لم تكن زوجته تَبْلُغ سِوَى الرابعة والثلاثين مِن عُمْرها. كان لديهم ابنتان صغيرتان. وكان السرطان يَعُم المكان .. كُل مكان، وقد كان الجميع يُوشِك على البدء في الحديث عن الموت، والذي لم يَكُن يأتي أَحَد بسيرته مِن قَبْل. أتى إليه صديقه المُقَرَّب عازِمًا على البقاء لبضعة أسابيع للمساعدة. ولكنه بعدما جاء .. لم يرحل أبدًا.

وكأن السابع عشر من سبتمبر لعام 2012 قد مُحِيَ من ذاكرتي. لازِلت أحتفظ ببضعة ذكريات قليلة منه. كالطريقة التي كان يهتز بها صوت الطبيب الجرّاح وهو يتحدّث بلسانٍ مُثْقَل. وأَتَذَكَّر كيف كانت زوجتي تقوم بمناداتي باسمي وهي لا تزال تحت تأثير مُسَكِّن الألم. بَقِيَت في ذاكرتي صورة لأرضية المَشْفى .. وهي مُرتَفِعة وقريبة من عيناي. أتذكَّر سطحها الأبيض الذي كان يُصاحِبه بصيص مِن الأَمَل قد أصابَني؛ ربما لن أضطر إلى النهوض والاستيقاظ، ربما سوف يسمحون لي بأن أُفارِق الحياة هُنا.

كانت نيكول – زوجتي – تبلغ الرابعة والثلاثين، وكان الطبيب صريحًا وقالها لنا مُباشرةً، «إنه في كل مكان.» وزاد على كلامه: «وكأن أحدًا قام بِغَمْس فُرشاة ألوان في السرطان ثُم قام بِنَفْضِها حَوْل بطنها.» تَدَرَّجتُ إلى أسفل الردهة ووجدتُ نفسي أتساقط شيئًا فشيئًا وأنهار. أَتَذَكَّر أرضية المَشْفى، قريبة من وجهي، ثُم ما لَبِثْتُ أن رأيتها تَتَباعَد شيئًا فشيئًا بينما يقوم صديقي المُقَرَّب بِحَمْلي للنهوض من على الأرض. صديقي يُدْعى «دين فوشوه»، وأتذكر أنني لاحظت – بالرغم من شرود ذهني وقتها – أن دين أَكْثَر قُوَّة وصَلَابة مما كنت أَتَوَقَّع.

مَكَثْتُ هُناك لمدة طويلة وكُنت في صدمة. فعادةً، نحنُ كبشر، لا نقول لبعضنا بعضًا الحقيقة كامِلة وصريحة عن الموت. ليس الموت الواقعي الملموس. فإن الموت الواقعي – الموت الاعتيادي الدنيوي – في غاية القسوة وفي غاية البشاعة والقُبْح، للدرجة التي جعلته من أسوأ الأشياء على الإطلاق. إنه غريب ومُتَنافِر. إنه مُخْجِل. ولم يَقُم أحد بإخباري عنه ولو لمرة واحدة أبدًا مِن قَبْل. وعندما حدث ذلك لحبيبتي، قُمْتُ بِفُقدان توازني وثباتي بِأَكْثَر مِن صورة. النَقَشات الأَرْضيّة الأساسية للحياة – الأخلاق والمبادئ وحتى القوانين – أصبحت جميعها أمور مُتَغَيِّرة ونِسْبيّة. فقد قُمْت بتهريب المُخَدَّرات. بَدأت في الكَذِب. حتى أنني قُمت بإخفاء الأموال عن مكتب ضريبة الدخل.

أغلب ظنّي يتجه إلى أن السبب وراء تَعَلُّقي بالشعور بأرضية المشفى وكَيْف أن دين قام بانتشالي بعيدًا عنها، هو أنها تُصَوِّر بِدِقَّة كل ما حَدَث في السنتين الاثنتين القادمتين. صَدمة التَعَرُّف إلى المَوْت والفناء. انهيار البعض، ورَفْض البعض الآخر السَمَاح للأول بالانهيار.

Untitled

قرر دين الانتقال للعَيْش معنا بحلول الكريسماس في عام 2013، وبالتحديد في الليلة التي مات فيها كلبنا.

يكاد يكون ذلك العام بأكمله مفقودًا من ذاكرتي. أُصيبَت نيكون بسرطان المبيض، والذي انتقل إلى مِعْدتها، وقامَت بتَحَمُّل سلسلة من الأوجاع العضوية المُهينة، والتي إن أصابت واحدة من تِلْك الأوجاع أحدهم .. فهي كفيلة بِكَسْرِه؛ اجتياز رحلة واحدة في دائرة العلاج الكيميائي، رؤية كيف يبدو منع تَجَمُّد السريان داخل أوردتها، بينما تقوم الممرضات بِعَرْض بعض نقانق الجُبن عليّ وَسَط كُل ذَلِك .. لا شَك أن مُعايشة أيٍّ مِن تلك الأشياء على حِدة قد يغير حياتي إلى الأبد. ولكن، أن تؤخذ جميعها مُجْتَمِعَة؛ العمليات الجراحية والعلاج الكيميائي .. تُشَكِّلان سويًّا ندبة لا يمكن استئصالها لمُعاينتها وفحصها

وعلى الرغم من كُل شيء، فإنني لازِلت أستطيع استعادة بضعة ذكريات من ذلك العام، ولا عَجَب في أَن دين يظهر فيهم جميعًا. فَعَلَى سبيل المِثال، عندما بَدَأَتْ نيكول في فُقدان شعرها وإيجاده مُتَسَاقِطًا على وسادة نومها، كُنت أقوم بدعمها خلال معاناتها تِلك، وذلك لأنها كانت لا تزال صغيرة وغاية في الجمال. ولكن على الرغم من ذلك، فقد طلبت مني أن أُلاقيها في غُرفة المعيشة وأُحْضِر معي منشفة، مقص وآلة تهذيب لحيتي.

قامت بِسَحْب كُرسي إلى منتصف الغُرفة وأَحْكَمَت شعرها – الطويل الداكِن والذي ينسَدِل في نعومة – إلى تصفيفة ذيل الحصان. «هيا، انطَلِق»، قالت لي.

قُمت بالمرور خلالها وقصها بالمقص حتى انفصلت عنها وأصبحت بالكامِل بين يداي. وما كانت رَدَّة فِعْلها إلا أنها نَظَرَتْ إليَّ بعيونها المليئة بالعَبَرات العالِقة التي تَرْفُض التَسَاقُط .. وابتسمت.

«يمكنني أن أبدو رائعة في ذلك أيضًا»، قالت لي. «أعطني لقب الموهاك

ذهبنا إلى الحمام لكي تنظر في المرآة. بَدَت مثل الهنود الكريك، لم أَرَ ذلك الفَخر على وجنتيها مِن قَبْل، وكذلك لم يَسْبِق أن أَرَى ذلك التَحَدّي في عيناها.

أرسلنا صورة لها وهي بِتِلْك الهيئة إلى دين، وسرعان ما وجدته قد أرسل لنا واحدة هو الآخر. حَيْثُ قام بِعَمَل قصّة الموهاك هو الآخر لكي يتلاءم مع الموهاك خاصتها.

ضَحكَت نيكول كثيرًا عِند رؤيته هكذا. كُنّا قد قابلنا دين من خمسة عشر عامًا مضت، عندما كُنّا نسكُن في نيو أورليانز وكانوا في الجامعة سويًا. اعتاد الرِجال اقتفاء أَثَر نيكول في كُل مكان تذهب إليه؛ في متاجِر البِقالة، يَتْبَعها الرجال من قسم البضائع والسلع الغذائية إلى قسم مُنتجات الألبان .. حتى الخارِج إلى ساحات انتظار السيارات. كان أول ما يأتي إلى أذهان الرجال عِندما تبتسم، أنها في حاجة إليهم، وقد كانت تبتسم كثيرًا. وهكذا، فقد تطور لديّ إحساس بالرثاء المَصْحوب بالشك تِجاه دوافع الرِجال الآخرين. ولكن دين، وحتى عندما لم يَكُن يَعْلَم أنني أستَرق النظر، فقد كان يُحَوِّل بصره عنها مُتَجَنِّبًا النَظَر إلى جسدها، وقام بقبول ابتسامتها كهدية صغيرة لا أكثر. لقد أهدانا دين صداقته المصحوبة بالقدر الكبير من التواضُع، والقدر الأكبر من الاحترام والمُراعاة لزواجنا، حتى أنني ائتمنته من البداية. لا أظُنني مُتَأَكِّدًا من حقيقة أن نيكول قد سامحتنا أبدًا على كَوْن كِلانا رِجالا، فكُلما مرت علينا الأعوام، كُلما سَنَحَت لي الفرصة لأن أكون أكثر قُرْبًا منه، على النحو الذي لم تستطِعه هي أبدًا.

قُدْرَتها على التعبير عن شعورها وعاطفتها كانت – بالنسبة إليها – تُمَثِّل تلك الانتصارات صغيرة. ولِذا، عندما حَمَلت صورته وهو مثل الموهاك وضَحَكَت – «انظُر! ها ها!» – عَلِمتُ أنها كانت تعني ذلك بالطريقة الأكثر تَحَدِّيًا وخُبِثًا على الإطلاق.

في مَوْسِم المَلْحَمة والحِطام والهزيمة، خَالَفَت نيكول التَوَقُّعات جميعها وظَفَرَت بالنَصْر. قُمْت بسؤال دين لاحِقًا عن السبب وراء ما فعله (يعني تصفيف رأسه مثل الموهاك). ولكنه لم يستَوعِب سؤالي ولم يفهمه. «كان الأمر أكثر مَرَحًا بالنسبة لي من مُجَرَّد حِلاقة شعر رأسي ليكون أصلعًا»، قالها لي. لَم يَكُن خَيارًا بالنسبة إليه أن يَظَل واقِفًا مكتوف الأيدي بدون أن يفعل شيئًا.

لازِلت أتذكَّر وقوفه حارِسًا لنا في المَشْفى مثل الخفير، مؤخرًا في ذلك العام. فقد قام بقيادة سيارته طوال الطريق من نيو أورليانز – وقد كُنا نعيش في بلدة صغيرة تُسَمَّى فير هوب، ألاباما – فقط ليقف في الردهة خارَج باب غُرفة نيكول حارِسًا لها لساعات لكي تتمكن من النوم. وذات مساء، وَصَلَتْ مجموعة من سيدات الكنيسة. ومن المَعْروف أنه لا توجد قوة على الأرض في مِثْل قوة وجبروت مجموعة من سيدات مُعَمَّدات في منتصف العُمر، ومِن الداخِل كُنا نستطيع أن نَسْمَع دين وهو يقوم بِشَنّ معركة مع تِلْك النوايا الطيبة.

«إنهم يأخذون قِسطًا مِن الراحة الآن»، قالها لَهُن. «أنا أعتذر بِشِدَّة.»

«ولَكِنَّنا أتينا للدعاء لهم وإقامة الصلوات»، قالت إحداهُن.

«أعلم ذلك جيدًا يا سيدتي»، قال لها. «ولكنني واثِق بأن الله يمكنه سَمَاع صلواتكن ودعائكن من هُنا ونحن في هذه الصالة».

قُمنا بقضاء الكريسماس في المَشْفى. جاءنا بعض الأصدقاء وقاموا بتزيين الغُرفة، وابنتانا الصغيرتان قامتا بالالتفاف حول نيكول على سرير المَشْفَى بينما كانت تقرأ لَهُنّ قصة «كانت الليلة التي تسبق الكريسماس.» حاولنا أن نتجاهل تلك الأنبوبة التي تقوم بضخّ فضلاتها إلى الخارج من أمعائها وإلى خارج أنفها.

جاء دين لزيارتنا بعد عيد الشُكر، وانتهى به الحال بالبقاء وعدم المُغادرة أبدًا. كان لا يَدَّخِر جَهْدًا على مدار أسابيع أجازته، فكان يقوم بزيارتنا في المشفى نهارًا وينام في منزلنا كُل ليلة.

في الليلة التالية للكريسماس، كلبتنا – من نوع باج – جراسي، قامت باستفراغ شيء لونه أسود ومُتَعَفِّن على الأرض أمام قدميه. فقام بأَخْذ جلاسي ووَضَعَها في سيارته باستخدام بطانية كانت في السيارة، وذَهَب ليبحث عن عيادة حيوانات أليفة. وعِندما نجح في العثور على واحِدة، قام بِشَرح أوضاعنا للطبيبة البيطرية، وبعد إجراء بضعة فحوصات، بَادَرَتْه بالحديث باندفاع، «أنا في غاية الأسف، ولكن تلك الكلبة مُصابة بالسرطان وأعتقد أنها على وشك أن تموت. في الحقيقة، أعلم أنها سوف تموت.» ومن ثَم انْفَجَرَت في البكاء.

قام دين بالاتصال بي. وكنت وقتها جالسًا في غرفة المشفى – والتي كانت مليئة بالأضواء الحمراء والخضراء التي تومض باستمرار- استمعت إلى الخبر منه ولم أقل أكثر من، «حسنًا».

لَمْ يؤَثِّر فيّ مَوْت جراسي. فقط تضايقت قليلًا. دَفَعَني مَوْتها إلى ضرورة الحديث مع ابنتي وشرح الرابط بين السرطان والمَوْت، ولم أكُن  مُستعدًا لذلك الحديث بَعْد.

جاءني دين في المشفى وأحضر معه زجاجة نبيذ. قُمنا بالجلوس على الأرض وبدأنا في الشُرب بينما كُنّا نقوم بتغليف هدايا الفتيات للكريسماس بالورق.

«أظن أنه من الأفضل أن أنتقل للعَيْش معكم»، قالها لي دين. «حتى أقوم بالمساعدة والعَوْن لبضعة أشْهُر.»

وكان كلامه هذا يعني تَخَلّيه عن وظيفته، عن أصدقائه، عن شقّته.. باختصار عن حياته بِأَكْملها.

«حسنا»، قُلْت له.

1 2 3

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد