قبل ساعات من مجزرة باريس يوم الجمعة، وقع تفجير انتحاري مزدوج في منطقة تسوق الطبقة العاملة في بيروت. تبنى تنظيم داعش المسؤولية عن الانفجار الذي أدى إلى مقتل 43 شخصًا ومئات الإصابات في أسوأ هجوم يضرب المدينة منذ ربع قرن. ثم جاءت هجمات داعش في فرنسا، والتي اجتذبت معظم الاهتمام الذي كان قد وُجه نحو لبنان.

 

لقد أصبح نمطًا يمكن التنبؤ به: عمل من أعمال العنف في العالم يلقي بظلاله على فعل عنيف متزامن مماثل، بما يثير ردة فعل ضد هذا الخلل في التدقيق، والتعاطف، والحزن. ولكن التنبؤ لا يجعل من هذا النمط أقل إيلامًا. في كل مرة يقع فيها هجوم ارهابي كبير في أميركا أو أوروبا، من مدينة نيويورك، إلى مدريد، إلى لندن، إلى باريس، فباريس مرة أخرى، فإنه يجذب اهتمام وقلق الأميركيين والأوروبيين بشكل مختلف عن الفظائع المماثلة التي تقع في أماكن أخرى. نادرًا ما تتداعى الأحداث بدقة، فتتيح إجراء مقارنة واضحة، مثل تفجير بيروت ومجزرة باريس.

 

يطالب الكثيرون على مواقع التواصل الاجتماعي بمعرفة لماذا تم التغاضي عن هجمات بيروت. فقد عبر اللبنانيون عن أسفهم لهذا التناقض. ويتساءل كثير من الناس لماذا لم يسمح الفيسبوك للناس في لبنان للتأكيد على “سلامتهم” على الشبكة الاجتماعية، كما فعلت الشركة مع حادث باريس.

 

كيف يمكن تفسير هذه الفجوة الواضحة في التعاطف؟

 

أحد التفسيرات المحتملة بسيط، وهو أن أعداد الوفيات في باريس أكثر بثلاث مرات مما كانت عليه في بيروت. وربما تكون هناك مجموعة أخرى متشابكة من الأسباب. أهمها هو الألفة. فالأميركيون من المرجح أن يكونوا قد سافروا إلى باريس عن بيروت أو القاهرة، أو نيروبي، أو أي عدد من المدن التي شهدت هجمات دامية. وإن لم يكونوا قد سافروا إلى العاصمة الفرنسية نفسها، فمن المرجح أنهم قد شاهدوا مئات من الأفلام والبرامج التلفزيونية التي جرى تصويرها هناك، ويمكنهم ذكر أسماء المعالم في المدينة. فضلاً عن أن باريس على وجه الخصوص تعد رمزا لنوع من الثقافة الراقية. فمثلما قد يحدث عندما يضرب حادث بلدتك بشكل أفظع من بلدتين أخريين، فمن المحتمل أن يرتبط المواطن الأميركي العادي بالعنف في باريس أكثر من أي أجزاء أخرى من العالم. وهناك أيضًا مكون قبائلي، أو عنصري، مثير للقلق لعامل الألفة هذا أيضًا: حيث يميل الناس إلى الانتباه عندما يرون أنفسهم في الضحايا.

 

الاختلاف في التوقعات يرتبط ارتباطًا وثيقًا بذلك. في يناير الماضي، قال مات سكيافنزا لذي أتلانتك إن أحد الاختلافات الصارخة بين مذبحة تشارلي ابدو في باريس وتفجير انتحاري نفذه صبي يبلغ من العمر 10 سنوات في نيجيريا هو أن فرنسا ليست بلدًا بحكومة فاشلة أو يعصف بها صراع مزمن. ونتيجة لذلك، فإن الهجمات هناك أكثر إثارة للصدمة.

 

عندما يسمع العديد من الأميركيين اسم “باريس” يفكرون في برج ايفل. وعندما يسمعون اسم “بيروت” يربطونه مباشرة بالحرب. ومع ذلك فإن هذا الانطباع عفا عليه الزمن، كما ذكرت صحيفة نيويورك تايمز “بينما كانت بيروت ذات يوم مرادفًا للعنف، عندما دخلت في حرب أهلية طاحنة قبل جيل مضى، كان هذا التفجير الانتحاري الأكثر دموية الذي يضرب المدينة منذ انتهاء تلك الحرب في عام 1990”.

في الواقع، كانت بيروت تعرف باسم باريس الشرق الأوسط. وعلى الرغم من أن هذا الاسم لم يعد شائع الاستعمال، إلا أنه لا يزال هناك تشابه بين المدينتين. فالمراكز والأحياء المزدهرة توفر مرافق للطعام والتسوق براقة. الأبعد من ذلك، فإن المقيمين الأقل ثراء، العديد منهم من المهاجرين أو أبناء المهاجرين، يعيشون في أحياء الطبقة العاملة. تمتلئ ضواحي باريس بشكل كبير من قبل المهاجرين المسلمين. “نادرًا ما يقوم الباريسيون والسياح بزيارتهم، ويشكو السكان من توافد ​​الصحفيين فقط للإبلاغ عن إحراق سيارة أو أطلاق نار” ذكر جورج باكر مؤخرا في مجلة نيويوركر. “والعديد من سكان الضواحي لا يفكرون في الذهاب الى باريس.” وفي بيروت، هناك أحياء مثل برج البراجنة، والضاحية، حي الطبقة العاملة حيث يتكون السكان من كثير من المسلمين الشيعة اللبنانيين، بالإضافة إلى اللاجئين الفلسطينيين ومعظم الوافدين الجدد واللاجئين السوريين. كان الشيعة هم هدف تنظيم داعش، وهي جماعة متطرفة سنية، في الأسبوع الماضي.

 

لا تتمتع باريس بالهدوء تمامًا مثلما قد يتصور الأميركيون. على سبيل المثال: أعمال الشغب واسعة النطاق هي تقريبًا حدث سنوي، خصوصًا في الضواحي. في عام 2005، وخلال بعض من أكبر أعمال الشغب في الذاكرة الحديثة، قتل ثلاثة أشخاص في أعمال العنف الناجمة عن مطاردة الشرطة ثلاثة أولاد، ولكن ذلك كان مثالاً على توترات أعمق. قد لا تكون هذه باريس التي يعرفها الكثير من الأميركيين، ولكنها باريس بنفس الطريقة.

 

هل ينبغي أن تنسب فجوة التعاطف إلى الصحافة الأمريكية والأوروبية التي تركز بشكل كبير على الهجمات في “الغرب”؟

انه من الأسهل بكثير الحصول على صحفيين في باريس من، في نيروبي مثلاً، على الرغم من النقد غير العادل للصحفيين الشجعان الذين ينقلون الأحداث من الأجزاء الخطرة من الكرة الأرضية على مدار السنة، وليس فقط عندما يندلع العنف. وعلى الأرجح أنه إذا كرست وكالات الأنباء الأمريكية كل الموارد التي كانت مخصصة لهجمات باريس لهجمات بيروت بدلاً من ذلك، فإن القراء، والمراقبين، والمستمعين لن يولوا نفس القدر من الاهتمام.

 

في جزء منها، هذه الدينامية هي ثمرة من ثغرات الألفة والتوقعات. في مقال في صحيفة ذي أتلانتك الماضي، ذكرت جاكوبا يورست نتائج دراسة الكوارث الطبيعية في جميع أنحاء العالم، والتي وجدت أن مستوى اهتمام وسائل الإعلام الأمريكية يرتبط مع القرب الجغرافي للولايات المتحدة وعدد السياح الأمريكيين الذين زاروا البلد المعني. ومثلما اقترحت فين غرينوود بعد هجمات شارلي ابدو، فإن الصحفيين وجمهورهم على حد سواء يعانون من التحيز الشديد.

هناك مبررات اقتصادية تلعب دورًا أيضًا. ماذا عن الفيسبوك؟

قال مؤسسه مارك زوكربيرج إن السبب الوحيد لعدم وجود خيار تحقق من الأمان في هجمات بيروت هو أن الفيسبوك قرر اتخاذ هذه الخطوة فقط بعد هجوم باريس لنشر ميزة لمواجهة الكوارث غير الطبيعية. وإلى جانب ذلك، من المنطقي أن يتحرك الفيسبوك بشكل أسرع في باريس. وفي نهاية المطاف، هناك ضعف عدد الناس في المناطق الحضرية في باريس عمن يتواجدون في كل لبنان. وحتى مع افتراض وجود موطئ قدم كبير للفيسبوك في لبنان (افتراض ليس ببعيد، على الأرجح)، فإن هناك ببساطة عدد مستخدمين أكثر للفيسبوك في باريس.

 

مهما كانت دوافع فجوة التعاطف، فالفجوة نفسها لها عواقب حقيقية. فبعد الهجمات، قالت السيناتور الأميركي ليندسي غراهام، “هذا ليس مجرد هجوم على الشعب الفرنسي، إن هجوم على الحضارة الإنسانية وجميع الأشياء التي نعتز بها”. كان البيان بليغًا وصحيحًا، ولكن كما أشار إيشان ثارور في صحيفة واشنطن بوست، أصدر السياسيون الأميركيون تصريحات قليلة حول ما حدث في بيروت. إذا لم يشر أحد إلى أن التفجيرات الانتحارية في بيروت لا تقل هجومًا على الحضارة الإنسانية عن تلك التي وقعت في باريس، فمن الأسهل بكثير تقسيم العالم في صدام الحضارات، حيث القتلى الأبرياء على جانب ما أحق بالحداد عن القتلى الأبرياء من الجانب الآخر.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد