتقاره الخبرة السياسية قد يحرره – يقول جراهام. فقد يعفيه ذلك من السعي إلى تنفيذ بعض وعوده المتطرفة، مما يجعله يتبع سياسات أكثر إنتاجية. وقد تجلى ذلك في تعامله مع برنامج أوباما كير، وفي نهاية المطاف، فضّل المصوتون ترامب بسبب براعته في إبرام الصفقات، وليس بسبب أيديولوجيته.

لكن ذلك يحمل في طياته مخاطر كبرى. فحين تكون جاهلًا، سترتكب أخطاءً. ويرى جراهام أنّ هذا يشكل خطرًا أكبر، فحينها يسهل التأثير عليك من قبل الآخرين.

يشير جراهام إلى أنّ تجربة إدارة كلينتون في الحكم تقدّم نموذجًا مفيدًا لإدارة ترامب. اتسمت إدارة كلينتون بوجود عداءات شخصية بين أفرادها ومحاولات لتملّق الرئيس. ولعلّ الصراع بين أقطاب إدارة ترامب – ستيف بانون ورينس بريباس وجيرد كوشنر – قد يكون أكثر أهمية، لأنهم لا يسعون إلى مجد شخصي أو القدرة على التحكم في الرئيس. تشير الأنباء إلى انحسار نفوذ بانون، وذلك لأنّه يحمل وجهة نظر مختلفة تجاه القضايا الدولية، بما في ذلك اعتناقه لفكرة تفوق الجنس الأبيض وإعجابه ببوتين، وذلك على النقيض من كوشنر الذي يتبنى سياسات ديمقراطية أكثر، أو بريباس وهو أحد الجمهوريين المخضرمين. وفي وجود رئيس يجهل حقيقة الأزمات، فإن مكيدة الجناح الغربي السائدة اليوم قد تتحول إلى سياسة أمريكية رئيسية غدًا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد