محمد أمين باشا. يهوديّ، ثم مسيحيّ، ثم مسلم. لدارسي الثقافات والأديان المقارنة، تمثّل شخصية محمد أمين باشا (أو آيزاك إدوارد شنيتزر، كما كان اسمه) كنزًا حقيقيًا. قد تظنّ للوهلة الأولى أن هذه شخصية مخادعة متلونة كالحرباء لتتماهى في مجتمعها المحيط، لكن رغم تكيّف هذا الباشا مع اختلاف الثقافات المحيطة به، إلا أنه لم يتخلّ عن مبادئه الأساسية. في مقاله بجريدة (ذا دايلي بيست)، يُلقي جيل تروي الضوء على حياة محمد/شنيتزر، ورحلته الفكرية.

الكلُّ واحد

وُلد شنيتزر في سيليزيا (بولندا حاليًا)، عام 1840م، لعائلة ألمانية يهودية. كان والده تاجرًا يؤمن بما سيغنّي به جون لينون بعد أعوام: أن «يعيش الكل كواحد»، لكنّ التنوير له ثمن برغم كل شيء. تخلّى اليهود عن كثير من هويتهم اليهودية لكي يشقّوا طريقهم في المجتمع، على الرغم من أنّ المجتمع الأوروبي لن يتقبّلهم بالكامل على أية حال.

عندما كان آيزاك في الخامسة من عمره، مات والده، وتركت أمّه قومها لتتزوّج من مسيحيّ في مقابل مزيد من القبول في المجتمع. وعُمّد آيزاك ليُصبح اسمه إدوارد كارل أوسكار ثيودور شنيتزر. دافع شنيتزر في شبابه عن القومية الألمانية. وبعد دراسته في عدّة جامعات ألمانية، أصبح طبيبًا يستخدم العلم الحديث لينقذ أرواح البشر. لكنّ لتأخره في تقديم أوراقه منعه من الحصول على رخصة لمزاولة الطب. فسافر إلى إسطنبول.

الأوروبي المزعج

في تركيا، وجد إدوارد شنيتزر متنفّسًا لممارسة الطب بعيدًا عن الرقابة الألمانية. بعقليّته الفذة في اللغات، تعلّم التركية، الألبانية، واليونانية، وعددًا آخر من اللغات، وهو ما أهّله ليعمل في مكتب الحجر الصحي في الميناء، ليتعامل مع المهاجرين، ثمّ شقّ طريقه للعمل تحت حاكم شمال ألبانيا، إسماعيل حقي باشا. وفي واحدة من أكثر حركاته إثارة للريبة، عاد إلى ألمانيا عام 1873، مدّعيًا أن أرملة إسماعيل حقي باشا وأطفاله هم زوجته وأطفاله. لكنّ هذا الترتيب انتهى فجأة عام 1875، ليدخل بعدها شنيتزر إلى عالم الإسلام.

محمّد أمين

عاد شنيتزر إلى الخرطوم ليمارس الطب، واعتنق الإسلام ليصبح محمّد أمين. ثمّ دعاه حاكم الإقليم الاستوائي (جنوب السودان وشمالي أوغندا حاليًا)، ليصبح رئيس الضباط الأطباء، ثمّ عُيّن حاكمًا عام 1878، ليصبح «بيه». هُنا بدأ أمين قتاله ضد الاستعباد. المُستكشف الإيطالي جاياتانو كاساتي، الذي كان صديقًا لأمين بيه، كتب بعد عقدين من الحرب الأهلية الأمريكية:

«كان العرب، بكراهيتهم لمن لا يعتنقون أي دين، ودهسهم كل الحقوق الإنسانية، اصطادوا السكّان الأصليين كأنهم حيواناتٍ بريّة».

عاصر أمين بيه ثورة المهدي عام 1881 التي أثارت الفوضى العارمة في السودان. أرسل أمين في عام 1885 قصص مغامراته إلى الصحف الأوروبية. وفي العام التالي، جعلته الإمبراطورية العثمانية «باشا».

مهمّة إنقاذ

أحبّ أمين باشا إفريقيا، وطنه الجديد، على الرغم من احتفاظه بالكثير من القِيم الغربية، وهو ما حيّر أقرانه من الأوروبيين. ومع انقطاع أخباره وسط الفوضى التي عمّت شرق إفريقيا حينها، أرسل هنري مورتون ستانلي، الصحفي والمستكشف، حملة لإنقاذ أمين باشا والعودة به إلى الوطن. أصر ستانلي أن الحملة ليست عسكرية، ولا تهدف إلى التدمير أو التخريب، وإنما لإيصال وسائل الراحة لأمين باشا. واجهت الحملة العديد من الصعوبات، وقضى الكثير من رجال ستانلي في غابات إيتوري المظلمة، شديدة الكثافة.

وصلت الحملة أخيرًا إلى موقع أمين باشا، الذي رحّب بالإمدادات، لكنه رفض المُغادرة. لكن وصولها أدّى إلى توتّر العلاقات بين السكّان المحليين وأمين باشا، وبدأوا في التمرّد والعصيان، ليُغادر أمين مع جماعة ستانلي إلى الساحل في ديسمبر 1889.

مهمة استكشافية

في 1890، أرسلت ألمانيا أمين باشا على رأس قوّة استكشافية حول بحيرة فكتوريا الواقعة في شرق إفريقيا، لتأكيد السيادة الألمانية هناك، وكسر النفوذ العربي. عانت الحملة من السياسات الاستعمارية الألمانية، والتوترات التي يثيرها الجنود من السكان الأصليين، والأمراض المختلفة، ثم نقلت الحملة ذبابة تسي تسي المسببة لمرض النوم القاتل إلى أوغندا من الكونجو، رغم أن أحدًا لم يدرك ذلك في البداية. استمر الوضع كذلك لعامين حتى توقيع الاتفاقية الأنجلو ألمانية في الأول من يوليو (تموز) 1890، لتذهب هذه القطعة من الأرض إلى إنجلترا.

هذه المرّة، لم يستطع أمين باشا التواصل مع السكان المحليين، حيث عزلته شخصيّته – التي هي مزيجٌ من ثقافة الشرق والغرب – عنهم. وفي أواخر أكتوبر 1892، أودت مُثله الغربية بحياته: قتله اثنان من تجار العبيد.

اليوم، بعد أكثر من 120 عامًا، ما زال استعباد العرب المسلمين للسود المسيحيين يمثل مشكلة في السودان. يقول عالم الأنثروبولوجي جوك مادوت جوك في كتابه «الحرب والعبودية في السودان»، مردّدًا صدى كلمات أمين باشا بعد مرور قرن:

«إن العرب الذي يختطفون العبيد ينتقون ضحاياهم بناءً على العرق والجنس والدين، ويعتبرون السود في الجنوب كائنات أقلّ في المرتبة».

لم يُحاول أمين باشا صناعة هويّة إنسانية موحّدة، لكنّه حاول الدمج بين أفضل ما في الشرق، وأفضل ما في الغرب. إنّ الاستعماري المغرور هو الذي لا يتصوّر إمكانية أن يتعلّم من غير الغربيين، وكذلك من يحُارب الاستعمار مغرور إن كرِه التعلّم من الغرب.

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد