يروق لمعظم الناس الانفراد بأنفسهم ولو سويعات قليلة كل يوم. فللعزلة رونقها وفوائدها، فهي تصفي الذهن وتجعله ينطلق في الإبداع. لكن الإكثار من الانعزال له مضاره، فقد يتحول الأمر إلى شعور بالوحدة والانعزال. ولكن لو وظفنا الأمر بالشكل الصحيح، لجنينا الاستفادة منه.

لا تسير الحياة دومًا مثلما يريد المرء، فكما أنه يختلي بنفسه اختيارًا، فقد تشاء الأقدار بأن يقضي شطرًا من حياته وحيدًا. إلا أنه لا يزال بوسعه جني الاستفادة في كلتا الحالتين.

جرى تعريف العزلة في علم النفس الاجتماعي على أنها التواجد بصورة مادية على انفراد، أو تجنب التعامل مع الحاضرين في نفس المكان. كان ثمة منطق قديم يتساءل «لو أن شجرة سقطت في غابة خالية، فهل ستصدر صوتًا؟» يقول الكاتب إنه بعد بحث منه أتى بنسخة جديدة من هذا المنطق تقول «إذا كان هناك شخص يعبث في هاتفه في الغابة وسقطت شجرة دون أن يلاحظ، فهل هذا يعد عزلة؟».

كيف يبدو شعور أن يكون الإنسان وحيدًا؟

أصبح صعبًا على المرء الآن الانعزال بشكل كامل مع بزوغ فجر ثورة الهواتف المحمولة ووسائل التواصل الاجتماعي. ولم تعد الطرق القديمة والأفكار التي كنا نقيس بها العزلة قابلة للتطبيق، فبتنا في حاجة إلى أساليب علمية جديدة لتحقيق فهم أعمق للأمر. فلم نعد قادرين على معرفة مقدار العزلة التي يحصل عليها الناس، وهل تأتي عليهم بالنفع أم لا.

في الصيف الماضي تحدثت البروفيسورة شيري تيركل في كتابها الجديد «استعادة التواصل بين الناس» عن فوائد ومساوئ الوسائط الرقمية وانحسار اللقاءات الشخصية. ويحدد الكتاب بعض المعايير التي قد تساعدنا على قياس العزلة في العصر الرقمي.

تقول تيركل إن القدرة على التواصل في أي وقت تعني أننا لن نجرب العزلة الاضطرارية. وترى تيركل أن الهواتف النقالة سهلت علينا تجنب الانعزال في حياتنا. «نحن نجد أنفسنا في العزلة» تقول تيركل. ولهذا فقد نحتاج إلى العزلة الإجبارية أحيانًا حتى نجني الفوائد المرجوة.

لم يعد بمقدورنا الانعزال كالسابق وذلك بسبب التقدم الهائل في مجال الاتصالات. فقد أصبح الناس مدمنين على الهواتف، إذ تبين استطلاعات الرأي أن 80% من المراهقين في الولايات المتحدة يتحققون من هواتفهم كل ساعة.

والمشكلة في ذلك أنه بعد أن أصبحت أدوات التكنولوجيا جزءًا لا يتجزأ من حياتنا، فعندما يومض الهاتف، يسارع الناس إلى النظر فيه، وما عدنا نشعر بمدى ارتباطنا بتلك الأجهزة في حياتنا اليومية. ولهذا فإن البعض وصل به الحال إلى إرسال الرسائل أثناء قيادة السيارة.

يحكي الكاتب تجربة حدثت له حين كان في زيارة إلى حظيرة للقرود، عندما سمحت الإدارة باختلاط القرود بالبشر، فاندفعت القرود صوب الحاضرين للهو معها، وبدلًا من أن يبادلها الحاضرون نفس السلوك، سارعوا لا إراديًا إلى إخراج هواتفهم لالتقاط الصور.

لا يزعم أحد أن الإنسان في حاجة إلى مزيد من العزلة، ولكن قد يكون من الجيد قضاء بعض الوقت على انفراد للتفكر والتخطيط للأنشطة اليومية في الحياة.

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد