تقول شانون هول في مستهل مقالها الذي قامت بنشره في صحيفة «نيويورك تايمز» أن الجانب البعيد من القمر، والذي لا نراه أبدًا من كوكب الأرض، يحتوي على أسرار عن الأيام الأولى لنظامنا الشمسي، ومن الممكن أن يساعد علماء الفلك على التعرف على كوننا بوضوح أكبر.

تمكن المسبار الصيني «تشانج آه 4» من إنهاء رحلته الفضائية بنجاح وهبط بسلام في مكان لم تلمسه أي مركبة فضائية من قبل الجانب البعيد من القمر.

عن ذلك يقول عالم الكواكب في جامعة براون جيمس هيد: «هذه خطوة تاريخية في الاستكشاف العلمي العالمي للقمر؛ مما يفتح أمامنا المجال للتعرف على الجانب البعيد من القمر واستكشاف سطحه للمرة الأولى».

تقول الكاتبة إنه إذا نجحت هذه البعثة فسنتمكن من الحصول على إجابات لبعض الأسئلة الجوهرية عن القمر الوحيد لكوكب الأرض. فلا تزال أمامنا الكثير من الأسرار حول تشكل القمر وتطوره البكر على سبيل المثال، وكشفنا لهذه الأسرار هو مفتاح معرفة تاريخ النظام الشمسي بأكمله.

بالإضافة لذلك ستقوم هذه البعثة بإجراء أول تجارب علم الفلك الراديوي من الجانب البعيد من القمر، بالإضافة إلى استكشاف ما إذا كانت النباتات يمكن أن تنمو على سطح القمر، وهذه خطوة حاسمة بخصوص البعثات المأهولة طويلة الأمد خارج كوكب الأرض.

القمر قد يصبح قريبًا دولة مستقلة! من يسيطر على ثروات الفضاء؟

جانبا القمر

إذا قمت بتتبع القمر ومشاهدته على مدى شهر كامل فإن «وجه الرجل» الذي يظهر على القمر ستراه كل يوم. بالرغم من تعدد أطوار القمر، إلا أن وجه الرجل ذلك يبقى موجودًا ينظر إلينا من الفضاء كل يوم. السبب في ذلك هو أن القمر منغلق مداريًا مع الأرض؛ حيث إن القمر يكمل دورة حول نفسه في كل مرة يكمل فيها دورته حول الأرض؛ مما يجعل نصفه الذي نعرفه مواجهًا للأرض طوال الوقت.

يشير علماء الفلك إلى الجانب الذي نراه دائمًاً من الأرض باسم «الجانب القريب»، والجانب الذي لا يمكننا رؤيته أبدًا باسم «الجانب البعيد».

جانب بعيد وليس جانب مظلم

في حين أن الجانب البعيد من القمر لا يمكن رؤيته من الأرض إلى أنه مضيء نتيجة لسقوط أشعة الشمس عليه، وهو كذلك يمر بنفس الأطوار التي يمر بها الجانب القريب. أي أنه ليس هناك «جانب مظلم» دائماً من القمر، وإنما هذا التعبير تم استخدامه في الثقافة الشعبية للإشارة إلى الجانب المجهول من القمر.  

فيضان في قديم الزمان

عندما عادت المركبة الفضائية السوفيتية «لونا 3» بالصور الأولى للجانب البعيد من القمر في عام 1959 كشفت عن عالم بدا مختلفًا تمامًا عن ذلك الذي نراه.

يبدوه وجه «رجل القمر» في الجانب القريب ملحوظًا جدًا لأنه يتكون من مناطق مظلمة تبرز في وسط تربة الأرض القمرية فاتحة اللون. هذه المناطق المظلمة تكونت عندما ضربت الكويكبات سطح القمر في قديم الزمان، وأدى ذلك إلى انطلاق فيضان من الحمم البركانية؛ مما أدى إلى إظلام أجزاء من واجهة القمر.

لكن عندما ضربت تلك الكويكبات الجانب البعيد من القمر لم ينتج عنها فيضانات من الحمم البركانية، وكل ما خلفته هو سطح مملوء بالفوهات؛ مما يجعل الجانب البعيد من القمر أكثر إضاءة من الجانب القريب.

يعتقد بعض العلماء أن هذا الاختلاف بين نصفي القمر يعود إلى أن القشرة السطحية الخاصة بالجزء القريب أنحف بكثير من القشرة السطحية الخاصة بالجزء البعيد. وهذا من شأنه أن يسهل خروج الحمم البركانية من الجانب القريب، هذا ما وضحه الدكتور بريوني هورجان عالم الكواكب في جامعة بوردو. أما السبب في اختلاف سمك القشرة السطحية اختلافًا كبيرًا بين نصفي القمر، فيبقى لغزًا لا نعرف له تفسيرًا، ويأمل الدكتور هورجان في أن يقدم لنا المسبار «تشانج آه 4» تفسيرًا لذلك.

كنز دفين بعيد عن أعيننا

تقول شانون إن التاريخ المبكر لنظامنا الشمسي كان مليئًا بالعنف؛ إذ اصطدمت كثير من الأجسام الضخمة – الكويكبات والمذنبات – بالكواكب الصخرية مخلفةً وراءها حفرًاً بعضها يتجاوز قطرها 600 ميل.

لكن معظم الأدلة على ذلك الماضي العنيف قد اختفت ومحاها الزمن. فعلى الأرض والكواكب الصخرية الأخرى قامت البراكين بإزالة تلك الفوهات على مدى مليارات السنين.

أما الجانب البعيد من القمر فقد احتفظ بسجل ناصع لأيام شبابه، وخاصة عدد المرات التي صدمت فيها الأجسام الضخمة سطحه. وعن ذلك يقول الدكتور هورجان: «إن التاريخ المبكر لنظامنا الشمسي محفوظ في صخور الجانب البعيد من القمر».

الهبوط على الجانب البعيد من القمر سيجعلنا نرى الكون بطريقة جديدة

أي هوائي راديو يُستخدم يكشف عن سمفونية ضوضاء غريبة تنبعث من الهواتف الجوالة ومحطات التلفاز وخطوط الكهرباء والأسيجة الكهربية والأضواء الكثيرة والأقمار الصناعية لنظام تحديد المواقع العالمي (GPS) والسيارات و«الواي فاي» وأجهزة الراديو، وهذ كله على سبيل المثال لا للحصر.

لهذا السبب لطالما حلم علماء الفلك ببناء تلسكوب راديوي على الجانب البعيد من القمر.

يقول الدكتور هورجان: «نحن نستخدم الأطوال الموجية الراديوية لاكتشاف كل شيء من الثقوب السوداء القريبة منا إلى المجرات البعيدة، لذلك فإن وجود مرصد راديوي على الجانب البعيد من القمر سيحقق اختراقًا كبيرًاً في علم الفلك». ويضيف: «ستكون بعثة «تشانج آه 4» هي أول بعثة تختبر هذه النظرية لرؤية إلى أي مدى سيكون الجانب البعيد من القمر أفضل للرصد الراديوي من مراصدنا الموجودة على سطح الأرض».

إن المرصد القمري المستقبلي – إذا سار الأمر على النحو المنشود – يمكن أن يحسن من دراسة ظواهر مثل الغيوم البدائية لغاز الهيدروجين التي اندمجت معًا مكونة أول نجوم الكون.

ويقول هاينو فالكه عالم الفلك الراديوي في جامعة رادبود نايميخن الهولندية: «سنتمكن من الاستماع إلى الصدى البعيد للانفجار الكبير، وسنرى الكون في حالته الأولى قبل تكون أول النجوم».

تشير الكاتبة إلى أن هذه الإشارة ستتيح لعلماء الفلك استكشاف التطور المبكر للكون. وأشار الدكتور فالكه إلى الخريطة الحرارية الشهيرة للكون والتي ظهرت بعد الانفجار الكبير بـ370 ألف سنة فقط، والتي تعرف كذلك بالخلفية المكروية الكونية، حيث وصفها بأنها «مجرد صورة صغيرة»، لكن من الجانب البعيد من القمر قد يكون من الممكن «رؤية فيلم عن تطور الكون من طفل صغير إلى شخص بالغ».

الجانب البعيد من القمر ونمو النباتات

كما تذكر الكاتبة كذلك أن المسبار «تشانج آه 4» يحمل على متنه بعض المعدات اللازمة لإجراء تجربة لاختبار مدى إمكانية نمو النباتات – وخاصة البطاطس ونباتات رشاد الصخر المزهرة – على سطح القمر، مما قد يسهم في تحقيق أهداف رحلات الفضاء المأهولة مستقبلًا. إنها أول صوبة زراعية تهبط على عالم آخر في نظامنا الشمسي.

وعن ذلك علقت عالمة النباتات في جامعة فلوريدا انا ليزا قائلة: «إنها خطوة إلى الأمام في إعداد الناس للبقاء على القمر لفترة أطول، وليس لزيارات قصيرة فقط».

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد