نشر موقع مجلة «ناشيونال إنترست» الأمريكية تحليلًا للخطط الاقتصادية التي تتبعها الصين، لتوضيح نقاط ضعف محورية في هذه الخطط، عادة ما تغيب عن نظر المحللين والمعجبين بالنموذج الصيني.

أشار التقرير إلى الخطاب الذي أدلى به مؤخرًا لي كه تشيانج، رئيس مجلس الدولة الصيني، ووصفه بأنه خطاب ذو دلالة. إذ أكد في كلمته أمام المؤتمر الشعبي الوطني، التي استمرت ساعتين كاملتين في شهر مارس (آذار) الجاري، على عزم البلاد الاعتماد على سياسات صناعية واسعة للتنمية. والهدف «تسريع العمل لجعل الصين رائدة في مجال التصنيع».

ومما لا شك فيه أنَّ لي أراد من جمهوره والعالم أن يستمعوا إلى ملاحظاته بصفتها تحديًا للقوة الاقتصادية الغربية. ومما لا شك فيه كذلك أنَّ الكثير تلقوها على هذا النحو. لكنَّ ما لم يلاحظه لي، وما لا يدركه، أنَّ خطته للتقدم، بدلًا من ضمان الهيمنة الصينية، سوف تجعل من الصين معتمدة على الغرب إلى أجل غير مسمى، ومحكومة بتكرار نمط راسخ بالفعل من المبالغة في البناء، وسوف تضمن أنَّ اقتصاد الصين سوف يظل دومًا خلف الغرب بقليل من الناحية التكنولوجية.

وشرح التقرير كيف أنَّ الاعتمادية مضمنة في هذه الخطط الصناعية. ذلك أنَّ الصين، ببذلها الجهود لضمان الهيمنة على التصنيع بدلًا من الاقتصاد المتوازن، سوف تنتج، على المدى المنظور، منتجات أكثر مما يمكنها استخدامه. ومع أنَّ هذا الفائض التصنيعي العظيم قد يبدو مثيرًا للإعجاب، فإنه لن يفيد الصين إلا إذا استطاعت الشركات المملوكة للدولة بيعه. فمن دون مشترين، سوف تصدأ أكداس عوارض الصلب، والقضبان الخرسانية المسلحة في ساحات المصانع، وكذلك «المحركات النفاثة» و«السيارات النظيفة» التي قال لي للعالم إنه يريد أن تنتج الصين منها بوفرة.

وكما أوضح لي في خطابه الطويل، فإنَّ خطط الصين تعتمد بشكل أساسي على وجود أولئك المشترين في الخارج. ومن ثم، فإنَّ الهيكل كله يعتمد على وجود الرخاء في مكان آخر. هذه حقيقة تشير إليها معظم التقارير حول اقتصاد الصين، مع أنها نادرًا ما تشير إلى أهميتها. ففي التعليق على تسارع النمو الأخير في البلاد، على سبيل المثال، تشير كل مقالة، حتى مقالات مكتب الإحصاءات الصيني، إلى أنَّ تسارع النمو في الولايات المتحدة وأوروبا هو المساهم الأساسي في تحسن الصين. فلو لم ينم المشترون، فإنَّ الصين، بسبب تصميمها ذاته، سوف تضعف.

وقال التقرير إنَّ أولئك الغربيين الذين يخشون من التصنيع الصيني، وهم كثر، سوف يشيرون بلا شك إلى هشاشة موازية في الغرب. فلأنَّ الولايات المتحدة وأوروبا فقدتا الكثير من القوة الإنتاجية لصالح الصين، فسوف يسارع أولئك المتخوفون بالإشارة إلى أنه لو قررت بكين حجب إمداداتها، فإنَّ هذا البلد وغيره سوف يواجهون نقصًا. سوف يعاني الغرب من انعكاس اقتصادي، في البداية على الأقل. لكنَّه سوف يعيد البناء، وهو ما يتعارض، قطعًا، مع أهداف الصين. وفي الوقت ذاته، فإنَّ أي ضرر سوف يحيق بالولايات المتحدة وآخرين سوف يأتي على حساب الصين. ذلك أنَّ تصنيعها الموجه للتصدير سوف يصاب بالركود، وكذا اقتصادها المعتمد على التصدير بالتبعية.

ومن المحتمل كذلك أن تواجه الصين نزاعًا اجتماعيًا كبيرًا، وهي احتمالية تشير إليها اضطرابات الكساد الكبير التي هزت الصين بين عامي 2008ـ-2009. وكذا فإنَّ حجب الإمدادات نوع من الانتحار أكثر من كونه سلاحًا. فالصين سوف تؤذي نفسها فورًا، وعلى المدى المتوسط سوف تدعو منافسيها الاقتصاديين لإعادة البناء. ومن ثم، فمن غير المحتمل أن يسلك الحزب الشيوعي الصيني هذا الطريق.

وقال التقرير إنَّ ثمة ضعفًا آخر في التركيز الصيني الواضح على التخطيط واسع النطاق. إذ يخلق هذا التصنيع، أكثر من أي شيء آخر، نزعة للإكثار من البناء أصبحت منذ وقت طويل مظهرًا ثابتًا للأنماط الاقتصادية الصينية. ففي الأعوام الأولى من هذا القرن، عندما دفعت صادرات الصين للألعاب الرخيصة والملابس والأحذية، اقتصادها إلى معدلات نمو مضاعفة، افترض المخططون، صراحة وبشكل ضمني على حد سواء، أنَّ الأمور سوف تجري كذلك إلى أجل غير مسمى. ومن ثم فقد حشدوا موارد مهولة لدعم هذا التوجه، فبنوا مشروعات بنية تحتية ضخمة ومصانع وإسكانًا لملايين عمال التصنيع الجدد.

طبعًا تغيرت طبيعة الاقتصاد الصيني. ففيتنام، مثلًا، استخدمت ميزة متوسطات رواتبها الأقل لسرقة تصنيع الأحذية والملابس. وعندما غادرت هذه الصناعات وصناعات مماثلة، صار على الصين التعامل مع ما بنته لدعم الأنشطة الاقتصادية التي لم تتطور قط، والآثار البغيضة للديون التي صاحبتها وما زال الاقتصاد يواجهها.

ومن المؤكد، بحسب التقرير، أنَّ الأسواق التنافسية يمكن أن تخلق فوائض غير معقولة. وتعطينا أزمة إسكان عامي 2008-2009، على وجه الخصوص، مثالًا مؤلمًا على ذلك. لكنَّ الخطر المفروض على اللاعبين الأفراد في الاقتصادات التنافسية يعطينا فكرة عن المدى الذي يمكن أن يذهب إليه الفائض، لا سيما بالنسبة إلى ما يمكن أن يحدث مع التخطيط المركزي الضخم. فنتائج مثل هذه التصميمات الضخمة قد تبهر وتخيف الناظرين. لكن عند تغير الأمور، والأمور دائمًا ما تتغير، فإنَّ هذا الحشد المبهر للجهود يؤدي إلى المزيد من التبديد وحاجة للتعديل أكبر من حاجة الأنظمة الأخرى، حيث يحد الحذر والعجز عن حشد الموارد بهذا الحجم، من ابتعاد التخطيط عن الواقع.

ولأسباب مختلفة بشكل طفيف فحسب، فإنَّ هذا التخطيط المركزي يجعل الصين تكنولوجيًا في مستوى أقل من أحدث التطورات. طبعًا، تصر الصين، للبقاء على مواكبة التطورات الجيدة، على نقل التكنولوجيا من جميع الشركاء الغربيين واليابانيين في هذا الاقتصاد. وبالمثل، انخرطت الصين في جميع أنواع الجاسوسية الصناعية لسرقة الملكيات الفكرية المفيدة. وقد جعلتها هذا الأنشطة، بلا شك، أقرب من حافة التطورات التكنولوجية.

وقد أدت قدرة الحكومة المركزية على التخطيط المركزي في حشد الموارد إلى الخروج بتطبيقات مبهرة، أحدثها في مجالي الروبوتات والذكاء الاصطناعي. لكنَّ جميع هذه السرقات المنقولة تجعل الصين معتمدة على الآخرين في كل تحديث. ولأنَّ التطبيقات عادة ما تنتظر حتى بعد مرحلة الاختراق الأولي، فإنَّ ممارسات الصين تضمن أيضًا أنَّ اقتصادها سوف يجد نفسه متبنيًا ما يبحث الغرب بالفعل عن استبداله. طبعًا، لا يعني هذا الأمر أنَّ الولايات المتحدة وآخرين ينبغي لهم التسامح مع هذه السرقة والضغط، لكن هذه قضية أخرى.

ومع أنَّ الكثير يبدو أنهم يخافون من السياسات التصنيعية للصين، التي هي في الحقيقة نقطة ضعف صينية أساسية، فإنهم يبدون أيضًا قلقًا شديدًا بشأن المجال الوحيد الذي يتمتع فيه النظام الصيني بقوة نسبية: ألا وهو التعامل مع ديونه. مما لا شك فيه أنَّ عبء الديون المتراكمة في الصين يعود بشكل كبير إلى المبالغة في البناء. وتكمن معظم هذه الديون في الخطط الكبرى للصين، والصناعات المملوكة للدولة، وحكومات المقاطعات. لكن من بين جميع الأشياء، فإنَّ هذا الدين يشكل خطرًا أقل على المستقبل الفوري للصين مما سوف تكون عليه هذه المشكلة في الغرب. ففي اقتصادات السوق، ينتج الإفراط في الديون عن الإخفاقات، ويؤدي إلى اضطرابات السوق، ومن المحتمل أن يخلق ركودًا مؤلمًا.

ويفكر معظم من يخشون من عبء الديون المتراكمة في الصين في حدوث نتيجة مماثلة في الغرب. لكن لأنَّ معظم الدين في الصين يقع داخل الحكومة، فإنَّ للسلطات القدرة، كما أظهرت في الماضي، على ترتيب نوع من التعديل البطيء، الذي يتجنب نوع الانهيار الذي قد يحدث في الغرب.

واختتم التقرير بالقول إنَّ الصين اقتصاد ضخم يستحق الانتباه. ولا أحد، سواء كان من المستثمرين أو رجال الأعمال أو صناع القرار أو الدبلوماسيين، بإمكانه تجاهل ما يحدث هناك. وتمثل التطورات الصينية عددًا من التحديات الاقتصادية والسياسية والدبلوماسية والعسكرية للولايات المتحدة وباقي العالم. ذلك أنَّ ما تفعله الصين سوف يؤثر على شعوب الغرب وآسيا. لكن ليس من المفيد، عند التعامل مع هذه التحديات، تجاهل الحقائق الاقتصادية، وتحويل نقاط الضعف إلى نقاط قوة ونقاط القوة إلى نقاط ضعف.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد