كاد أنجح تحالف للمتمردين في سوريا أن يتفكك. خلال فصلي الربيع والصيف من هذا العام، سجل ائتلاف من جماعات المتمردين الإسلاميين المعروف باسم جيش الفاتح سلسلة من الانتصارات المثيرة على نظام بشار الأسد في شمال غرب سوريا. ولكن في الأسابيع القليلة الماضية، عندما أعلن جيش الفاتح بدء شن هجوم جديد كبير، قامت إحدى أكثر الفصائل المتشددة المنضوية تحت لوائه، جند الأقصى، بإعلان انسحابها من الائتلاف. يظهر الزلزال الذي أعقب انسحاب جند الأقصى، الجناح شديد التطرف المنشق عن فرع القاعدة في سوريا، جبهة النصرة، الانقسامات المستمرة وربما غير القابلة للحل بين المتمردين في سوريا. والإعلان من جانب المتمردين الأسبوع الماضي أن جماعة جند الأقصى قد تنضم مجددًا إلى جيش الفتح لا يعني انتهاء هذه الانقسامات.

 

شكل المتمردون الشماليون غرف عمليات تابعة لجيش الفتح، نوع من خلية التنسيق، في مارس 2015 بهدف الاستيلاء على مدينة إدلب، عاصمة محافظة إدلب شمال غرب سوريا. يرتكز التحالف على جبهة النصرة والمتمردين السلفيين في تجمع أحرار الشام، ولكنه يشمل أيضًا خمسة فصائل أصغر تتراوح بين ألوية أقل أيديولوجية وصولاً إلى جند الأقصى. وبفضل التنسيق والدعم السخي من المملكة العربية السعودية وتركيا وقطر، لم يستطع جيش الفتح فقط الاستيلاء على إدلب في أيام قليلة في الربيع الماضي، ولكن سيطر أيضًا على سلسلة من القواعد العسكرية الرئيسية التابعة للنظام وطرد النظام بالكامل تقريبًا من المحافظة. وخلال أسابيع، حقق جيش الفتح ما يكفي من تقدم بما يجعله يشكل خطرًا حقيقيًا على معاقل النظام في وسط وساحل سوريا.

 

في الشهر الماضي، وعلى الرغم من دعم روسيا المضاد المستمر للنظام الذي يبدو أنه قد استهدف بشكل كبير جيش الفتح، بدلًا من الدولة الإسلامية مثلما ادعت موسكو في البداية، أعلن تحالف المتمردين أنه سيشن هجومًا جديدًا للسيطرة على محافظة حماة الواقعة في وسط سوريا. ولكن بعد أقل من أسبوعين، أعلنت جماعة جند الاقصى انسحابها من الائتلاف بصورة مثيرة للجدل، ولم يقتصر الأمر على انسحابها فقط، بل امتد إلى حد اتهامها بعض حلفائها السابقين بالردة. وقد سرت شائعات بأن جبهة النصرة، إحدى المجموعتين الأساسيتين في جيش الفتح، قد علقت أيضًا دورها في الائتلاف.

 

قالت جماعة جند الأقصى إن سبب انسحابها من جيش الفتح هو قيام بعض أعضاء التحالف باتخاذ ما وصفته بمواقف سياسية غير إسلامية وبسبب “الضغط المستمر” من جماعة أحرار الشام تحديدًا لمحاربة الدولة الإسلامية. وقالت الجماعة إنها ستعاود الانضمام إلى جيش الفتح بعد تحقيق مطالبها الصعبة، بما في ذلك أن يعلن التحالف الحرب على روسيا وأمريكا ويلتزم بالشريعة الإسلامية. (هذا على الرغم من حقيقة أن جيش الفتح يدير مدينة إدلب وفقًا لأحكام الشريعة الإسلامية).

 

تبدو شكاوى جند الأقصى بأن أعضاء جيش الفتح وقد دعموا “مشاريع تتعارض مع الشريعة الإسلامية” قد تهدف في جانب كبير منها حركة أحرار الشام. فقد تطورت الجماعة المتمردة الإسلامية الأخيرة مؤخرًا من فصيل جهادي تقليدي إلى شيء أكثر تطورًا وترغب في المشاركة السياسية. ولكن أثارت بعض من انتصاراتها انتقادات العناصر الجهادية الأكثر تشددًا. من المؤكد أن تجمع أحرار الشام قد أدرك أنه كان هدفًا لانتقادات جند الأقصى، وقد أصدر اثنان من كبار قادة الأحرار ردودًا شديدة اللهجة.

 

ولكن أيًا كانت المظالم السياسية التي تتحجج بها جند الأقصى، فإن السبب الرئيسي لانسحابها يبدو أنه هو رفضها محاربة الدولة الإسلامية. إن أي هجوم سيشنه جيش الفتح جنوبًا إلى حماة سيضعه في نهاية المطاف وجهًا لوجه مع الدولة الإسلامية. وقد توعد جيش الفتح في بيانه الخاص بإعلان بدء الهجوم على حماة بمحاربة أي قوة عسكرية تقف في طريقه، بما في ذلك الدولة الإسلامية. وعلى الرغم من أن جند الأقصى تعتبر “خلافة” الدولة الإسلامية باطلة وأدانت التجاوزات المتطرفة، فقد قالت فقط إن صد عدوان الدولة الإسلامية “في المناطق التي نسيطر عليها” كان مشروعًا. بدلاً من ذلك، اقترحت هدنة غير متوقعة بين الدولة الإسلامية وألوية إسلامية الأخرى في سوريا.

باستثناء الدولة الإسلامية، تعتبر جماعة جند الأقصى على الأرجح الأكثر تطرفا من طيف المتمردين الجهاديين في سوريا. وقد أثارت الجدل باستمرار، حيث يُتهم مقاتلوها بأنهم من أكثر المتعاطفين مع الدولة الإسلامية من بين المتمردين السوريين الآخرين. وفي رده على انسحاب جند الأقصى، قال المسؤول الشرعي العام لأحرار الشام بأن أعضاء جند الأقصى ما زالوا متعاطفين مع “إخوتهم” في الدولة الإسلامية، وأنهم مازالوا يؤوون مقاتليها. وقد رجم عناصر من جند الأقصى امرأة متهمة “بالزنا”، وساعدت جبهة النصرة في تفكيك ألوية مختلفة للمتمردين ينظر إليها على أنها مدعومة من الغرب، بل وحتى شاركت في اغتيال قائد فصيل آخر في جيش الفتح.

 

إلا أن جماعة جند الأقصى ليست وحدها، وأعضاءها ليسوا الجهاديين الوحيدين في سوريا المنزعجين من قتال الدولة الإسلامية. في هذا السياق، ربما يكون تحالف جيش الفتح نوعًا من التحالف الجغرافي بدلاً من تحالف قائم على الأيديولوجيا. وفي وقت سابق من هذا العام، كان لدى المتمردين في شمال سوريا جبهة واحدة فقط نشطة ضد الدولة الإسلامية في ريف حلب الشمالي. وفي كل الجبهات الأخرى، واجهوا النظام وحلفائها، بما في ذلك حزب الله والميليشيات الشيعية المدعومة من إيران. وفي غرب حلب، كان من الممكن تأجيل مسألة ما إذا كان ممكنًا وكيفية محاربة الدولة الإسلامية في مصلحة مشروع مثل جيش الفتح بما قد يوحد المتمردين ذوي الخلفية الجهادية. ولكن نجاح التحالف نفسه جعل من هذا أمرًا لا يمكن الدفاع عنه: فكلما تقدم، سيضطر في نهاية المطاف إلى مواجهة الدولة الإسلامية وستنكشف هذه التناقضات الداخلية.

 

نسبت نجاحات جيش الفتح في جزء كبير منها إلى التقارب الجديد بين المملكة العربية السعودية وتركيا وقطر. ولكن حتى الدعم الخارجي الكبير وزخم المعركة قد يفضي فقط إلى تماسك المتمردين الجهاديين الأكثر انتشارًا في سوريا مثل جند الأقصى وجبهة النصرة. لكن القوى الإقليمية تنفق الكثير من الجهد والموارد لجمع الفصائل المتنوعة فكريًا، وهؤلاء العملاء لهم أجنداتهم الخاصة في نهاية المطاف والتي ربما لا يمكن التوفيق بينها.

 

لن يصلح إعادة انضمام جند الأقصى إلى جيش الفتح ذلك بطريقة ما. وكجزء من الاتفاق الذي سيعيد جند الأقصى إلى التحالف مرة أخرى، يقال إن تحالف المتمردين بصدد إصدار نوع الميثاق الإسلامي الذي طالب به المتشددون. ولن يوفق ميثاق مصمم وفقًا لوجهة نظر جماعة جند الأقصى المتطرفة بين سياسات هذه الفصائل. ما يمكن أن يسببه ذلك هو النجاح في جعل أكثر أعضاء جيش الفتح الرئيسيين يبدون متطرفين أكثر أمام المجتمع الدولي، وبالتالي تخريب محاولاتهم في التواصل الدبلوماسي.
إن وحدة جيش الفتح لا يبدو أنه يمكن الدفاع عنها على المدى الطويل. فالقوى التي تفرق بين المتمردين والجهاديين في سوريا، من الأيديولوجيا وصولاً إلى المال والمصالح الشخصية، لا تزال فعالة، حتى في وجود مثل هذا التحالف النجاح. ومهما كانت الجهود المبذولة من قبل دول المنطقة والمتمردين أنفسهم، فقد لا يكون هناك شيء يمكن أن يبقي على تحالف هؤلاء المتمردين معًا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد