أصبح من الصعوبة بمكان أن يقال أي شيء إيجابي عن مصر هذه الأيام. مصر التي هي موطن إحدى أقدم حضارات العالم، هي أيضًا موطن لإحدى أقصر الديمقراطيات الحديثة عمرًا. برزت مصر بقوة على الساحة الدولية عام 2011 كنموذج لنجاح الربيع العربي في إحداث تغيير سياسي دون عنف؛ لكنّ هذا المشهد طويت صفحته منذ مدة. يوم الثلاثاء الماضي تم تأييد حكم الإعدام ضد الرئيس المصري السابق محمد مرسي من قبل قاضٍ بالمحكمة العليا، هو حدث لا يدلّ إلّا على ارتداد البلاد إلى عهود الاستبداد.

ظلّ مرسي قابعًا في الحبس مذ أطاح به الجيش المصري في يوليو عام 2013. حكم إعدامه – بالإضافة إلى أحكام أخرى ضد أكثر من مائة من السجناء سواه – تم إصداره مبدئيًا من قبل إحدى المحاكم في مايو الماضي. يأتي الحكم عقابًا له على جريمته المزعومة بالهروب من السجن هو ورفاقه في جماعة الإخوان المسلمين؛ كان ذلك أثناء الثورة ضد مبارك. (بيتر هيسلر كتب عن تلك القضية). حكم على مرسي أيضًا بالسجن المؤيد بتهمة التجسس، والتآمر مع قوى أجنبية تشمل حماس وحزب الله، وذلك بهدف تنفيذ هجمات ضد بلاده أثناء فترة توليه القصير للرئاسة. مرسي – والذي يحق له أن يستأنف الأحكام الصادرة بحقه – مازال يواجه المزيد من التهم أيضًا. على أيّ حال، فإن مستقبل مرسي لا يبدو مشرقًا، فهو سيخضع لحكم الإعدام، أو سيمضي بقيه حياته سجينًا.

كل شيء كان مختلفًا تمامًا منذ 3 أعوام فقط. في انتخابات مصر الديمقراطية الأولى على الإطلاق، والتي عقدت في يونيو 2012 بعد الإطاحة بمبارك وعقب فترة من الحكم العسكري الانتقالي، فاز مرسي بالمنصب بأغلبية طفيفة. في فترة رئاسته القصيرة أظهر مرسي بالتأكيد ميولًا استبدادية، بحكم يفتقد للخبرة، بدا أنه مصمم على أسلمة مصر. لكنه كان مع هذا رئيسا منتخبًا، وأسوأ جرائمه التي يمكن إثباتها تبدو وكأنها كانت مجرد حماقات متعجرفة. مساعي الجيش الحثيثة لإفشاله، جنبًا إلى جنب مع مساعٍ مماثلة للنخبة الليبرالية العلمانية في مصر، كانت أيضًا سببًا في تعاظم أخطاء مرسي. تبنى الجيش عقب إطاحته بالإخوان المسلمين، تبنى عملية تطهير دموية واسعة النطاق ضد أتباع التنظيم، قُتل خلالها المئات. الرجل الذي أطاح بمرسي، الجنرال عبدالفتاح السيسي، فاز باكتساح في الانتخابات التي تلت الانقلاب ليصبح رئيس مصر الجديد، هذا بعد أن قدم استقالته من الجيش ليصبح “مدنيًا”. تشكلت حول السيسي مجموعة من الداعمين الذين يتم تشجيعهم رسميًا، والذين يشيدون به روتينيًا باستخدام كلمات مثل المنقذ، بينما يذمون مرسي حتى وهو في محبسه باعتباره إرهابيًا خبيثًا. في الواقع القاضي الذي صدق على حكم الإعدام الصادر بحق مرسي وصف نظامه بالشيطاني. مازال محمد مرسي يعتبر نفسه الرئيس الشرعي المنتخب لمصر، ولا يعترف بحق المحكمة في مقاضاته.

في الشأن ذاته أمضى المستبد السابق حسني مبارك السنوات الأربعة والنصف الماضية في عزله القسري. الآن، الرجل في الـ 87 من عمره ومريض، ويعيش في مستشفى عسكري. مر مبارك بسلسلة من المثول المخزي أمام المحكمة حيث ظهر في أغلب المرات على نقالة، صامتًا ويرتدي نظارات شمسية. تمت إدانة مبارك الشهر الماضي بتهم فساد، وحكم عليه بالسجن ثلاث سنوات، وهي مدة قد قضاها بالفعل. في قضية أخرى تمت إدانته بالتقصير الذي أدى إلى مقتل مئات المتظاهرين إبان الثورة ضده، وحكم عليه على إثر الإدانة بالسجن مدى الحياة. لكن قاضيًا نقض هذا الحكم وطالب بإعادة المحاكمة، وهو مطلب مازال معلقًا. يبدو إذًا أن الموت الناتج عن الشيخوخة قد يكون أقرب لمبارك من أن تتجسد فيه أي مظاهر للعدالة المصرية. بثقة ورباطة جأش، يقول مبارك أنه يقبل على أيامه الأخيرة بضمير مرتاح.

لم تعد مصر دولةً رائدةً إقليميًا على أي مستوى؛ إنها غارقة في مستنقع من المآسي التي صنعتها بنفسها. هي أمة معروفة بالفساد، والفقر، وغياب سيادة القانون. “الثورة” عام 2011 والتي بدا لوهلة أنها أنقذت مصر من احتمالية انفجار حتمي، لا تبدو فقط أنها أتت وذهبت، بل تبدو وكأنها كانت مجرد وهم.

يبدو أن ميدان التحرير سيظل يذكر بشكل مأساوي باعتباره مكانًا صعدت فيه آمال الديمقراطية والتغيير، لتتبدد وتنهار بواسطة القوى الأبدية التي تحكم البلاد. قرار القضاء المصري بقتل مرسي ليس سوى محاولة كرتونية فجة لتطبيق العدالة. إنه قرار يتحدى حتى ذاك المنطق السياسي الحذر الذي يمكن توقعه من النخبة العسكرية. إذا كان جنرالات مصر يظنون أن الوحشية ستشتري لهم السيطرة، فهم لم يفهموا شيئًا بعد.

في سيناء، تعيث داعش في الأرض فسادًا، تستولي على مراكز الشرطة وتذبح الأسرى. بالنسبة لأبطال الثورة، فإن معظمهم قد غادروا البلاد، قتلوا أو يقبعون في السجون. المحاكمات الصورية الهزلية حيث يتم إظهار مرسي وكبار مسؤوليه السابقين في أقفاص مغطاة بزجاج عازل للصوت بحيث لا يمكن سماع حتى صراخهم، يجب أن ترى في إطار الصورة الكاملة، أي جنبًا إلى جنب مع عدد لا يحصى من عمليات الاعتقال والاحتجاز التعسفي، بما في ذلك صحفيين.

فيما يتعلق بكبح جماح جماعة الإخوان المسلمين، لجأت مصر دائمًا إلى اختيار حظرهم واستخدام العنف ضدهم كأسلوبها المفضل في المواجهة. بدأ الأمر عام 1949 باغتيال حسن البنا، مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، تلا ذلك شنق سيد قطب، مُنظر الجماعة عام 1966. على مدى عقود، التشكيلات الإسلامية المتطرفة مثل الجماعة الإسلامية ردت بالمثل وابتدعت أنماطها الخاصة من الإرهاب. أعدم سيد قطب بتهمة التخطيط لاغتيال عبدالناصر؛ عام 1981 اغتالت الجماعة الإسلامية خليفة ناصر، أنور السادات. العنف الذي يجتاح مصر منذ الإطاحة بمرسي يبدو أنه جزء آخر من حلقة مفرغة قديمة تعيد نفسها مرارًا وتكرارًا دون حل. جماعة الإخوان المسلين، كان ينظر لها – على الأقل في الفترة الأولى من انتخاب مرسي رئيسًا – كبديل إسلامي معتدل نسبيًا في مقابل المتطرفين الذين يسيطرون على مساحات واسعة من المنطقة. الآن هي مرة أخرى جماعة محظورة، وبالإضافة إلى مرسي، فإن مئات من أعضاءها محكومون بالإعدام، ومالا يقل عن 40 ألف آخرين يقبعون في السجون والمعتقلات، في نظام من الشائع فيه تعذيب المشتبه بهم والمحتجزين.

لا يجب أن يقتل مرسي أو يسجن للأبد، ولكن يجب أن يسمح له بالرحيل إلى منفى. هو ليس آية الله الخميني، ليس ذاك القائد المُلهِم الذي قد يعود لوطنه ليحكم بصفات مقدسة. ستحيط مرسي هالات من الغموض والتقدير إذا تم تحريره، أو سيظل أيقونة كسجين، أو سيعتبر شهيدًا إذا أعدم. أما بالنسبة لمستقبل خلفه الجلاد، فرعون مصر الأخير، المبتسم دائمًا، عبدالفتاح السيسي، فإن كل الاحتمالات ممكنة.

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد