“ليس بيدنا ما نفعله”. عادة ما ينطق الأطباء هذه الكلمات قبل أن ينقلوا المريض إلى الرعاية التلطيفية، ولا تمضي سوى أيام، إن لم يكن ساعات قبل وفاة الشخص. هذه الكلمات لا تترك مجالاً لأي أمل، فهي تجعل من العناية التلطيفية بديلاً مخيفًا ومصيرًا أخيرًا عادة ما يجري تجنبه.

ولكن الحقيقة هي أنه يمكن عمل المزيد دومًا. والأهم من ذلك، أن المرضى يعرفون بالضبط “المزيد” الذي يريدونه. السؤال الحقيقي هو: لمَ لا نسألهم؟

“إذا كان لدي عصا سحرية، فما الذي تتمناه اليوم؟” هذا سؤال أطرحه على مرضاي الذين يجري نقلهم إلى العناية التلطيفية.

لم يطلب مني أحدهم أن أتخلص منه بسبب مرضه. بدلاً من ذلك، لقد تلقيت إجابات فورية مثل “أذهب عني القلق” و”دعني أسافر لأرى عائلتي” و”دعني أعود إلى البيت وأجلس في حديقتي”.

هناك أشياء ما ينفك الناس عن قولها عندما تمنح لهم الفرصة للإجابة. عندئذٍ، يكون الاختبار الحقيقي للأطباء هو الاستعداد لمواجهة تحدي اكتشاف أمنيات المرضى الحقيقية، وتحقيقها بما قد يتجاوز أحيانًا قدراتنا المهنية.

في بعض الأحيان، تقف الاحترافية المهنية للفريق المعالج في طريق تحقيق أمنيات المريض. المريضة التي علمتني ذلك كانت في الـ57 من العمر ومصابة بمجموعة مرعبة من الأمراض، التي أوقفت رئتيها عن العمل.

عندما التقيتها أول مرة، كانت على جهاز التنفس الاصطناعي في غرفة العناية المركزة، وذلك لإبقائها على قيد الحياة. والتخدير اللازم لجعل وسيلة حفاظ على الحياة كهذه يمكن تحملها يدخل المرضى في حالة غياب للوعي. أما هذه السيدة، فقد كانت تجلس معتدلة في سريرها، وجرى وصلها بالأنابيب من كل مكان تقريبًا، إلا أنها وجدت طرقًا لوضع حاسوب محمول وكتيبات وألوان لا تحصى حتى تظل على اتصال دائم مع العائلة والأصدقاء.

وقد كانت على دراية تامة من أنها لن تخرج من المستشفى حية. لكنها كانت على دراية أيضًا أن عائلتها المفككة لم تكن مستعدة بعد لفقدانها.

“أريد أن تعرف عائلتي أنني في سلام” كتبت في إحدى مذكراتها ردًّا على سؤالٍ لي.

يفترض معظم الأطباء أن دعم الحياة هو مستوى غير مريح من التدخل الطبي لن يختاره أحد إذا ما علموا أنه لا سبيل للبقاء على قيد الحياة وأن الموت المحقق في المستشفى هو مستقبلهم الوحيد. تحدت تلك السيدة هذا الأمر، ليس لأنها ظنت أنها ستغادر المستشفى أو وحدة العناية المركزة، ولكن لأنها تحدت افتراضات الجميع بأن الحياة ستكون مزعجة للغاية ومؤلمة بشكل يجعلها تستحق العيش بالمطلق. وقد أظهرت الامتنان.

لعدة أيام، اشتكت السيدة من اضطرابات في المعدة. كانت تتغذى عبر الأنبوب الواصل من أنفها إلى داخل معدتها، لذا فهي لم تكن قادرة على تذوق الطعام لعدة أيام. وعندما مررت عليها، تناولت مذكراتها وقلمًا وكتبت “لقد تقيأت كثيرًا جدًّا ليلة أمس”. لا بد أن هذا هو أحد أسوأ ما يمكن أن يحدث لشخص واعٍ على جهاز التنفس الاصطناعي يعجز عن التقيؤ بشكل عادي بسبب الأنبوب الواصل إلى الحنجرة. لكنها واصلت الكتابة “لكن معدتي أفضل بكثير”. وأردفت “بعد أن استحممت، وغيروا ملابسي وملاءات فراشي، غسلت أسناني!” ثم كشفت عن أسنانها البيضاء اللامعة كهرّ تشيشاير. لقد كانت المرة الأولى التي يُسمح لها فيها بفعل ذلك منذ أن جرى وصلها بالأنابيب. قالت “لقد بدا ذلك جيدًا، وأتطلع إلى تكرار الأمر الليلة!” فقلت ضاحكًا: “أجل، ولكن هذه المرة بلا تقيؤ، اتفقنا؟”.

وبما يشبه المعجزة، تمكنت السيدة من نزع جهاز التنفس الاصطناعي بعدها بأيام قليلة، مما وضعها في وضع نادر للإجابة عن أسئلة عن الرعاية التي تتلقاها.

“إذا ضعفت رئتيكِ ثانية، فهل ترغبين بإعادة تركيب الأنبوب وأن يتم إعادتك على جهاز التنفس الاصطناعي؟” سألتها. فردت: “إذا كان هذا ما سيبقيني على قيد الحياة، ليكن. لست مستعدة بعد للموت إن لم أكن مضطرة لذلك”. كنت لأشعر بالصدمة لو أنها أعطتني إجابة غير ذلك. ثم علمت سريعًا أن الأطباء الآخرين لا يتفقون معي في الرأي.

“المعذرة؟ أتخبرني أنها تريد إعادة توصيل الأنبوب؟” سأل الطبيب الملازم لتلك السيدة. “لا أعرف كيف يكون هذا علاجًا تلطيفيًّا؟ فهي لن تغادر المستشفى أبدًا”.

عندما تصبح وسائل دعم الحياة المتقدمة مريحة، فأين نرسم الحد؟ بناءً على ما تعلمته من تلك السيدة، أقول إن العلاج التلطيفي يبدأ بإزالة الحد.

وعندما مررت عليها في الصباح التالي، كان قد جرى تركيب الأنبوب لها. تناولت على الفور مذكرة وقلمًا وكتبت “لا زلت متمسكة بالحياة”. فقلت: “أعرف ذلك”.

سألتها إن كان بوسعي فعل أي شيء لها، فقالت: “تضرّع من أجلي”. فقلت: “يمكنني فعل ذلك”.

لقد واصلت العمل دون كلل حتى تلملم شمل عائلتها الممزقة. لقد عملت بالتحديد على ضمان أن تكون وفاتها سببًا لتوحد كل من أحبتهم بشدة.

لقد ماتت بقدر ما عاشت، فقد عاشت كل لحظة كما يجب، وهي ممتنة على ما تمتلكه. ولعل الاختيار بين الاستمرار في العلاج “الشافي” بلا أمل في الشفاء، وإعادة توجيه الرعاية الصحية لتحقيق آمال ما يجعل الحياة تستحق أن تعاش ليس أكثر تعقيدًا من مجرد دعوة الناس إلى تمني أمنية.

بالنسبة للبعض، مثل والدي، فإنه قد يعني أن تحيط به أصوات مطمئنة من المنزل مثل خرخرة قطته، وأزيز أجنحة الطائر الطنان خارج النافذة وشخير زوجته لأنها تنام إلى جانبه. وبالنسبة لآخرين، فإنه قد يعني أن تترك على جهاز التنفس الصناعي حتى يتمكنوا من الانتهاء من وداع أحبائهم.
المرة الوحيدة التي لا يتاح فيها أمام الأطباء سوى قول “ليس بيدنا ما نفعله” هي عندما يفشلون في التواصل مع مرضاهم.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد