قال المحلل السياسي والإستراتيجي جورج فريدمان مؤسس موقع «جيوبوليتكال فيوتشرز» في مقال له على الموقع ذاته: إنه لطالما مثلت أوروبا المشكلة الأساسية لبريطانيا. كان الخطر الذي يتهدد الأخيرة هو ظهور كيان واحد قوي يمكنه فعل شيئين: أولًا، التحالف مع النخبة الاسكتلندية لشن حرب ضد إنجلترا على الأرض. ثانيًا، بناء قوة بحرية يمكنها هزيمة البحرية البريطانية وإنزال قوة غازية على طول الشاطئ الإنجليزي للقناة. لقد فعل ذلك الرومان والنورمانديون.

وأوضح فريدمان أن قوى متعاقبة في أوروبا رأت فرصة لهزيمة إنجلترا؛ فقد حاول الإسبان غزوها في القرن السادس عشر، والفرنسيون في القرن التاسع عشر؛ وأخيرا الألمان في القرن العشرين. لكنهم هزموا جميعًا بسبب المياه الغادرة والبحرية الملكية. ولم تنطلق العديد من الغزوات المحتملة اللاحقة للافتقار إلى القوات البحرية، التي لم تكن موجودة بسبب الإستراتيجية البريطانية الكبرى، وكان جوهرها أن أقرب كتلة أرضية، أي أوروبا القارية، ستضع بريطانيا دائمًا في وضع غير مؤاتٍ ديموغرافيًا في الحرب. شكل سكان أوروبا قاعدة جيوش أكبر بكثير من تلك التي يمكن أن تنشرها بريطانيا. لذلك، كانت الإستراتيجية المركزية هي منع مثل هذه القوة من الهبوط في بريطانيا.

تاريخ

منذ 3 شهور
دولة الدراويش.. حين قاد شيخ صوفي ثورة الصومال ضد بريطانيا

كان بناء قوة بحرية قادرة على تحدي البريطانيين مكلفًا للغاية. بلد غني للغاية فحسب هو من يستطيع تحمله، لكن الدول الغنية جدًا تفتقر إلى الحماس. أما الدول التي تسعى إلى زيادة ثرواتها، فقد تنافست مع دول أخرى تطمح إلى تحويل الموارد إلى القوات البرية وإفشال إمكانية بناء قوات بحرية. كانت حقيقة أن القارة انقسمت أولًا بين الملوك والأباطرة، وفيما بعد بين الدول القومية، هي خط الدفاع الأساسي لبريطانيا. تصدت الدول الأكثر ثراءً باستمرار للهجمات من جيرانها، في حين رسمت الدول الأفقر إستراتيجيات لتعزيز وضعها من خلال الحرب. نتيجة لذلك، كانت هناك سلسلة من القوى القارية العظمى: إسبانيا، وهولندا، وفرنسا، وألمانيا. لم يكن أي منها قويًا بما يكفي لتحويل الموارد لاحتلال بريطانيا.

الإستراتيجية العظمى

لذلك – يشير فريدمان – تتمثل الإستراتيجية البريطانية العظمى في الحفاظ على قوة بحرية كبيرة، وبذل ما يكفي من جهد في القارة الأوروبية لتثبيط الهيمنة على البر الرئيس من خلال منع تشكيل التحالفات، أو عن طريق إثارة الخصومات. بعبارة أخرى، كانت الإستراتيجية البريطانية العظمى هي الانخراط المستمر في القارة الأوروبية، بهدف أساسي هو تحويل أي دولة تركز على التنمية البحرية.

تتضمن هذه الإجراءات سياسة تجارية، ودعم عائلات حاكمة أو دول مختلفة، واستخدام القدرة على الحصار، أو إدخال قوات برية محدودة لدعم تحالف القوات. كانت الإستراتيجية البريطانية عبارة عن مشهد لا نهاية له من التكتيكات، حيث تعمل على تغيير العلاقات والإجراءات المصممة لتأمين الوطن من خلال الحفاظ على انعدام الأمن في القارة. لم تخلق بريطانيا انعدام الأمن.

تم بناء ذلك في النظام الجيوسياسي القاري. وقد نجحت بريطانيا في استغلال ورعاية حالة انعدام الأمن الموجودة بالفعل. كانت بريطانيا دائمًا جزءًا من أوروبا، على سبيل المثال مشاركتها في حروب نابليون ومؤتمر فيينا. في الوقت نفسه، كانت منفصلة عن أوروبا لأن جغرافيتها أعطتها قاعدة أخرى لتقف عليها.

Embed from Getty Images

نشأت الإمبراطورية البريطانية كنتيجة ثانوية لهذه الإستراتيجية الكبرى. وقد جرى تقويض القوى البحرية للإمبراطوريات المختلفة التي ظهرت إلى الوجود ليس بالقوة البحرية، ولكن بسبب النزاعات البرية. طورت إسبانيا، وهولندا، وفرنسا أساطيل بحرية قادرة على بناء إمبراطوريات. لكن الانقسامات في القارة حدت من قدرتها على توسيع تلك الإمبراطوريات، واستنزفت قدرتها على استغلالها بشكل فعال. في المقابل استطاع البريطانيون، بعد أن توحدوا بعد أوائل القرن الثامن عشر ولم يتأثروا بالتلاعب الأوروبي، أن يحافظوا على مشروع إمبراطوري توسعي باستمرار.

كما سهل ضعف أوروبا قيادة بريطانيا للثورة الصناعية – يضيف فريدمان. لم تكن القوى العاملة والموارد والمهارة الأوروبية أقل من تلك التي لدى البريطانيين. لكن الأخيرين كان لديهم أمان أكبر بكثير لمؤسساتهم، وتركيز على الإنتاج العسكري، وإمبراطورية ديناميكية ومتنامية لدعم التصنيع. نتيجة لذلك، طورت بريطانيا أداة قوية أخرى لإدارة القارة: صادرات السلع المصنعة والتقنيات.

وضع إستراتيجية جديدة

ولكن تولت الولايات المتحدة الدور البريطاني على أساس عالمي – يستدرك فريدمان. لم تعد بريطانيا سيدة الشطرنج، بل كانت قطعة على اللوح – قطعة مهمة، لكنها فقدت مجال المناورة. كان على لندن أن تصوغ إستراتيجية كبرى جديدة للخروج من حطام القديمة. ومع ذلك ظل جوهرها دون تغيير، وهو عقيدة توازن القوى. الآن، بدلًا عن أن تكون قوة التوازن الرئيسة بين الدول الأخرى، سعت بريطانيا إلى موازنة قوتها بين كيانين أقوى: الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي.

بسبب موقفها الجديد، لم يكن لدى بريطانيا خيار العزلة. يتطلب نظامها الاقتصادي الوصول إلى الأسواق والمنتجات، ويتطلب موقعها الإستراتيجي نفوذًا في القارة الأوروبية. لذلك في عام 1973 انضمت بريطانيا إلى المجموعة الاقتصادية الأوروبية، وفي عام 1991 وافقت على الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. لكن بريطانيا تقاوم دائمًا الاندماج الكامل في الاتحاد الأوروبي. وفي الحقبة التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفيتي، كان هناك قطبان للإستراتيجية البريطانية: أوروبا والولايات المتحدة. لكن الاعتماد الكلي على أي منهما يمكن أن يؤدي إلى كارثة. أضحت أوروبا تحت قيادة عدوها القديم ألمانيا. وكانت الولايات المتحدة بمنزلة عدو أيضًا. فقط من خلال إقامة علاقات مع كليهما يمكن لبريطانيا أن تأمل في الاحتفاظ بمساحة للمناورة.

بيد أن كلا القطبين أرادا أشياء مختلفة؛ إذ أراد الاتحاد الأوروبي علاقة اقتصادية محددة مع عناصر سياسية، في حين كانت الولايات المتحدة منفتحة على العلاقات الاقتصادية، لكنها أرادت بشكل خاص المشاركة البريطانية في حروبها. يمكن لبريطانيا إرضاء كليهما، وبالتالي إيجاد مساحة خاصة بها.

المعضلة البريطانية

إن المشكلة التي تواجهها بريطانيا الآن هي اتحاد أوروبي لا يشبه ما تخيله المؤسسون – يقول فريدمان – أو ما كان قائما قبل 10 سنوات. كان يُنظر إليه على أنه أحد أعمدة النظام الدولي جنبًا إلى جنب مع الولايات المتحدة، لكنه وقع في الخلاف السياسي والشك. الولايات المتحدة لديها أيضًا مشاكل داخلية لم تكن متوقعة.

Embed from Getty Images

تتمثل مشكلة بريطانيا الآن في الاعتماد على الولايات المتحدة. نادرًا ما يكون مثل هذا الاعتماد على أي بلد في مصلحة الأمة. ما يمثله خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي هو عدم ثقة في جدوى النظام الأوروبي ورغبتها في العمل بشكل مستقل عنه. لكن من الصعب على لندن أن تفعل ذلك، لذا فإن الولايات المتحدة هي القطب الذي يجتذب، إذا لم يكن الاستقلال التام عن جميع التحالفات خيارًا – وهو ليس كذلك.

هذه هي المعضلة البريطانية. إن الضرورة الجيوسياسية الألمانية للتوسع والحاجة الأمريكية للسيطرة على شمال الأطلسي قد غيرت الواقع الجيوسياسي القديم بشكل جذري. تتجه أوروبا نحو الانقسام التاريخي والعداء الطبقي. لكن بريطانيا ليست في وضع يسمح لها بالتلاعب بذلك من أجل أمنها. لم يعد شمال الأطلسي طريق بريطانيا إلى إحياء الإمبراطورية. وبينما الاعتماد على أوروبا أمر صعب، فإن الاعتماد على الولايات المتحدة أمر ممكن، لكن من المرجح أن تفرض واشنطن ثمنًا لذلك مرة أخرى. لكن هذا الثمن غير واضح. البديل الآخر الوحيد هو أن تحاول بريطانيا قيادة كتلة اقتصادية بديلة خارج أوروبا. وبكونها ثاني أكبر اقتصاد في أوروبا، فإن هذا ليس مستحيلًا.

لكن في النهاية بريطانيا جزيرة، وأسكتلندا مضطربة. والألمان متحدون ولا يمكن التنبؤ بأفعالهم تمامًا. والولايات المتحدة ودودة وجشعة على حد سواء، ومزاجها متقلب. قد يبدو أن إيجاد توازن بين أوروبا، مهما كانت مجزأة، والولايات المتحدة هو الخيار الأفضل، لكن الجغرافيا السياسية تميل إلى فرض خيارات غير متوقعة على البلدان. من كان يظن في عام 1900 أن بريطانيا ستواجه الخيار الذي تواجهه اليوم؟ فقط أولئك الذين فهموا ماذا كانت ألمانيا، وما الذي ستصبح عليه الولايات المتحدة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد