وصل الاقتصاد فيما بعد الحرب الباردة إلى ذروة الاهتمام البشري؛ ذلك أنَّه كان الطريقة الوحيدة لفهم العالم، وما يحدث به من تغيرات. ولأنَّ الأشياء تتحدد قيمتها حسب الاحتياج البشري لها، تربع الاقتصاد على عرش العلوم الإنسانية.

مترجم: بينهم بيل جيتس و«رجال دافوس».. لماذا يريد الأثرياء إقناعك بانخفاض الفقر؟

لكن في مرحلة لاحقة، بداية القرن الحالي، اختلفت توجهات البشر، فرادى ودولًا، حتى صارت الحاجة إلى الاقتصاد أقرب إلى الحاجة إلى علوم السياسة، والأدب والاجتماع. تزامن هذا مع إخفاقات الاقتصاد المتكررة، وتوالي الأزمات الاقتصادية.

وفي هذا المقال الذي نشرته مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية، يرصد الصحافي والسياسي الهندي الأمريكي فريد زكريا صعود وهبوط الاقتصاد، كأحد أهم العلوم الاجتماعية.

الاقتصاد: الوصفة السرية لنهضة الأمم

يوضح زكريا أنَّه في عام 1998، عندما كانت الأزمة المالية الآسيوية تُدمر ما كان يعتبر من أسرع الاقتصادات نموًا في العالم، نشرت مجلة «نيويوركر» مقالًا يصف جهود الإنقاذ الدولية، ورسمت صورةً لدبلوماسي أمريكي كبير، ورجل صاحب فكرة عظيمة، والذي شبهه الاقتصاديون في الآونة الأخيرة بهنري كسنجر.

ذهبت نيويوركر أبعد من ذلك، مشيرةً إلى أنَّه عندما وصل هذا المسؤول الأمريكي إلى اليابان في يونيو (حزيران)، جرى التعامل معه «كما لو كان الجنرال دوجلاس ماكارثر»، رئيس الأركان السابق للجيش الأمريكي، صاحب الدور البارز في حرب المحيط الهادئ إبان الحرب العالمية الثانية. كان هذا الاحتفاء مفاجئًا، نظرًا لأنَّ الرجل المعني، وهو لاري سامرز، كان رجلًا فوضويًا غريبًا يعمل نائبًا لوزير الخزانة الأمريكية.

لاري سامرز

وبينما يرجع وضعه الاستثنائي جزئيًا إلى حقيقة أنَّ الولايات المتحدة كانت (ولا تزال) القوة العظمى الوحيدة في العالم، وأنَّ سامرز كان (وما زال) ذكيًا للغاية، لكنَّ السبب الأكبر لاستقبال سامرز بهذا الشكل بحسب زكريا كان التصور السائد حينها بأنَّ لديه معرفة خاصة من شأنها أن تنقذ آسيا من الانهيار، إذ كان سامرز اقتصاديًا.

ففي أثناء الحرب الباردة، كانت التوترات التي أعادت تعريف العالم أيديولوجية وجيوسياسية، ونتيجةً لذلك، كان الخبراء البارزون في تلك الحقبة من ذوي الخبرات الخاصة في تلك المجالات، وصانعو السياسة الذين يمكن أن يجمعوا بين فهم كليهما، أمثال كيسنجر، وجورج كينان، وزبجنيو بريجينسكي، الذين صعدوا إلى القمة، وحازوا إعجاب كلٍ من السياسيين والجمهور.

لكن بمجرد انتهاء الحرب، حسبما أوضح زكريا، بهتت أهمية القضايا الجيوسياسية والأيديولوجية، حيث طغت عليها الأسواق العالمية الآخذة في التوسع بسرعة، وانضمت الدول الاشتراكية سابقًا إلى نظام التجارة الحرة الغربي. وفجأة أصبح الاقتصاد هو المهارة الفكرية والخبرة العملية الأهم، وكان يُنظر إليه على أنَّ الوصفة السرية التي يمكن أن تصنع الأمم أو تقضي عليها وفقًا لوصف زكريا.

وفي 1999 بعد أن خمدت الأزمة الآسيوية، نشرت مجلة «تايم» قصةً مع صورة على غلافها لسامرز، ووزير الخزانة الأمريكي روبرت روبين، ورئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي آلان جرينسبان، تحت عنوان «لجنة إنقاذ العالم».

وفي العقود الثلاثة التي تلت نهاية الحرب الباردة، تمتع الاقتصاد بنوعٍ من الهيمنة الفكرية حسبما يرى زكريا، وأصبح الأول بين نظائره من العلوم الاجتماعية، وسيطر كذلك على معظم الأجندات السياسية.

وأصبح الاقتصاديون فيما بعد مبتغى التجار والحكومات والمجتمع بشكل كبير، فأصبحت آراؤهم مفيدة في كل مجالات الحياة، وأنتج الاقتصاد الشعبي والتفكير الاقتصادي نوعًا من الكتب الأكثر مبيعًا، ويعتبر أصل كل هذا التأثير فكرة أنَّ الاقتصاد يوفر أقوى عدسة يمكن من خلالها فهم العالم الحديث.

الأزمة المالية العالمية

لكن يوضح زكريا أنَّ هذه الهيمنة انتهت الآن، إذ بدأت الأمور تتغير خلال الأزمة المالية العالمية عام 2008، والتي كان لها تأثير أكبر بكثير على علم الاقتصاد أكثر مما هو مفهوم بشكل عام.

شارع وول ستريت في أمريكا وقت حدوث الكساد الكبير 1929

وكما أشار بول كروجمان في مقالٍ نُشر في صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية في سبتمبر (أيلول) 2009: «تنبأ قليلٌ من الاقتصاديين بأزمتنا الحالية، لكنَّ هذا الفشل التنبؤي كان أقل المشاكل. الأهم من ذلك كان عجز الاقتصاد نفسه عن تخيل إمكانية حدوث إخفاقاتٍ كارثية في اقتصاد السوق».

لم يكن كروجمان اليساري هو الشخص الوحيد الذي أبدى هذه الملاحظة بحسب زكريا، ففي أكتوبر (تشرين الأول) 2008، اعترف جرينسبان، والذي كان من المؤمنين بالتحررية الاقتصادية، أنَّ «الصرح الفكري بأكمله انهار في صيف العام الماضي».

رأى كروجمان أنَّ السبب واضح، وأن الاقتصاديين قد أخطأوا واعتبروا «الجمال البادي في الرياضات المبهرة حقيقة». بعبارة أخرى، كانوا قد وقعوا في حب الدقة الحسابية الوهمية، المستمدة من افتراض أنَّ الأسواق تعمل بشكل مثالي. لكن تبين أن العالم أكثر تعقيدًا، ولا يمكن التنبؤ به من خلال المعادلات.

وقد تكون أزمة عام 2008 بمثابة نداء استيقاظ، لكنَّها من وجهة نظره الكاتب كانت علامة التحذير الأخيرة. فالاقتصاد الحديث مبني على افتراضات معينة: تسعى الدول والشركات والأفراد إلى زيادة دخولها إلى أقصى حد ممكن، والبشر كائنات عقلانية، والنظام يعمل بكفاءة.

لكن على مدى العقود القليلة الماضية، بدأ علماء مثل دانيال كينيمان وريتشارد ثالر وروبرت شيلر عملًا دءوبًا لإظهار أنَّ البشر ليسوا عقلانيين بشكلٍ يُمكِّن من توقع تصرفاتهم، لكنَّهم في الواقع يتصرفون دون منطق. وبهذا وجهت هذه «الثورة السلوكية» ضربةً مدمرة للمفاهيم الاقتصادية الشائعة، محاججةً بأنَّه ربما لم يكن الافتراض الأساسي للنظرية الاقتصادية الحديثة خاطئًا فحسب، بل والأسوأ أنَّه غير مفيد.

وبحسب زكريا، من المفهوم في العلوم الاجتماعية عمومًا أنَّ الافتراضات النظرية لا تعكس الحقيقة بالضبط، وأنَّها أفكار تجريدية مصممة لتبسيطها، توفر طريقة قوية لفهمها والتنبؤ بها. لكن ما أظهره علماء الاقتصاد السلوكي هو أنَّ افتراض العقلانية يؤدي في الواقع إلى سوء الفهم والتنبؤات السيئة.

ومن الجدير بالذكر أنَّ أحد الاقتصاديين القلائل الذين توقعوا فقاعة الدوت كوم التي تسببت في انهيار عام 2000، وفقاعة الإسكان التي تسببت في انهيار عام 2008، كان شيلر الذي فاز بجائزة نوبل في عام 2013 لإنجازه في مجال الاقتصاد السلوكي.

هذه الأحداث الأخيرة وفقًا لزكريا أدت إلى دق المزيد من المسامير في نعش الاقتصاد التقليدي. فإذا كانت الانقسامات الكبيرة في السياسات العالمية في القرن العشرين تتعلق بالأسواق الحرة، فإنَّ الانشقاقات الرئيسة التي ظهرت في السنوات القليلة الماضية تدور حول الهجرة والعرق والدين والجنس، ومجموعة كاملة من القضايا الثقافية وقضايا الهوية ذات الصلة.

وبينما كان يمكن للمرء في الماضي أن يتنبأ باختيارات الناخبين على أساس وضعهم الاقتصادي، فناخبو اليوم مدفوعون بالقلق من الوضع الاجتماعي أو التماسك الثقافي أكثر من الاهتمام بالمصلحة الاقتصادية الذاتية.

الانتخابات الأمريكية 2016

عالم جديد

يتساءل ذكريا، إذا فشل الاقتصاد في تحديد دوافع الفرد الحديث بدقة، فماذا عن الدول الحديثة؟

ويجيب بأنَّه في هذه الأيام، لا يبدو السعي إلى تحقيق أكبر قدر من الربح طريقة مفيدة لفهم سلوك الدول وكيف تعمل. فمثلًا، لدى العديد من الدول الأوروبية إنتاجية عمل أعلى من الولايات المتحدة، ومع ذلك، يختار المواطنون العمل لساعاتٍ أقل وأخذ عطلاتٍ أطول، وتقليل الإنتاج، لأنَّهم حسبما يجادلون يعطون الأولوية للرضا أو السعادة على الناتج الاقتصادي.

وقررت مملكة بوتان صراحةًَ أن تسعى لرفع «إجمالي السعادة الوطنية» بدلًا عن إجمالي الناتج المحلي، واستبدلت العديد من الدول الأهداف الموجهة نحو إجمالي الناتج المحلي باتباع استراتيجيات تشدد أيضًا على الاستدامة البيئية.

محتجون يرفعون لافتات تضامنية مع الفقراء في شارع وول ستريت – أمريكا – 18 مارس (آذار) 2019

ولا تزال الصين تضع النمو الاقتصادي في صميم خططها، لكن لديها أولويات أخرى متساوية في الأهمية، مثل الحفاظ على احتكار الحزب الشيوعي للسلطة، وتستخدم في هذا آليات السوق غير الحرة. وفي الوقت نفسه، يضع الشعبويون في كل مكان الآن قيمةً أكبر للحفاظ على الوظائف أكثر من زيادة الكفاءة.

يعود زكريا ويقول: «إنَّ الاقتصاد ما زال يمثل علمًا حيويًا، وواحدًا من أقوى السبل لفهم العالم. لكن في أيام العولمة التي عمت ما بعد الحرب الباردة، عندما بدا أنَّ شؤون الأسواق والتجارة وخلق الثروات تهيمن على العالم، أصبح الاقتصاد هو النظام المسيطر والمفتاح الوحيد لفهم الحياة الحديثة. ومنذ ذلك الحين انحدر الاقتصاد من هذه المكانة، ببساطة لأنَّ العالم فوضوي».

إذ تختلف العلوم الاجتماعية عن العلوم المادية؛ لأنَّ «موضوع دراستها يمتلك عقلًا ويفكر»، كما يقول هيربرت سيمون، أحد العلماء القلائل الذين تفوقوا في كليهما.

وبينما نحاول فهم العالم خلال العقود الثلاثة القادمة، يرى زكريا أنَّنا سنحتاج بشدة إلى الاقتصاد، وأيضًا العلوم السياسية، وعلم الاجتماع، وعلم النفس، وربما حتى الأدب والفلسفة. لكن لا بد أن يتحلى الطلاب في كل هذه المجالات ببعض التواضع، لأنَّه كما قال إيمانويل كانت: «من عود البشرية الأعوج، لم يُصنع شيءٌ مستقيم أبدًا».

«بلومبرج»: كيف تتحول أمريكا اقتصاديًا إلى دولة نامية؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد