في نتيجة لا بد ألا تفاجئ أحدًا، صوت اليونانيون بالرفض على مطالب الاتحاد الأوروبي بفرض مزيد من إجراءات التقشف مقابل تقديم تمويل إلى اليونان لمساعدة بنوكها على العمل. وثمة ثلاثة أسباب لهذا الرفض. أولاً، أن تحالف اليسار الراديكالي الحاكم، أو حزب سيريزا، جرى انتخابه لأنه يفهم المزاج اليوناني العام. ثانيًا، أن الازدراء والاحتقار المستمر من قبل القيادة الأوروبية تجاه رئيس الوزراء ووزير المالية أقنع اليونانيين أنهم المقصودون من هذا الاحتقار وأن هذا ليس أمرًا سيئًا. وأخيرًا، والأهم، وضع القادة الأوروبيين اليونانيين في موقف لم يعد لديهم ما يخسرونه بعده. فقد تُرك اليونانيون للاختيار ما بين بديلين أحلاهما مرّ، أحدهما دمار فوري ولكن يحتمل التعافي منه، والآخر عناء لفترة طويلة ولكن بلا مخرج.

منطق الأوروبيين الخاطئ

مثلما صرَّح صندوق النقد الدولي، لا يمكن لليونان سداد القروض أو التخلص من الأزمة الاقتصادية دون إعادة هيكلة جوهرية لديونها. بما في ذلك الإعفاء من الديون والرغبة في إيجاد حل ينفذ على مدى عدة عقود. كما أوضح صندوق النقد الدولي أن زيادة إجراءات التقشف سوف تؤخر إما تعافي اليونان أو رد الديون.

ما كان واضحًا هو أن التقشف دون إعادة هيكلة جذرية من شأنه أن يؤدي حتمًا إلى التخلف عن السداد، إن لم يكن الآن، ففي فترة ما في المستقبل. والتركيز على المعاشات التقاعدية جعل الأوروبيين يبدون صارمين لكنه كان في الواقع تصرف أحمق تمامًا. فكل تدابير التقشف التي يجري المطالبة بها لن توفر ما يكفي من المال لسداد الديون دون إعادة الهيكلة الجذرية لها. لذا، فإما أن اليونان ستتخلف عن السداد، أو سيتم إعادة هيكلة الديون.

وبما أن زعماء أوروبا ليسوا أغبياء، فمن المهم أن نفهم اللعبة التي كانوا يلعبونها. لقد كانوا يعلمون تمام العلم أن الإجراءات التقشفية كانت غير ذات صلة وتضر بعملية سداد الديون. ولكنهم أصروا على هذه المعركة في هذا الوقت لأنهم يعتقدون أنهم سيفوزون بها، وكان من المهم بالنسبة لهم أن تستسلم اليونان لأسباب أخرى.

لا يعاني أي بلد آخر في الاتحاد الأوروبي مثلما تعاني اليونان. ومع ذلك، فإن عددًا من دول الاتحاد الأوروبي، لا سيما في جنوب أوروبا، يتحملون عبء ديون يرغبون في إعادة التفاوض حولها. ولكن أداءهم أفضل من اليونان هذا العام، ولكن مع الارتفاع المستمر في معدلات البطالة، على سبيل المثال بلغت معدلات البطالة 22.5 في المئة في إسبانيا اعتبارًا من مايو، ثمة أمران مبهمان: أولاً، كيف سيكون شكل هذه الدول في العام المقبل أو العام الذي يليه، وثانيًا، ما نوع الحكومات الذي سيأتي إلى السلطة، وكيف ستكون مواقف الحكومات الجديدة؟ تمثل اليونان أقل من 2 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد الأوروبي. بينما إيطاليا وإسبانيا هما أكثر أهمية بكثير. المشكلة في إعادة هيكلة الديون هي أنه بمجرد أن يتم ذلك لبلد ما، سيرغب البعض الآخر في أن يحذو حذوه أيضًا.

في اليونان، كان أمام زعماء أوروبا أزمة كبيرة وحكومة معادية. لقد كانت اليونان المكان المثالي لاتخاذ موقف حسبما ظنوا. لذا فقد كانوا متعنتين تجاه فكرة إعادة هيكلة الديون، ويطالبون بمزيد من التدابير التقشفية في بلد تجاوزت فيه نسبة البطالة 25 في المئة وبلغت نسبة البطالة بين الشباب أكثر من 50 في المئة. إن استراتيجية الاتحاد الأوروبي في الماضي كانت نفسية، وتتمثل في نشر الخوف حول ما قد يعنيه تخلف اليونان عن السداد، ونشر الخوف من عواقب الانسحاب من منطقة اليورو بحجة أن الاتحاد الأوروبي يفتقر إلى القدرة على تقديم تنازلات. لقد طالب زعماء أوروبا اليونان باتخاذ تدابير تقشف إضافية ولكن ربطوها بتأجيل السداد. وكانوا يتوقعون من اليونان مواصلة لعب اللعبة. لكنهم لم يدركوا، لسبب ما، أن حزب سيريزا جاء إلى السلطة على وعد بإنهاء المباراة. وظنوا أنه يمكن إضعاف الحزب تحت الضغط.

لكن حزب سيريزا لا يمكن إضعافه، وذلك ليس فقط لأسباب سياسية. إذا خان سيريزا تعهداته الانتخابية، سينقسم الحزب وسيتشكل حزب جديد مناهض للاتحاد الأوروبي في اليونان. ولكن على مستوى أعمق، لم يكن بوسع اليونانيين ببساطة تقديم المزيد. ومع معاناة اقتصادهم من الفوضى وإصرار أوروبا على أن الحل لم يكن التحفيز، وصل اليونانيون عند النقطة التي مثل فيها التخلف عن السداد ثمنًا يستحق السداد.

لقد أخطأ الزعماء الأوروبيون في حساباتهم. فقد ظنوا أن اليونان يمكن أن تكون أكثر مرونة، وأرادوا أن يثبتوا لأي بلد أو طرف آخر قد يرغب في مناورة مماثلة في المستقبل كم ستبلغ التكلفة. لقد خشي الأوروبيون من خطر التسوية مع اليونانيين. فخلفوا وضعًا أكثر خطورة لأنفسهم.

التهديدات الجديدة للاتحاد الأوروبي

أولا، في تعامله مع اليونان، روَّج الاتحاد الأوروبي إلى أنه مجرد منظمة وليس بأي حال من الأحوال كونفدرالية، ناهيك عن اتحاد. إن أوروبا اتحاد طالما أن أحد أعضائها لم يقع في ورطة. كان اليونانيون غير مسؤولين بلجوئهم إلى اقتراض المال. ولكن بقية أوروبا كانت غير مسؤولة هي الأخرى بتقديمها القروض. إن فكرة أن اليونانيين خدعوا المصارف الأوروبية هي محض هراء. فقد أراد المصرفيون تقديم القروض لأنهم سيجنون المال من المعاملات. وبالإضافة إلى ذلك، أنقذت المؤسسات الأوروبية التي اشترت القروض تلك الجهات التي قدمت القروض. فقد قام مقدمو القروض ببيعها لأطراف ثالثة، وباعت الأطراف الثالثة تلك القروض بدورها إلى مؤسسات الاتحاد الأوروبي. أما بالنسبة لليونانيين، لم تكن للحكومة الحالية أو الشعب هما من اقترضا المال. وبالتالي فإن هذه الحكاية ستساعد أطرافًا مثل حزب بوديموس في إسبانيا وحزب الاستقلال في المملكة المتحدة على الترويج إلى حملة تناهض الاتحاد الأوروبي.

ثانيًا، يتعين على الأوروبيين إما إكمال المباراة وتحمل الانتقادات التي نوقشت أعلاه، أو تقديم حل وسط قبل الاستفتاء اليوناني. ومن المثير للاهتمام كيف ناور الزعماء الأوروبيون في هذا الموقف. وكان جزء من ذلك أنهم عجزوا عن تخيل أن الحكومة اليونانية لم تستسلم إلى الاتحاد الأوروبي وألمانيا وبقية الدول. ومثل جزء آخر من ذلك أنهم لا يستطيعون تخيل عدم إدراك اليونانيين ما يعنيه التخلف عن السداد بالنسبة لهم.

لم يأخذ زعماء أوروبا مخاوف اليونانيين على محمل الجد. بالنسبة لليونانيين، كانت هناك مشكلتان. المشكلة الأولى هي الكيفية التي سيبرمون بها الصفقة التي يحتاجونها. ولكن لم يكن ذلك من باب التسول ولكن من خلال إقناع الأوروبيين بأنهم على استعداد للمضي، وهو تكتيك يعرفه أي شخص في شرق البحر الأبيض المتوسط. الثانية، كما يعلم أي مساوم جيد، من الضروري أن تكون مستعدًا للمضي وليس مجرد الخداع بذلك. لقد روج سيريزا فكرة أن اليونان لن تغادر منطقة اليورو، إلا أن الحكومة سوف تستخدم “لا” للتصويت على الاستفتاء للتفاوض على صفقة أفضل مع قادة الاتحاد الأوروبي. ومع ذلك، فإن كل الحملات السياسية تخضع للحقائق الجغرافية السياسية، وقد احتاج سيريزا إلى طرح كل الخيارات على الطاولة.

كانت قيادة الاتحاد الأوروبي مقتنعة بأن اليونانيين يخادعون، في حين عرف اليونانيون أنه مع ارتفاع مستوى الرهانات، فإنهم عاجزون عن الخداع. ولكن اليونانيين عرفوا أيضًا أنه في حين أن التقصير من شأنه أن يخلق أزمة سيولة ضخمة على المدى القصير في اليونان، فمع وجود ضوابط للتحكم في سعر العملة وعملة جديدة خاضعة لسيطرة الحكومة اليونانية، فإنه سيكون من الممكن تجاوز الأزمة قبل أن يتبدد الشعور بالتعبئة. إن العديد من البلدان تؤدي بشكل أفضل في الأزمات الشديدة القصيرة أكثر من الأوقات العادية.

البدائل المتاحة أمام اليونان إذا غادرت الاتحاد الأوروبي

إذا انسحبت اليونان من الاتحاد الأوروبي، فتأثير ذلك على اليورو سيكون محدودًا. هناك من يدعون أنه سيكون له تأثير كارثي على اليورو، ولكن لا سبب لذلك. ما قد يكون في غاية الخطورة هو الانسحاب من منطقة اليورو والنجاة من الأزمة، إن لم يكن الازدهار. يركز اليونانيون اهتمامهم حاليًا على الاتحاد الأوروبي كمصدر للمال، وهناك افتراض يقضي بأنهم سيضطرون للخروج من الأسواق المالية العالمية إذا تخلفوا عن السداد. ولكن هذا ليس واضحًا.

أمام اليونان ثلاثة مصادر بديلة للمال. الأول هو روسيا. تعود العلاقة ما بين اليونانيين والروس إلى السبعينيات. وكان ذلك يثير غضب الولايات المتحدة وأوروبا بشدة. ولكن الآن يبحث الروس عن النفوذ لاستخدامه ضد الأوروبيين والأمريكيين. يمر الروس بأوقات صعبة ولكن ليس كما كانت قبل بضعة أشهر مضت، واليونان هي الجائزة الاستراتيجية. وقد تحدث اليونانيون والروس إلى بعضهم ولكن نتائج المحادثات غير واضحة. بدأت قمة بريكس في 6 يوليو في روسيا، حيث يشارك فيها اليونانيون كمراقبين، وربما يطمحون لنوع من الصفقة. وقد صرحت روسيا أنها لن تعطي قرضًا مباشرًا إلى اليونان ولكن سوف تستفيد من الأزمة للاستحواذ على أصول ثابتة في اليونان والالتزام بمشروع خط أنابيب ستريم التركي. ومع ذلك، فإن إنقاذ اليونان سيمنح روسيا فرصة ذهبية لإعاقة عمليات حلف شمال الأطلسي وإيجاد موطئ قدم لها في مكان ما بخلاف أوكرانيا. إن الرأي السائد في أوروبا الوسطى هو أن روسيا واليونان كانتا قد توصلتا لتفاهم منذ عدة أشهر حول خطة إنقاذ، التي يمكن أن تكون السبب في تصرف اليونانيين بهذا التبجح.

مصدر آخر، وإن كان أقل احتمالاً، للأموال أمام اليونان هو الصين وبعض شركائها. يحاول الصينيون تقديم أنفسهم كقوة عالمية حقيقية، وذلك دون قوة عسكرية عالمية ومع اقتصاد ضعيف. وعملها وحدها أو مع الآخرين لمساعدة اليونانيين لن يعتبر خطوة حمقاء من جانبهم، نظرا لأنه سيمكنها من تدشين نفوذ إقليمي بتكلفة منخفضة نسبيًا. ومع ذلك، فإنه قد يؤدي إلى تنفير جزء كبير من الاتحاد الأوروبي، مما يجعل المساعدة الصينية احتمالاً ضئيلاً.

وأخيرا، هناك صناديق التحوط الأمريكية وشركات الأسهم الخاصة، التي تتسم بوفرة في السيولة لأن الأوروبيين والصينيين ودول الشرق الأوسط تبحث عن الأمان الاستثماري لديها وتواجه أسعار فائدة قريبة من الصفر في المئة. وقد اتخذ العديد منهم مخاطر أكبر من هذه. إن حكومة الولايات المتحدة قد لا تثنيهم لأنها ستكون أكثر قلقًا بشأن النفوذ الروسي أو الصيني في شرق البحر المتوسط.

وبعد سدادها ديونها إلى أوروبا ونجاتها من الأشهر الصعبة حقا بعد تخلفها عن السداد، قد تمثل اليونان فرصة استثمارية مثيرة للاهتمام. ونحن نعلم من الأرجنتين أنه عندما تتخلف دولة عن السداد، لا يتم إنشاء جدار حولها. اليونان له قيمة، وبغياب الديون، ستمثل فرصة استثمارية ذات مخاطر عالية ولكن جذابة.

وهكذا، فقد حشر القادة الأوروبيون أنفسهم في زاوية لا يرغبون بها. وإذا تمسكوا بموقفهم، فسيفتحون الباب لفكرة أن هناك فرصة للتخلي عن الاتحاد الأوروبي، وهي الفكرة الوحيدة التي لا يريد قادة الاتحاد إثبات صحتها. وهكذا، فمن المرجح أن يتفاوض الأوروبيون من أجل إبرام صفقة تحظى بقبول اليونان. ولكن هذه أيضًا سابقة لا يرغب الاتحاد الأوروبي في وضعها.

وخلف كل هذا، يفكر الألمان في مستقبل الاتحاد الأوروبي. يتملك الألمان قلق ضئيل بشأن اليورو أو أزمة الديون اليونانية عن مشكلة منطقة التجارة الحرة التي ستحتوي صادراتهم الضخمة. وبالتحكم في الدين وتخلفها عن السداد، ليست اليونان سوى سوق صغيرة. وآخر ما يريدونه هو أن ينتشر الأمر، أو أن تصبح ألمانيا مجبرة على دفع تكاليف إنقاذ اليونان. وهكذا، يتعين أن يتحول انتباهنا من اليونان إلى ألمانيا. فهي قلب الاتحاد الأوروبي النابض، وهي من سيتخذ القرار بشأن الخطوة المقبلة، وذلك ليس لصالح الكتلة، وإنما لصالح ألمانيا، التي حُشرت في نفس الزاوية مثل بقية دول الاتحاد الأوروبي.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد