مولود مدي 45
مولود مدي 45

1,314

أعدّ الصحافي «جيمس غرانت» تقريرًا نشره في مجلّة «ناشيونال إنترست» الأمريكية يتنبأ فيه بقرب نهاية الأحادية القطبية في مجال النفط الذي يقوده البترودلار، ويرى أن النهاية ستكون على يد الصين، وذلك بإقحام عملة اليوان في التعاملات النفطية الدولية.

في خطوة قد تؤدي إلى تغيرات هائلة في لعبة النفط العالمية، ستكشف بورصة شنغهاي الدولية للطاقة قريبًا عن عقد نفطي مستقبلي مقوّم باليوان الصيني، بدلًا عن الدولار الأمريكي (رمز المنتج: SC). ويحذر الخبراء من أن النفوذ المتنامي للعملة الصينية في الأسواق المالية الدولية قد يؤدي إلى تآكل أولوية الدولار الأمريكي، وهو اتجاه اقتصادي طويل الأجل من شأنه أن يزعج واشنطن.

«بلومبرج»: لماذا يريد العالم أن تقف الهند في مواجهة الصين؟ وهل يمكنها ذلك؟

وقد أجرت شركة «شنغهاي إنترناشيونال إنيرجي إكستشانج» تدريبات نهائية لاختبار التداول والتسوية ونقل الأسعار في ديسمبر (كانون الأول) المقبل. وأعلنت هيئة الأوراق المالية والتنظيم الصينية أن العقود الآجلة للنفط الخام انطلقت في 26 مارس (آذار) الماضي.

المعيار الجديد مهم جدًا؛ لأنه يتحدى بشكل مباشر خطة التسعير التي يهيمن عليها الدولار في أسواق النفط الخام – المعروفة باسم نظام البترودولار – والتي تساعد على تعزيز وضع الدولار كعملة احتياطية دولية. يعود هذا الترتيب إلى عام 1974، عندما وافقت المملكة العربية السعودية وموردو النفط الإقليميون الآخرون على قبول الدولار الأمريكي حصرًا لمبيعات النفط، مقابل مساعدات ومعدات عسكرية أمريكية متواصلة، وربما الأهم من ذلك استثمار عائدات النفط في سندات الخزانة الأمريكية.

هذه العملية، التي يشار إليها في كثير من الأحيان باسم «إعادة تدوير البترودولار»، هي ميزة رابحة لجميع المعنيين: تتمتع الدول الغنية بالنفط بمكان آمن لتخزين أرباحها النفطية، وتكسب الولايات المتحدة مصدرًا رئيسًا لتمويل إنفاقها على العجز. مع استثناءات قليلة، يجب على أية دولة ترغب في شراء النفط الحصول أولًا على الدولار الأمريكي؛ مما يخلق طلبًا كبيرًا على العملة في الأسواق الدولية. وبالتالي يلعب الدولار البترولي أيضًا دورًا مهمًا في توليد الثقة العالمية بالدولار. وفي أسواق العملات، الثقة هي الملك.

إن التسعير والتداول الواسع للنفط الخام في اليوان، أو اليوان ذاته، سيهزان هذه الثقة العالمية، ويخدمان في نفس الوقت عددًا من الأغراض الاستراتيجية للجمهورية الشعبية. لطالما سعت الحكومة الصينية إلى تدويل اليوان، المعروف أيضًا باسم اليوان، لتعزيز قوتها الاقتصادية وخفض اعتمادها على الدولار. وباعتبارها أكبر مستورد للنفط الخام في العالم والمصدر الرئيس لرأس المال الاستثماري للدول المنتجة للنفط، فإن الصين ستستفيد بشكل طبيعي من استخدام عملتها الخاصة بها على حساب منافس جيو-سياسي.

بيد أن الحزب الشيوعي الصيني يفهم أن العملة القوية هي سيف ذو حدين بالنسبة لأكبر اقتصاد قائم على التصدير في العالم. في الواقع، تم اتهام الصين من قبل الكثيرين في المجتمع الدولي – بما في ذلك الرئيس ترامب – بالتلاعب بالعملة، أو السياسة الاقتصادية الخاصة بتخفيض قيمة اليوان للحصول على ميزات تجارية. وفي حين أن القضية الخاصة بهذا التلاعب كانت واضحة قبل عقد من الزمان، إلا أن البيانات الأخيرة تكشف بشكل مقنع أن الصين سمحت لليوان ببطء، ولكن – بالتأكيد – بالتعويل على القيمة.

دروس للديكتاتور المبتدئ.. كيف خطط الرئيس الصيني للبقاء في الحكم مدى الحياة؟

ومع استمرار الصين في اتباع سياسة خارجية حازمة في ظل رئيسها القوي، شي جين بينغ، فمن المؤكد أن تأثير اليوان الإقليمي سيتبعه. وستعمل مبادرة طريق الحزام الواحد في بكين الطموحة – التي تسعى إلى إنشاء شبكات تجارية عبر القارة الأوراسية والشرق الأوسط – على تنشيط مسيرة اليوان نحو التدويل. ويمكن للصين أيضًا أن تستخدم نفوذها على المصدرين الرئيسين للنفط لإجبار المصدّرين الرئيسين للنفط على تبني الرنمينبي (RMB) في تجارة الطاقة.

 شهد منتجو الشرق الأوسط، مثل: السعودية، والإمارات العربية المتحدة، انخفاض حصتهم في السوق من النفط الصخري في الولايات المتحدة، وهم يائسون للوصول إلى سوق الطاقة الأكثر ديناميكية في العالم. علاوة على ذلك فإن استمرار أسعار النفط المنخفضة قد يترك لهم القليل من الخيارات، إذا أصرت بكين على تسوية عقودها النفطية باليوان.

إذًا فهل يشكل معيار الصين الجديد تهديدًا حقيقيًا لهيمنة نفط الدولار؟ ليس بعد. لن يتخلى الدولار عن هيمنته في أسواق النفط في أي وقت قريب، خاصة مع وصول إنتاج النفط الخام الأمريكي إلى أعلى مستوياته على الإطلاق. حتى أن قرار السعودية بالتعامل في تجارة النفط باليوان لن يكون كافيًا لإفلاس البترودولار. إن ميل بكين إلى التدخل في السوق والقيود الصارمة على رأس المال يجعل اليوان خيارًا أقل جاذبية من العملة الخضراء لمنتجي الطاقة الأجانب. وبدلًا عن ذلك فمن المرجح أن تبني الصين الثقة في اليوان تدريجيًا، من خلال النمو الاقتصادي المطرد، والمشاركة الأجنبية الاستباقية، والتحرير الحتمي لسياستها النقدية.

وهذا بدوره يمكن أن يشير إلى وجود مشكلة بالنسبة للبترودولار في المستقبل. بعد كل شيء قد يبدو الدولار الأمريكي غير قابل للإصلاح الآن، ولكن كما يقول المثل الصيني: «الحجر الذي يتقاطر عليه الماء يُثقب».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

تعليقات الفيسبوك