هناك مثل تركي يقول “يريد المصارع المهزوم دائمًا خوض مباراة أخرى”. كان من الممكن أن يصاغ لوصف الوضع المزري بشكل متزايد في تركيا في السنوات الأخيرة تحت حكم رجب طيب أردوغان. وهو بلا شك سياسي بارع وسريع البديهة، فقد عرض في البداية برنامجًا وسياسات داعبت مشاعر الكتل التقليدية والقطاعات الأكثر حداثة في المجتمع، ورجال الدين، والطبقات الأكثر علمانية، والمنحدرين من أصول تركية، والأقليات، وخاصة الأكراد.

 

يتولى حزب العدالة والتنمية المسؤولية منذ ما يزيد على 13 عامًا وأردوغان نفسه على رأس السلطة منذ عشر سنوات. لكنه لم يكن أبدًا يميل بشكل غريزي نحو الديمقراطية، ويحترم المبادئ الدستورية، أو استقال لإحداث تغيير في السلطة تطبيقًا للديمقراطية الحقيقية، وكان سلوكه نحو أي انتكاسة دائمًا هو الالتفاف على العقبة عبر وسائل أخرى. في الانتخابات العامة التي جرت في يونيو من هذا العام كان يأمل في الفوز بأغلبية كبيرة بما يكفي لتغيير الدستور لتحويل منصب الرئاسة الشرفي الذي يشغله الآن إلى منصب تنفيذي. بدلًا من ذلك، جرد الناخبون حزب العدالة والتنمية من الأغلبية البسيطة التي كان يتمتع بها دائمًا، رافضين خطته لاستمراره الرجل الأكثر نفوذًا في البلاد بعد مبادلة رئاسة الوزراء برئاسة الجمهورية.

 

لا يحب الرئيس أردوغان كلمة لا، ولهذا دفع بلاده إلى صناديق الاقتراع يوم الأحد، وقد استعاد أغلبيته. الأصوات تظل أصواتًا، والسياسة ليست عملية تجارية بحتة في أي بلد، ولكن المشكلة مع ذلك هي كيفية تحقيقه هذا النصر. الإجابة الفورية هي أنه قوض بناء التحالفات التي كان من شأنها منح البلاد حكومة مستقرة بعد انتخابات يونيو، وعمل على إفشالها ليتمكن من الحصول على هذه الفرصة الثانية. كان هذا تعجرفًا، ولكنه مميز.

 

شهدت السنوات اللاحقة للفترة التي قضاها في السلطة انخفاضًا في جميع المراكز المستقلة للسلطة. فقد قلص حجم الجيش التركي، يمكن القول إن هذه الخطوة ضرورية، ولكن الوسائل المتبعة كانت مثيرة للشكوك. واختلف مع شريكه الخفي، حركة غولين، وقلص نفوذها في وسائل الإعلام والتعليم. وعمل على تسييس القضاء ووكالات إنفاذ القانون، وقد مثل التقرير السنوي حول حقوق الإنسان التي تصدره واشنطن حول تركيا هذا الصيف واحدًا فقط من العديد من أدلة الإدانة الأخيرة.

وقد أصبح الضغط على وسائل الإعلام مكثفًا، سواء على الكتاب الأفراد أو عبر التلاعب بالصحافة من خلال العلاقات مع الشركات الكبيرة التي تملكها، أو في بعض الحالات، التي اشترتها بطلب من الحكومة. وقد أصبح الوضع أسوأ بكثير في الفترة التي سبقت هذه الانتخابات، وذلك وفقًا لتقرير صادر عن المعهد الدولي للصحافة.

 

لم ينج حزب الرئيس أردوغان نفسه من عملية جمع السلطة هذه. وبصرف النظر عن الانتقادات النادرة التي أطلقها الرئيس السابق عبد الله جول، والانقسامات والمناقشات الصحية التي تحدث في منظمة ديمقراطية والتي عادة ما كانت غائبة. كتب أحد الأعضاء السابقين في حزب العدالة والتنمية مؤخرًا أن عملية تطهير الحزب من المعتدلين واستبدالهم بشخصيات دينية محافظة بدأت منذ سنوات. “أولئك الذين طرحوا أسئلة، أو أبدوا النقد البناء تم التخلص منهم عمومًا بسبب الاعتدال”، جرى طردهم من الحزب.

 

كان أسوأ تطور حدث في الأشهر الأخيرة هو العودة إلى الحرب مع حزب العمال الكردستاني، الحركة المسلحة الكردية. كانت عملية السلام قد تعثرت بين حزب العمال الكردستاني، وحزب الشعوب الديمقراطي الكردي، وربما لعب ذلك دورًا في عودة الحرب بين القوات الحكومية ومقاتلي حزب العمال الكردستاني. ولكن ذلك ما كان ليحدث لو لم يشرف أردوغان على عملية الانهيار، التي استفاد منها بالتأكيد، والقول مرارًا وتكرارًا إن البلد يعاني من الإرهابيين من مختلف المشارب ويتهم حزب الشعوب الديمقراطي كونه وكيلاً لحزب العمال الكردستاني. عزز وقوع عدة تفجيرات مروعة، فضلاً عن الحملة الجوية التركية في سوريا، من رسالة أن العنف في كل مكان وأن تركيا بحاجة إلى يد قوية من أجل عبور الأوقات الصعبة.

 

استعاد الرئيس أردوغان الأغلبية البرلمانية، ولكن تعرضت تركيا للضرر في هذه العملية. فقد تم تقويض مؤسساتها المستقلة، وتم تجاهل القواعد الدستورية، وتدهورت العلاقات بين العرقيتين التركية والكردية، وعاودت الانزلاق في حرب اعتقد الجميع أنها قد انتهت. ليس غريبًا أنه منذ توليه منصبه كرئيس لم يتصرف كشخصية شرفية، متجاوزًا قواعد السياسة التي نص عليها الدستور. سيواصل السعي للحصول على التغييرات التي يريدها، وإذا لم يحصل عليها، فسوف يتصرف كما لو أنها حدثت بالفعل. للأسف، من غير المرجح أن تمثل هذه الانتخابات مرور تركيا نحو المياه الهادئة.

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد