استعرض الباحث التركي المتخصص في الشئون الخارجية كمال كريتشي الموقف التركي الأخير الذي تبنته في أزمة الحصار الذي فرضته عدد من الدول العربية على قطر، والنهج الذي يجب على السياسة التركية أن تتبناه في الوقت الراهن في منطقة الشرق الأوسط التي تموج بالصراعات والنزاعات.

وقال الكاتب التركي في مستهل مقال نشره موقع مركز «بروكنجز» للدراسات: «دخلت أزمة الخليج مرحلة جديدة الأسبوع الماضي، عندما قدمت السعودية وحلفاؤها 13 مطلبًا لقطر من أجل رفع الحصار عنها. وتضمنت القائمة إغلاق قاعدة تركيا العسكرية في قطر ووضع حد لدعم (التنظيمات الإرهابية) التي تم تعريفها بشكل غامض، وكذلك لجماعة الإخوان المسلمين».

جاء التحول في السياسة الخارجية التركية – وما نجم عن ذلك من خسارة في الهيبة مكلفًا، حيث فقدت تركيا محاولتها لكسب دورة أخرى في عضوية مجلس الأمن غير الدائمة في عام 2014.

وأضاف الكاتب أن الأزمة نفسها – ولا سيما هذه المطالب – تثير قلقًا عميقًا بالنسبة لتركيا. لم يقتصر الأمر على عرض تركيا للتوسط في النزاع، ولكن السعودية تتحدى الآن علاقاتها الوثيقة مع قطر ونشر قواتها التركية في البلاد. وبالإضافة إلى ذلك، لم ترحب الرياض بعرض أنقرة لإقامة قاعدة أخرى فى المملكة دليلًا على نواياها الودية والاستثمار في الأمن الإقليمي.

وأشار الكاتب إلى أن تركيا تبدو عالقة، من جهة، بسياسة عرفها المعلقون منذ فترة طويلة بأنها سياسة «جيران بلا مشاكل»، ومن ناحية أخرى، هناك «سياسة الأمر الواقع» التي تمليها مصالح الدول القومية.

اقرأ أيضًا: بالرغم من حياده الظاهر: 4 أسئلة تشرح لك كيف اصطف أردوغان إلى جانب قطر

كيف وصلت علاقات تركيا مع الخليج إلى هذا الحد؟

بحسب الكاتب، كان رئيس الوزراء التركي السابق داوود أوغلو مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بسياسة «جيران بلا مشاكل» في تركيا. وقد ظهرت هذه السياسة في السنوات الأولى من تولي حزب العدالة والتنمية السلطة، عندما حسنت تركيا بشكل ملحوظ علاقاتها مع جيرانها، وشرعت في مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، ووسعت نطاق التكامل الاقتصادي مع محيطها الإقليمي.

وفي عام 2007، استضافت تركيا محمود عباس وشيمون بيريز وألقى كل منهما خطابًا أمام البرلمان الوطني. وقد بذلت أنقرة جهود الوساطة في المنطقة، بما في ذلك المحادثات القريبة بين إسرائيل وسوريا. ولا عجب أن أطلقت مجلة «الإيكونوميست» البريطانية قبل أقل من سبع سنوات على الحكومة التركية، ولا سيما داوود أوغلو لقب «الوسيط الكبير». وفي هذا السياق، انتخبت تركيا بفارق كبير لمقعد غير دائم في مجلس الأمن الدولي في عام 2007. ولم تحتل تركيا هذا المقعد منذ عام 1961.

إن الصورة تبدو اليوم مختلفة جدًا. وهي تتميز بالنزاعات المتزايدة باستمرار، التي تواجهها تركيا مع بلدان في محيطها الإقليمي وخارجه. وقد شوهت المشاكل السياسية الداخلية وتزايد السلطة الاستبدادية «قوتها الناعمة» التي كانت في الماضي نموذجًا للعديد من البلدان الإسلامية التي تطمح إلى اقتصادات ديناميكية وأنظمة سياسية ديمقراطية.

وقد جاء التحول في السياسة الخارجية التركية، وما نجم عن ذلك من خسارة في الهيبة مكلفًا، حيث فقدت تركيا محاولتها لكسب دورة أخرى في عضوية مجلس الأمن غير الدائمة في عام 2014. وعلى الرغم من أن التصويت يتم بطريقة سرية، فإنه لن يكون من المستغرب إذا كانت عدد من الدول العربية – بما فيها الدول المشاركة في أزمة قطر – قد صوتت ضد تركيا في عام 2014، بحسب ما ذكر الكاتب.

وأوضح الكاتب أن التحول من سياسة «جيران بلا مشاكل» إلى سياسة «لا جيران بدون مشاكل» قد حدث في أعقاب الربيع العربي. رأى داوود أوغلو في الثورات الشعبية فرصة لعهد جديد في الشرق الأوسط من شأنه أن يرى ظهور حكومات منتخبة بقيادة الإخوان المسلمين.

اقرأ أيضًا: «بلومبيرج»: كيف يمكن إصلاح ما أفسده ترامب في أزمة الخليج؟

وفي خطاب ألقاه أوغلو في ولاية دياربكر عام 2013، وصف هذه العملية بـ«الإصلاح الكبير»، قائلًا إن الثورات ستتيح الفرصة لتركيا لإغلاق القوس في الوقت الذي يواجه فيه الشرق الأوسط نظامًا غربيًا قائمًا على الدولة القومية. رأى القومية قوةً غريبة على الإسلام، زرعتها القوى الغربية لتفريق وحدة الأمة الإسلامية. وتوقع أنه مع سقوط أنظمة قمعية في تونس وليبيا ومصر، سيغادر الأسد السلطة في سوريا. ومن شأن تركيا، باعتبارها دولة مركزية، أن تقود هذا «الإصلاح الكبير».

تغيير الخطة

إلا أن الكاتب أورد أن «سياسة الواقع» فرضت كلمتها. تفككت ليبيا في حالة من الفوضى. وتجنب راشد الغنوشي الوقوع في فخ الأغلبية، وبدلًا من ذلك دفع حزب النهضة الإسلامي في تونس، إلى التعاون مع الأحزاب العلمانية. وفي مصر، تمت الإطاحة بحكومة محمد مرسي المنتخبة شعبيًا في مصر عن طريق انقلاب عسكري. وغرقت سوريا في حرب أهلية وحروب بالوكالة.

وفي محاولة لتغيير النظام في سوريا، وقفت تركيا مع قطر والسعودية ضد الأسد وحلفائه العراق وإيران وروسيا. وبعد استقالة أوغلو في مايو (أيار) 2016، أعلن رئيس الوزراء الجديد، بن علي يلديرم، أن تركيا تسعى إلى «زيادة عدد أصدقائنا» و«تقليل عدد أعدائنا».

هذه السياسة العملية ترجمت على الفور إلى التوافق مع روسيا وإسرائيل، فضلًا عن الاستسلام للواقع الجديد في سوريا، الذي فرضته روسيا. تخلت تركيا عن مطلب تغيير النظام في مقابل منع كيان عسكري كردستاني من الانفصال على طول حدودها مع سوريا. وبدأت الحقيقة تتخلى عن الأفضليات الأيديولوجية.

خيارات أنقرة

ومع ذلك، أوضح الكاتب أن رد فعل تركيا على أزمة قطر يدل على حدود البراغماتية والواقعية. من الواضح أن إرث داوود أوغلو ما زال حيًا، ويساعد على تفسير قرار تركيا بإلقاء ثقلها وراء قطر، حيث يتشارك الطرفان الروابط الأيديولوجية (الدفاع عن قضية الإسلام السياسي)، على الرغم من وجود اعتبارات السياسة الواقعية في منطقة الشرق الأوسط المتنازع عليها بشكل متزايد. عند هذه النقطة، من الصعب أن نقول إلى أي مدى ستكون تركيا مستعدة للحفاظ على موقفها، وفقًا للكاتب.

لقد حان الوقت للتخلي عن مشروع «الإصلاح الكبير» الذي تحدث عنه داوود أوغلو، مع الاعتراف بأن الربيع العربي فشل إلى حد كبير في تحقيق الديمقراطية والحكم الخاضع للمساءلة في منطقة تخضع لحكم الإخوان المسلمين.

وما تزال وسائل الإعلام الموالية للحكومة تتبنى الدعم لقضية قطر. دعا إكمليتين إهسانوغلو، من ناحية أخرى، -عضو البرلمان من حزب العمل الوطني المعارض، وقبل ذلك الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي- تركيا إلى العودة إلى سياستها الخارجية الجمهورية التقليدية: بدلًا من التدخل النزاعات بين الدول العربية، يجب على تركيا أن تتبنى الحيادية المبدئية. وأشار إلى مشورة الآباء المؤسسين في تركيا – بما في ذلك أتاتورك نفسه – ولكن مثل هذا النهج يتوافق أيضًا مع سياسة «جيران بلا مشاكل» التي تبناها حزب العدالة والتنمية.

وقد جلبت تلك السياسة لتركيا-بحسب الكاتب- مكانة ونفوذًا كبيرين، فضلًا عن القدرة على التوسط في النزاعات. وعلى العكس من ذلك، فإن الإصرار على أجندة سياسة خارجية مدفوعة بمزيج من الاعتبارات الأيديولوجية وسوء فهم للسياسة الواقعية، من المرجح أن يصب في مصلحة سياسة «لا جيران بدون مشاكل»، ومن غير المرجح أن يسهم في حل تحديات المنطقة أو تعزيز نفوذ تركيا.

اقرأ أيضًا: ديفيد هيرست: لماذا لم يرد اسم حماس في قائمة المطالب السعودية المقدمة إلى قطر؟

واختتم الكاتب بقوله: لقد حان الوقت للتخلي عن مشروع «الإصلاح الكبير» الذي تحدث عنه داوود أوغلو، مع الاعتراف بأن الربيع العربي فشل إلى حد كبير في تحقيق الديمقراطية والحكم الخاضع للمساءلة في منطقة تخضع لحكم الإخوان المسلمين. يجب أن تسعى أنقرة بدلًا من ذلك إلى تحقيق هدف بن علي يلديرم المتمثل في زيادة الأصدقاء والتقليل من الأعداء.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد