«والله العظيم لو ينفع أتباع لاتباع»، هكذا أكد الرئيس المصري عزمه على تسديد الديون المصرية الهائلة، وهو ما أثار سخرية النشطاء على الإنترنت، الذين حولوا الدعوة إلى حقيقة وعرضوا عبد الفتاح السيسي للبيع على موقع eBay الشهير.

قال البائع: «الشحن مجانًا ولا يسمح بالاستبدال، استخدام طبيب»؛ فانهالت العروض ليصل سعر الرجل إلى مائة ألف دولار قبل إزالة الصفحة.

يقول التقرير إن الحياة السياسية في مصر تمر بأصعب مراحلها منذ إطاحة الرئيس المنتخب محمد مرسي قبل ثلاث سنوات. اختفى المئات اختفاءً قسريًّا، وأغلقت المنظمات الأهلية، وحبس الصحفيون واعتُقل مئات المعارضين. ولكن في أبريل (نيسان) الماضي، اندلعت احتجاجات ضد تنازل السيسي عن جزيرتين للسعودية مقابل وعود بمعونات اقتصادية تصل إلى مليار ونصف المليار دولار في صورة استثمارات. ربما لا تؤثر الجزيرتان المهجورتان في حياة المصريين، لكن الأمر كشف نفاق نظام السيسي، الذي أعد دستورًا يجرم التنازل عن أراضٍ مصرية لقوى أجنبية. وقد سخر الإعلامي المنفي باسم يوسف بالقول: «قرب، قرب، الجزيرة بمليار، والهرم باتنين وتمثالين هدية».

نفس هذا المشهد تكرر في رسم ساخر نُشر في أحد إصدارات مجلة «أبو نظارة زرقاء» الساخرة أواخر القرن التاسع عشر، يُظهر الرسم قادة مصر أمام أهرامات الجيزة وهم يعرضونها للبيع لمشترين أجانب. يصيح البائع «إلى محبي الآثار، الأهرام وأبو الهول للبيع مقابل المال. العملة هي الجنيه، ألا أونا، ألا دو، بيعت بحول الله!».

كان الوضع الاقتصادي المصري مشابهًا لما هو عليه الآن. فالبلاد تعتمد على القروض الممنوحة من الأجانب. حيث أغرق الخديوي إسماعيل، حاكم مصر العثماني آنذاك، مصر في الديون بسبب اقتراضه من البريطانيين والفرنسيين لإنجاز مشاريع طموحة. فبدأ أولئك الدائنون بالاستحواذ على الكثير من الأراضي المصرية، بينما فرض إسماعيل ضرائب مجحفة على الفقراء. انفجر الغضب بين العامة، ووُزع منشور جاء فيه «سامحني لأن الحروف التي أكتبها تبدو كأذن الحمار».

صاحب تلك الصحيفة هو المصري الإيطالي اليهودي «جيمس سانوا». اشتهر سانوا بالتأليف المسرحي ثم اتجه للصحافة الساخرة. وكان ينفي أن الصحيفة سياسية، لكنه سخر بشجاعة من الأوضاع السياسية المتردية آنذاك. يظهر الخديوي في إحدى الرسوم كدرويش يهذي في الشوارع طلبًا للمال لسداد ديون البلاد.

وفي رسم آخر يظهر الخديوي برأسه وجسم ثعلب محبوس في قفص في سيرك، بينما ينظر إليه الأوروبيون باهتمام.

كانت تلك الصحيفة واسعة الانتشار بين الفلاحين في كل بلدة وقرية، وكان الشيوخ يخفونها في عممهم، بل وحتى الموظفين الحكوميين كانوا يقرأونها بنهم.

جرى تحويل أرشيف إصدارات الصحيفة إلى النسخة الرقمية على يد خبراء ألمان. لكن الصحيفة طواها النسيان، ويستحيل العثور على نسخة ورقية منها في مصر. حيث تمنع الدولة الشعب من الوصول إلى الأرشيف الوطني إلا فئة محدودة منه.

في يوليو (تموز) من عام 1879، أطاح الإنجليز بالخديوي إسماعيل بعد تعاظم الدين المصري، ونصبوا ابنه توفيق كعميل لهم. وقد اضطر جيمس سانوا إلى الفرار من مصر إلى فرنسا بعد تعرضه لمحاولتي اغتيال، وغير اسم الصحيفة إلى «رحلة أبو نظارة من مصر المظفرة إلى باريس المدهشة». وظل يتابع عن كثب ما يجري في بلاده. وقام بتهريب الصحيفة إلى داخل مصر عبر طبعها على ورق أصغر، وكلما حظرتها السلطات، كان يغير اسم الصحيفة. كان يعمل بمفرده على الصحيفة، وخلق مجتمعًا تخيليًّا كاملًا من النشطاء، رجال ذوو نظارات خضراء وصفراء وحمراء، الذين كتبوا مقالات تحريضية للصحيفة. من بين الشخصيات التخيلية، كان هناك رجل دين يدعى «شيخ أبو نظارة»، الذي كان يحث المصريين على الثورة، محذرًا إياهم من مصير مشؤوم على تخاذلهم «ستقعون فريسة للاحتلال قريبًا! وقد بات هذا اليوم قريبًا للغاية! يومها ستتحدث مصر الإنجليزية وستأكل أبناءها! هذا نداء أخير، سأدمر الصحيفة وأكسر النظارة».

تلقف تلك الدعوة ضابط مصري شاب يدعى «أحمد عرابي»، الذي قاد الآلاف من الفلاحين والجنود في احتجاجات أمام قصر توفيق استطاعوا خلالها تعطيل حكمه لمدة ثلاثة أشهر. وقد عبر سانوا عن ذلك من باريس برسم يظهر «عرابي كرئيس الملائكة ميخائيل، وهو يمنع البريطانين من دخول جنة عدن المصرية، ورسم نفسه وهو يهتف من أعلى منطاد طائر». إلا أن الجيش والسفن الحربية البريطانية تمكنت من احتلال مصر وقتل الآلاف، ونُفي عرابي إلى جزيرة صقلية، وفشلت أول ثورة مصرية.

وبعد اشتعال الثورة المصرية عام 2011، نُفي العديد من المصريين إلى الخارج، وباتوا يدافعون عن الثورة من الخارج، مثل الإعلامي باسم يوسف أو «جون ستيوارت مصر». ثمة اعتقاد سائد أن أولئك المنفيين خونة ولا يحق لهم الحديث باسم المصريين، وهم آمنون في الخارج ولا يعانون مثل بقية الشعب. فهل كان لسانوا الحق في دعوة المصريين إلى الثورة بينما هو يتنعم في مسكنه في باريس؟

واصل جيمس نشر صحيفته لثلاثة عقود تالية، حث فيها الناس من كل المشارب على المطالبة بحقوقهم، واستخدم في ذلك القط الفيلسوف وأبا الهول الباكي. لكنه توقف عن النشر بعد أن ضعُف نظره في سن السبعين. وقد توفي بعدها حزنًا على عدم حدوث التغيير المنشود. لعله الآن ينظر من السماء إلى مصر في محنتها الحالية، انتظارًا لاشتعال الثورة القادمة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد