إنه ليس «عنفًا خارجًا عن السيطرة» كما يروج البعض، لكنه عنف مخطط ومرخّص. فإن ادعاء بشار الأسد بالقضاء على «الإرهابيين» ترقد تحته حقيقة مجردة: لا أحد سيوقفه.

علقت صحيفة «الجارديان» البريطانية على الأحداث الدامية التي تشهدها مدينة الغوطة الشرقية في سوريا، وقالت الصحيفة في افتتاحيتها التي نشرت مساء أول أمس، الثلاثاء، إنه مع تزايد أعداد القتلى في جيب المعارضة المحاصر؛ لا يبدو أن الحرب السورية المتشابكة ستنتهي قريبًا.

وتضيف الصحيفة: «أطفال مخضبون بالدماء، وآخرون مشوهون أو مبتورو الأطراف. أطفال يتم استخراجهم من بين الحطام يكسوهم اللون الرمادي والغبار، تسد الرمال أفواههم ورئاتهم. أطفال فقدوا أمهاتهم أو آباءهم أو إخوتهم. وهؤلاء هم الناجون!».

«أنا وابن عمي على الغريب».. الأكراد يستنجدون بـ«الأسد» لمنع تركيا من دخول عفرين

وأشارت الافتتاحية إلى البيان الذي أصدرته منظمة «الأمم المتحدة للطفولة» (يونيسف) وخرج البيان «خاليًا من الكلمات» تعبيرًا عن غضب المنظمة، وقالت «اليونيسف»: إن ما يحدث لا يمكن وصفه بكلمات.

تصاعدت المعاناة في الغوطة الشرقية مرة أخرى، بعد سنوات طويلة من الحصار، وعدد من هجمات الأسلحة الكيميائية، بما فيها هجمة 2013 المدمرة باستخدام غاز السارين. وفي وسط هذا الرعب، يتساءل أحد المحاصرين هناك باستنكار: «هل نحن على قيد الحياة فعلًا؟ هل يعلم الآخرون أننا موجودون بالأساس، وأننا نحيا في هذه الأقبية؟».

تضيف الصحيفة أنه منذ أقل من سنة، وباتفاق روسي– إيراني– تركي؛ تم إعلان جيب المعارضة في ريف دمشق «منطقة آمنة». هناك الآن ما يقرب من 400 ألف شخص محاصر، وفي الأشهر الأخيرة مات 700 منهم، لكن في الهجمات الأخيرة خلال الأسبوع الجاري قتل أكثر من 250 شخصًا، بحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، وقدر عدد القتلى أمس الأربعاء فقط بحوالي 24 قتيلًا.

ومنذ الاثنين الماضي أعلن قصف سبعة مستشفيات، وقال شهود العيان إنه تم استخدام البراميل المتفجرة. وتعلق الصحيفة على الأمر: «إن هذا الحصار والقصف لا يعتبر جريمة حرب، إنما جريمة حرب فوق جريمة حرب فوق جريمة حرب».

إن دعوات الأمم المتحدة لوقف إطلاق النار لم يلتفت إليها أحد. إذا كان هناك أي تغيير في الأوضاع فهو غالبًا سيكون للأسوأ، إذ قال قائد في قوات الأسد لوكالة «رويترز»: «إن الهجمات لم تبدأ بعد، وهذا قصف تمهيدي». وحذر السوريين من أن هذا قد يكون أكثر فظاعة من الحصار المرعب الذي واجهته مدينة حلب. إن أحد الأطباء في الغوطة الشرقية شبه ما يحدث بمذبحة سربرنيتسا التي ضغطت على المجتمع الدولي لدرجة دفعته إلى وعدٍ بعدم تكرارها مرة أخرى. لكنها تكررت، ولا أحد حتى يطلق مثل هذه الوعود الآن.

مترجم: اتفاق عسكري وشيك.. هل يصبح لبنان المحطة الجديدة لبوتين في الشرق الأوسط؟

تصف «الجارديان» الأمر بأنه ليس «عنفًا خارجًا عن السيطرة» كما يروج البعض، لكنه عنف مخطط ومرخّص. فإن ادعاء بشار الأسد بالقضاء على «الإرهابيين» ترقد تحته حقيقة مجردة: لا أحد سيوقفه. وتستشهد الصحيفة بما كتبه المؤرخ الإغريقي ثوسيديديس في القرن الخامس قبل الميلاد: «الأقوياء يفعلون ما يستطيعون، والضعفاء يعانون ما يجب أن يعانوا»، جاء ذلك في وصفه لمبررات أثينا في حصار ميلوس، والثمن المرعب الذي فرضوه على أهل ميلوس جزاء مقاومتهم. يعتقد المؤرخ أن الحرب أطلقت العنان للطمع والطموح والقسوة والوحشية، كما أنها ولدت المزيد من ذلك، وأحطت وزيفت المعايير الأخلاقية، وخلقت المزيد من الصراع.

وفي سوريا، فإن الأسباب الأصلية لهذا الصراع المستمر منذ سبع سنوات، تحسبها منذ وقت طويل مصالح الأطراف المتعددة والسعي وراء الأرباح في اقتصاد الحرب. وتضيف الصحيفة أن الأطراف القوية استثمرت ما يكفي لجعلها لا تتراجع الآن، أو تلقي بالًا للسوريين الذين تحطموا بطموحهم. كما أن الغوطة الشرقية التي كانت يومًا ما منتجة الحبوب والخبز لدمشق، الآن تختنق بالغبار ويملؤها الجوع. إن هذه الحرب المتداخلة قد سرقت حياة نصف مليون سوري على الأقل، وشردت نصف السكان، وأجبرت ستة ملايين على الفرار إلى الخارج حيث حياة غير مستقرة، وتقابل معاناتهم هناك برد فعل غير ملائم، وفي أسوأ الأحوال بكلمات تفتقر للاهتمام أو عدوانية.

وتشير افتتاحية الصحيفة إلى أنه مع معاناة الغوطة الشرقية فإن هناك تطورين آخرين يسلطا الضوء على الخلافات المضاعفة لهذه الكارثة، بالإضافة إلى حقيقة أنه لا نهاية للحرب تلوح في الأفق. يوم الثلاثاء الماضي، هاجمت القوات التركية قافلة تابعة لقوات موالية للنظام، وكانت الأخيرة في طريقها لدخول شمال غرب منطقة عفرين بهدف مساعدة المقاتلين الأكراد هناك لصد هجوم أنقرة.

وفي الوقت ذاته اعترفت موسكو أن عشرات المحليين والمواطنين من إحدى دول الاتحاد السوفيتي السابق قتلوا في غارة لقوات التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة على دير الزور في شرق سوريا، وقبل أسبوعين كانت موسكو نفت تقارير أوردت قتل عدد من المرتزقة، ووصفت التقارير بأنها «معلومات مضللة» تقليدية. تقول الصحيفة إن ذلك يؤكد –كما فعلت الولايات المتحدة في العراق- أن سحق عدوك لا يعني بالضرورة الفوز، إذ إنهم ما زالوا يفتقرون إلى القدرة على إيجاد مخرج.

وتختتم الصحيفة افتتاحيتها بأن الولايات المتحدة أيضًا لا تفكر في المغادرة، بحسب ما أوضحته وزارة الخارجية. كما أن إسرائيل تغرق أكثر في الفوضى وهي تواجه عدوتها الجريئة إيران، وتسعى لإبقاء الميليشيات السورية التابعة لحزب الله بعيدة عن الحدود. إن التحالف غير المجدي الذي نشأ من هذه المعركة لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) قد انهار، وانهارت معه الخلافة، وسيظل مقاتلو داعش خطرًا داخل سوريا وأبعد من ذلك، لكن الأطراف المتنوعة المنخرطة في الحرب ولت وجهها صوب أعداء آخرين. وكما حذر المؤرخ ثوسيديديس، فإن الحرب لها منطقها ومسلكها الخاص. إن هذه الكارثة المتشابكة تستمر في النمو.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد