في مطلع شهر يونيو/ حزيران الماضي عقد رجلان مهتمان بالحروب الصينية أمسية ثقافية سويًا، وذلك في أحد المنازل الفخمة في منطقة جورج تاون الممتلئة بالأشجار، والتي تقع بالعاصمة واشنطن. وعلى غير العادة، كان أحدهما (ليو مينغ فيو) العقيد المتقاعد بجيش التحرير الشعبي الصيني ومؤلف كتاب (الحلم الصيني) الذي يتناول محتواه إمكانية أن تحل الصين بدلًا من الولايات المتحدة، باعتبارها البلد الأقوى على مستوى العالم. ويرى ليو أنه ينبغي على حكومة بكين إنفاق المزيد من الموارد من أجل تقوية الجيش، ومن ثَم لن تجرؤ الولايات المتحدة على أن تتبارى مع الصين في المناطق المحيطة بمياهها الإقليمية. وذكر العقيد المتقاعد رؤيته في كتابه قائلًا: “ينبغي إرسال المزيد من حقائب النقود إلى صانعي الرصاص والأسلحة”. وقد نُشر كتابه في عام 2010، وهو الكتاب الذي يُعتقد أنه لعب دورًا في التأثير على الرئيس الصيني شي جين بينغ الذي اتخذ عنوان الكتاب شعارًا مفضلًا له.

 

كان ليو في واشنطن منذ فترة، وذلك في جولة متعلقة بكتابه الذي نُشرت نسخته الإنجليزية في مايو/ أيار الماضي. وتقاسم ليو الأمسية مع صاحب المنزل الفخم الدكتور (مايكل  بيلسبري) الذي يُعرّف نفسه بأنه مؤيد سابق للشيوعية الماوية (الصينية)، كما أنه عمل لفترة طويلة خبيرًا إستراتيجيًا بالشئون الصينية في البنتاغون. ويطرح كتاب بيلسبري، الذي يحمل عنوان (سباق المائة عام) ونُشر في بداية العام الحالي، فكرة أن لدى الصين إستراتيجية سرية لكي تحل محل الولايات المتحدة باعتبارها القوى العظمى عالميًا بحلول 2049، أي بعد مرور مائة عام على بداية سيطرة ماو تسي تونغ على زمام الحكم في البلاد. أخبرني بيلسبري أن الصين تفوقنا دهاءً في لعبة العروش بكل تأكيد، ونتيجة لذلك فإن الولايات المتحدة في حاجة إلى إستراتيجية للتعامل مع هذا الصعود الصيني.

 

وخلال الأمسية، أخبر ليو الجمهور أنه بحق يحب الدكتور بيلسبري، أما الحضور فهم مجموعة من مراقبي الشئون الصينية الذين يميلون باعتدال ناحية الفكر اليميني­، وهم بعيدون بما فيه الكفاية عن الفكر اليساري حتى أن أحد المعتدلين منهم أحس بحاجة إلى إخباري سرًا قائلًا: “إنه لمن السخرية تواجدي بهذا المكان”. وقال ليو إن أحد أصدقائه حذره أن بيلسبري قد يكون جاسوسًا رفيع المستوى يحاول عقد صفقة كبيرة، وأنه -ليو- على وجه التحديد لا ينبغي له أن يكون مع بيلسبري في مكان واحد، وأضاف قائلًا: “ولكني أحب الدكتور بيلسبري للغاية، وهذا كل ما في الأمر”. وعلى الرغم من تلك المشاعر العميقة التي يحملها العقيد ليو نحو الدكتور بيلسبري، فإنه من الغرابة أن نرى تلكما القطبين العالميين يتشاركان مساحة أمسية ثقافية بهذا الشكل. عقيد متقاعد بجيش التحرير الشعبي الصيني يقلب عصا راية القومية الصينية التي يحملها، ويتشارك القوى مع خبير إستراتيجي سابق بالبنتاغون كانت مهمته التحذير من قوة الصين.

في الثلاثاء الأول من شهر يونيو أتى ليو وبيلسبري إلى أحد مكاتب الفورين بوليسي لإجراء مقابلة، وخلال المقابلة سألتهما عن التداخل بين رسالتيهما المختلفتين، فأجاب الدكتور بيلسبري قائلًا: “كل منا يخبر الجمهور المحترم بألا يبخس من تطور وذكاء الطرف الآخر، فرسالتي هي: لا تستخفوا بالتطور والذكاء الإستراتيجي للصينيين”. وأضاف بيلسبري إن كتاب ليو، الذي يضرب في جذور تاريخ الولايات المتحدة حد الوصول إلى التفكير الإستراتيجي لجورج واشنطن، يعد المردود على رؤيته. وأوضح بيلسبري قائلًا: “الكتاب يقول: نحن الصينيون لا ينبغي أن نستخف بالإستراتيجية الكبرى للولايات المتحدة”.

 

ويرى بيلسبري، الزميل البارز بمؤسسة هدسون الفكرية ومدير قسم الإستراتيجية الصينية بالمؤسسة، أن كتاب ليو يضرب في موضوعات ذات صلة بمصداقية الخبير الأمريكي. وقد كتب بيلسبري أنه رصد أول إحالة مكتوبة للرجوع إلى كتابه عن الصين (سباق المائة عام) في كتاب ليو، فوجود ليو نفسه -ورؤيته غير السائدة حول حاجة الصين إلى تهيئة العالم لحدوث سيادة صينية متسقة- يعد دليلًا يبرر ادعاءات بيلسبري حول حاجة الولايات المتحدة إلى إعداد نفسها لمواجهة نموذج صيني عدواني.

لا يشتهر عسكريو جيش التحرير الشعبي الصيني، المتقاعد منهم ومن لا يزال في الخدمة، بالسخاء في تصريحاتهم، وليو نفسه لم يكن يعرض أي نوع من الانفتاح والمصارحة حول نواياه، لكنه كان هناك بسبب صداقته الشخصية مع بيلسبري، ومن أجل المبتغى الجليل في وجود “تعاون وصداقة أمريكية صينية”.

وبدلًا من الإجابة على أسئلتي، اقترح ليو أن يكون لكل منا 10-15 دقيقة يتحدث خلالها، كطريقة لتبادل الآراء. وعندما أوضحت له أن المقابلات لا تتم هكذا، أصر بشدة، ولكن بكل تؤدة، على أن أسأله ثمانية أسئلة دفعة واحدة، والتي بدأ بدوره في التهرب منها واحد تلو الآخر. فعندما سألته عن التقارير المتعلقة بتحقيقات الفساد التي أجرتها السلطات في بكين ضد (قوه بوه شيونغ)، نائب رئيس اللجنة العسكرية المركزية، وهي أعلى هيئة عسكرية بجيش التحرير الشعبي الصيني، قلل ليو من تلك الأنباء واصفًا إياها ب “مجرد إشاعات”. (ومع ذلك، حرص على التعبير عن رأيه في الصحفي الذي أجرى المقابلة معه، فقد قال لي بتسامح بعد أن أصررت على أن يجيب على تساؤلاتي: “أنت شخص جدير بالمحبة”. حتى أنه كتب إهداءً على نسختي من كتابه قائلًا: “(آيزيك) شاب جيد يساهم في العلاقات الودية بين الولايات المتحدة والصين”)

إذن ماذا كان يفعل ليو هناك؟ من الصعب توقع ذلك، وبعد الانتهاء من تخمين الإجابة، وبكل بساطة، كلما اعتقدت الولايات المتحدة أن أشخاصًا مثل ليو يأتون في سلام، تكون حملة الصينيين أكثر نجاحًا. وكان لدى ليو فكرة أراد أن يخبرني بها واعتبرها “مفاجأة”. فقال: “إن جائزة نوبل للسلام تمثل إشكالية كبيرة”. (ولا تزال الجائزة محل جدل في الأوساط الصينية وذلك بعد منحها عام 2010 إلى المعارض الحقوقي الصيني السجين ليو شياوبو). وقد اقترح فكرة منح “جائزة أكثر تأثيرًا” لأي شخص يعمل بشكل أوسع من أجل تطوير العلاقات الأمريكية الصينية. وختم ليو حديثه بابتسامة متملقة بدا متمرسًا وخبيرًا في التعبير بها: “سيكون ثمّة مراسم لتسليم الجائزة، وسيحضر الرئيس الأمريكي وكذلك الرئيس الصيني”.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد