في عصر نتوجس فيه خيفة من كل العناصر الغذائية المصنّعة، لم يكن الناس يومًا أكثر هوسًا مما هم عليه اليوم بما يأكلونه، الأمر يستحق؛ فقد أصبحنا محاصرين بالأغذية المصنعة، وبينما نعتبر كرات اللحم المصّنعة هي الأخطر، فإن بعض الصلصة المصنّعة تحمل خطرًا أكبر، يكشف المتتبعون لها حقائق مزعجة تجعلنا نوقن أنها ليست آمنة كما نظن، وأن صناعة الطماطم مليئة بخبايا قد لا نعرفها.

في كتابه «إمبراطورية الذهب الأحمر» يبحث  الصحافي الفرنسي جين باديستي ماليت وراء صناعة الطماطم ليكشف أسرارها، والتقرير الذي نشرته صحيفة «الموندو» الإسبانية، يتناول أبرز ما توصل إليه ماليت في بحثه وراء أسرار هذه الصناعة الكبيرة، والذي كشف في أحدها أن بلادًا مثل غانا تبيع الملايين من العلب الصينية التي لا تحوي سوى على 31% من الطماطم.

Embed from Getty Images

تشبه صناعة الطماطم في بعض جوانبها صناعة النفط: في كليهما هناك عمليات تكرير مختلفة، ونوعيات مختلفة من معايير التركيز واللون والزوجة والتجانس متفاوتة بشدة، إلى جانب أن المستهلك النهائي لا يعرف غالبًا بلد المنشأ للمنتج الذي يستهلكه.

وفي حالة الطماطم يصبح كل شيء أكثر تعقيدًا، فنحن نسترشد ببعض الملصقات الواهية التي تزينها ثمرات الطماطم الناضجة ذات اللون الأحمر اللامع الجذاب.

لكن استهلاكها (العالمي مثل كرة القدم) يُخفي – وفقًا لبحث الصحافي الفرنسي – يدًا عاملة شبه مستعبدة، وسوقًا شديدة التنافس لهذه المنتجات تتمركز قيادتها في الصين، ومؤسسات إيطالية تحتكر العمل، وعميلًا يكون في أغلب الأحيان مخدوعًا. في دول مثل غانا مثلًا كشف ماليت عن بيع ملايين العلب الصينية التي تحتوي على 31% فقط من الطماطم و69% من الإضافات (الصويا والنشا والألوان ومواد أخرى)، بينما تشير الملصقات عليها إلى أنها تحوي على الطماطم وقليل من الملح فقط.

Embed from Getty Images

وكما يوضح ماليت «في الصين يكون جامعو الطماطم من الأطفال أو من سجناء لاوجاي (السجن الصيني). ويتم تجهيزها في براميل وتُباع لشركات الغذاء الكبرى متعددة الجنسيات». في بحث استغرق عامين في أربع قارات أُجريت مقابلات مع مزارعين وعلماء وتجار، وحتى عسكريين لتتبع أثر الطماطم التي تحرك 10 آلاف مليون دولار تغطي 160 دولة حول العالم.

ربما يبدو حقل من الطماطم في مرسية أو ألمرية، شمس، وثمار حمراء، مستديرة، ذات رائحة جميلة، لكن صناعة الطماطم المعلّبة أقل إغراءًا من ذلك، فهي ليست مجرد سحق كيلوات من الطماطم وحفظها في علب ببساطة. هناك عمليات إنتاج ضخمة في هذه الصناعة تتم في مصانع كبرى في شينجيانغ في أقصى غرب الصين، تحت سيطرة اليد العليا للجيش الشعبي. في بحث وتطوير الأغذية يمتد هذا التوت الأحمر، ويزن أكثر، وتصبح كثافته أعلى؛ لأنه يوزن بمحتوى أقل من الماء. ويشمل كل ذلك تعديله وراثيًا بهدف مضاعفة إنتاجه وإعداده للنقل إلى النصف الآخر من الكرة.

Embed from Getty Images

إذا كنت في السوق تبحث عن طماطم مناسبة للعصر، فصناعة الطماطم تفعل العكس. المصانع تقوم بعمليات تبخير لتحصل على معجون كثيف جدًا. وفقًا لماليت فإن الطماطم التي يتم تصنيعها تحتوي على 5-6% من المواد الجافة، و94-95% من الماء. المركزات المزدوجة هي عجائن يكون تركيز المواد الجافة والماء فيها أعلى من 28%. في المركزات الثلاثية تتجاوز النسبة 36%.

ينمو الطلب العالمي على هذا المنتج – الذي يمثل الرأسمالية العالمية – سنويًا بنسبة 3%. كلنا نحب الطماطم، لكن وراء صلصة الإسباجيتي أو الصلصة التي تزين البيتزا تقوم حرب تجارية ضروس. في بلد مثل الصين حيث لا يوجد للطماطم سوق محلية؛ نظرًا لدورها المحدود في النظام الغذائي الصيني، فقد بدأ غزوته بوحشية في التسعينات. لماذا؟ هذا سؤال يجيب عنه ماليت خلال الكتاب.

للحرب الجيوستراتيجية للذهب الأحمر دول عظمى، وليست كلها دولًا لها أعلام ومقاعد في الأمم المتحدة؛ إذ تمتلك المافيا الزراعية مخالب قوية أيضًا.

يقول ماليت: «إن هناك منتجات غذائية مثل زيت الزيتون والخضراوات والفواكه يجري تسويقها مختومة بالعلامة المرموقة: صنع في إيطاليا (Made in Italy)، والتي تخفي وراءها استغلالًا مهنيًا رهيبًا. وهي تؤثر على الإيطاليين تمامًا كما تؤثر على المهاجرين غير الشرعيين من جنوب الصحراء الكبرى في أفريقيا. وتسمى (caporalato) وهي آلية للاستيلاء غير المشروع على السوق. وعلى الرغم من مكافحة الدولة لها، فإن أكبر إنتاج لها في جنوب إيطاليا».

Embed from Getty Images

يسأل الصحافي: كيف لثمن صندوق من الطماطم أن يقطع 100 كيلومتر بين فودجا وساليرنو ويكون أرخص من مثيله الذي يعدّ في أحد مصانع إسبانيا الحديثة مثلًا. هناك خلل ما كما يؤكد. يقول ماليت: «على الصناعة والحكومة الإسبانية أن تدرس عن كثب تكاليف إنتاج الطماطم في إيطاليا؛ إذ إن المنافسة مع الإيطاليين تكون غير عادلة أحيانًا»، وفقًا لبياناته فإن ملايين العلب تكون مخرجًا مثاليًا لغسيل الأموال؛ لأن نقلها يكون بسيطًا، ويمكن بيعها بأقل من سعر التكلفة.

ويحذر ماليت «سمحت قوانين الاتحاد الأوروبي بوجود نظام أبواب في الداخل، حتى أن بعض الشركات في نابولي تسمح بدخول هذه المنتجات الصينية دون دفع الرسوم الجمركية، ويمكن إعادة تصديرها إلى دول مختلفة».

وحول الموضوع ذاته يضيف تقرير نشره موقع «elnacional» أنه وبينما كوّن الإيطاليون ثروات جراء شراء معجون الطماطم الصيني المركز، وإعادة تغليفه في إيطاليا، وتزيينه بملصقات ملونة لثمرات الطماطم الناضجة، فقد وجدت الشركات الإيطالية تدريجيًا منافسًا قويًا؛ استغنت الصين عن هذه الخطوة، والآن تتصدر هي صناعة الطماطم، وتتبعها بعدة خطوات إيطاليا؛ الأيدي العاملة رخيصة ومتوفرة، وقد وافقت عدة مؤسسات على تحديد السعر في السوق، وقد كشف ماليت أنها تقوم بإضافة مكونات إلى صلصة الطماطم لا تفصح عنها في الملصقات على المنتجات.

أفريقيا.. أرض النفايات

إن مواصلة قراءة كتاب إمبراطورية الذهب الأحمر تصور لنا كيف أننا نعيش في عالم من الجحيم؛ فما يؤكده ماليت هو أن الأوضاع في أوروبا – على علّاتها – أفضل حالًا منها في أفريقيا التي يكون من نصيبها أسوأ ما في صناعة الطماطم؛ إذ تصل إلينا المنتجات المصنوعة من قشور وبذور الطماطم، والمنتجات التي لا تكون تركيزاتها مطابقة للتشريعات الأوروبية، ولا يميزها بسبب ذلك اللون الأحمر؛ فغالبًا ما يميل لونها إلى السواد، وتُسمى «الحبر الاسود»، ولا تتجاوز نسبة الطماطم فيها 33%، إذا لم يكن أقل، وهذا ليس كل شيء؛ فهناك منتجات تصل ملوثة، أو منتهية الصلاحية. وهكذا تبدو المتاهة الحمراء لصناعة الطماطم.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد