كيف يمكن التمييز بين الأحداث الحقيقية والمُتَخَيَّلة في فيلم «الأيرلندي – The Irishman»، الذي أصدرته شبكة «نتفليكس» يوم 27 نوفمبر (تشرين الثاني) 2019، وهل ينبغي تصديق ادعائه بشأن اختفاء جيمي هوفا، الناشط العمالي البارز في التاريخ الأمريكي؟

يجيب عن هذه الأسئلة وغيرها الكاتب مايكل ويلسون عبر مقالٍ نشرته صحيفة «نيويورك تايمز»، استهلَّه بتحذير القراء من أنّ العرض الذي يقدمه «يحرق» أحداث الفيلم، ما يعني أنك ستكمل القراءة على مسؤوليتك الشخصية.

قال الرجل الذي بات يُعرَف باسم «الأيرلندي» قبل وقتٍ قصيرٍ من وفاته: «أول كلمات على الإطلاق قالها لي جيمي، كانت: سمعت أنك تطلي المنازل». هذا الرجل هو فرانك شيران (روبرت دي نيرو) الأيرلندي الذي مزج بين النشاط في عالم التجارة والقتل لصالح عصابات الجريمة المنظمة. أما جيمي؛ فهو جيمس ريدل هوفا، رئيس نقابة سائقي الشاحنات، الذي ما يزال اختفاؤه في عام 1975 لغزًا حتى اليوم. يُعَقِّب ويلسون قائلًا: «لم يكن الطلاء طلاءً على الإطلاق».

و«الطلاء هو الدم الذي من المفترض أن يتناثر على الأرض عندما تطلق النار على شخص ما»؛ حسبما يوضح شيران في كتاب «سمعتُ أنك تطلي المنازل» (2004)، الذي ألفه المحامي والمدعي العام السابق تشارلز براندت؛ استنادًا إلى مقابلات أجراها مع شيران وهو على فراش الموت، ولم تُنشَر إلا بعد وفاته.

بعد صدور دراما المخرج مارتن سكورسيزي «الأيرلندي – The Irishman» التي طال انتظارها عبر شبكة «نتفليكس»، يرى الكاتب مايكل ويلسون أن الوقت مناسب للتعريف بالشخصيات التي يتكون منها نسيج هذه القصة المزدحمة، محاولًا الإجابة عن سؤال طرحه شيران نفسه في الفيلم: «كيف بدأ هذا الأمر برمته؟».

رواية مشكوك فيها 

الرواية التي يقدمها الفيلم بخصوص ملابسات وفاة هوفا مطعونٌ فيها من وجهة نظر الخبراء المطلعين على تاريخ جيمي ريدل هوفا وعصابات الجريمة المنظمة، ويؤيدهم في التشكيك الصحافيون الذين كتبوا عن القصة.

يمثِّل روبرت دي نيرو دور شيران، وهو من قدامى المحاربين الذين شاركوا في الحرب العالمية الثانية، وكان يعمل سائق شاحنة في ستينيات القرن الماضي، مع وظيفة جانبية، إذ كان يفترض أن يسلم لحوم البقر والدجاج ويبيعها مباشرة إلى المطاعم. وعندما تعطلت شاحنته يومًا في محطة للغاز في ولاية بنسلفانيا، اقترب منه شخص غريب يدعى راسل بافالينو (جو بيشي)، كان لديه ما يكفي من الدراية بشأن المحركات لتشغيل الشاحنة مرة أخرى.

Embed from Getty Images

ورغم أن بافالينو الحقيقي، المولود في جزيرة صقلية، حاول البقاء بعيدًا عن الأنظار في كينجستون- بنسلفانيا، فإن الاتهامات ما فتئت تلاحقه مرارًا بارتكاب جرائم، كما يشير ويلسون.

«لم يُدَن بأي شيء سوى المخالفات المرورية»، وفقًا لمقال صدر عام 1973 عقب اعتقاله. ورُحِّل ذات مرة، لكن عندما رفض وطنه إيطاليا استقباله، سُمِح له بالبقاء في الولايات المتحدة.

يضيف المقال: اشتُهِرَ بأنه الرجل الذي نظَّم ما أصبح يُعرف باسم «مؤتمر أبالاتشين» في عام 1957، الذي ضم قيادات العديد من عائلات المافيا داخل منزل ريفي في ولاية نيويورك لتذويب الخلافات. داهمت شرطة الولاية المنزل، لاشتباهها في النشاط المفاجئ الذي دبَّ في أوصال المنطقة.

وكان الحادث بمثابة ضربة لعصابات الجريمة المنظمة، وضعت المافيا تحت رقابة وكالات إنفاذ القانون، وعلى وجه الخصوص تحت عين ج. إدجار هوفر، مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي، شخصيًّا. لكن ذلك لم يمنع صعود نجم بافالينو خلال السنوات التي تلت ذلك.

يتابع ويلسون: كان معروفًا أن الأشخاص الفاعلين في عالم الجريمة المنظمة في فيلادلفيا، وهي مجموعة أقل بريقًا من نظرائهم في مدينة نيويورك، كانوا يُزْجُون الوقت في حانة «Friendly Lounge»، التي وُصِفَت في السنوات اللاحقة بأنها شيء يشبه «كلية شباب العصابات». وكان مالكها الملقب بـ«Skinny Razor» (الذي يمثِّل دوره بوبي كانافال في الفيلم) بمثابة مرشد للصاعدين حينئذ، حسبما كتب الصحافيون لاحقًا.

وكان الوجه الآخر المعتاد في الأرجاء هو أنجيلو برونو (هارفي كيتل)، وهو زعيم قوي لإحدى عائلات الجريمة في بنسلفانيا وجنوب نيوجيرسي.

في ذروته، كان هوفا (آل باتشينو) زعيمًا غير عادي لنقابة سائقي الشاحنات، أقوى اتحاد عماليّ في البلاد، ورجلًا يتمتع بعلاقات مع عائلات المافيا الرئيسية وزعمائها. لم تكن هذه هي النقابات الاشتراكية المثالية التي يتغنّى بها وودي جوثري.

ففي تلك السنوات خلال منتصف العقد، كان أعضاء نقابة سائقي الشاحنات والنقابات الأخرى ينفذون عمليات تفجير وقتل وإحراق، ويرتكبون كل أنواع جرائم العنف للمحافظة على سلطتهم وتقويتها. ومثل بافالينو، وضع هوفا شيران تحت جناحيه، وأدخله إلى دولاب العمل.

ترفيه

منذ 6 شهور
10 مسلسلات يمكنك مشاهدتها إذا كنت من عشاق «بيكي بلايندرز»

شخصيات «الأيرلندي» من واقع ‌الحياة

قدَّمت علاقة شيران مع بافالينو وهوفا العديد من الشخصيات الداعمة التي لا تُنسى في الفيلم، وكلها مستمدة من واقع الحياة، على حد قول ويلسون، ومنها:

  • هناك جوزيف جاللو «جو المجنون» (سيباستيان مانيسكالكو) حكيم مدينة نيويورك، المعروف بدوائره الاجتماعية رفيعة المستوى، والذي أصبح صديقًا للممثل جيري أورباش بعدما جسد شخصية تستند إلى حياة جاللو في العمل الكوميدي «العصابة التي لا تستطيع إطلاق النار مباشرة». وكان جاللو عضوًا فيما أصبح لاحقًا عصابة كولومبو. في عام 1972، بعد نزاع داخلي، احتفل جاللو بعيد ميلاده مع العائلة والأصدقاء في مطعم «Umberto’s Clam House» الواقع في شارع ملبيري الرئيس في مانهاتن.
    زغرد الرصاص، وتعثر جاللو على الرصيف، ولفظ أنفاسه الأخيرة. وقال شهود عيان إن مسلحًا واحدًا هو الذي أطلق النار. وقالت الشرطة إن ثلاثة مسلحين أو أكثر نفذوا عملية الاغتيال الوقحة، لكن بعض الضباط أشاروا إلى أن ذلك كان حيلة للتخلص من الاعترافات الزائفة والنصائح السيئة، وأن من أطلق النار كان شخصًا واحدًا فقط. وبينما يشتبه في تنفيذ رجال آخرين عملية القتل، قال شيران، في الكتاب، إنه قتل جاللو وحده.

Embed from Getty Images

مسرح جريمة قتل جوزيف جاللو «جو المجنون»، الجريمة التي ظهرت في الفيلم أيضًا

  • كما التقى شيران بأنتوني «توني برو» بروفنزانو (ستيفن جراهام)، وهو «رجل قصير القامة ممتلئ الجسد، يحمل ندوبًا من سنوات شبابه حين كان ملاكمًا هاويًا»، حسبما ورد في نعيه الذي نشرته نيويورك تايمز، ووصف «عالَمه الغامض؛ الذي يضم رفاقًا تكمن مواهبهم في ضرب الرجال الآخرين بالمطارق، وبيع السلام العُمَّاليّ لصناعة الشاحنات، واستخدام الخنق والبنادق، والتوظيف الذكي لمطاحن القمامة ومحارقها لجعل الأعداء يختفون». لكن بروفنزانو وهوفا، اللذين كانا يومًا صديقين، انقلبا بعضهما ضد بعض، وكانا يقضيان فترة عقوبة في السجن ذاته.
  • تتطرق أحداث القصة أيضًا إلى رئيس بروفنزانو، أنتوني «توني البدين» ساليرنو (دومينيك لومباردوزي)، الذي حافظ على قاعدة منزلية في شرق هارلم وكان قَطْعًا مدرسة قديمة. «على عكس زعماء المافيا الشباب مثل جون جوتي، جسَّد السيد ساليرنو أخلاقيات العصابات من الطراز القديم الذي يواجه البريق، الذي قد يجذب الانتباه، بالعبوس»، حسبما ورد في نعي ساليرنو الذي نشرته صحيفة نيويورك تايمز عام 1992.

نهاية قاتمة

يتابع ويلسون: أدين هوفا، في عام 1964، بمحاولة الرشوة والاحتيال في قضايا منفصلة، وحُكم عليه بالسجن، وتنازل عن قيادة نقابة سائقي الشاحنات لأحد الموالين، هو: فرانك فيتزسيمونز (جاري باسارابا). ثم حصل هوفا على إطلاق سراح مبكر في عام 1971؛ شريطة ألا يعود إلى مقعد الزعامة النقابية. ومع ذلك، أوضح بجلاء، وبطريقته اللاذعة المزهوَّة، أنه يريد استعادة وظيفته القديمة، وانطلق لتأمين الأصوات للانتخابات المقبلة. ويعتقد كثيرون أن إصراره في هذا الصدد، والتهديدات للوضع الراهن داخل عصابات الجريمة المنظمة والنقابة، هو الذي قضى عليه.

يرصد المقال حدثًا جمع العديد من هؤلاء اللاعبين في الغرفة ذاتها، ليكوِّن مشهدًا جماعيًّا ملحميًّا في الفيلم، هو: ليلة تكريم فرانك شيران، حيث امتدت مأدبة عشاء فاخرة على شرف الأيرلندي نفسه، في الكازينو اللاتيني خارج فيلادلفيا في عام 1974. تصدَّر الحدث نخبة من الشخصيات البارزة، وامتلأت القاعة برجال النقابة والعصابة، إلى جانب جيري فالي، وبعض الراقصات.

يستذكر شيران الحدث قائلًا: «كان جيمي هوفا هو المتحدث الرئيس، وقدّم لي ساعة ذهبية مُكلَّلَة بالألماس». لكن الجانب السلبي في تلك الليلة كان الإحباط المتزايد من رفض هوفا التنحي. في الفيلم، يحدث ذلك في أثناء حفل العشاء، لكن في رواية شيران، جرت محادثة رئيسية في الليلة السابقة، حول مائدة طعامٍ تشاركها بافالينو وهوفا وشيران في مطعم قريب. لم تجر الأمور كما يُشتَهَى. وفي النهاية، بمرور الأشهر، تلقى شيران الأوامر، كما ورد في الكتاب.

يروي ويلسون أن زعماء العصابة وقادة النقابة كانوا يجتمعون في ديترويت عام 1975 لحضور حفل زفاف ابنة وليام بافالينو (راي رومانو)، على ابن عم راسل ومحامي هوفا. هذا العرس، مثله مثل الأحداث الرئيسية الأخرى التي صورها فيلم «الأيرلندي»، حدث في الواقع، ما يدعم الحقائق الصلبة التي تتجسد فيها قصة شيران غير المؤكدة إلى حد كبير. في روايته، ذهب هو وراسل بافالينو إلى حفل الزفاف مع زوجتيهما.

كان هوفا موجودًا بالفعل لحضور اجتماع، وكان ينتظر – وشوهد لآخر مرة- في مطعم «Machus Red Fox» في بلدة بلومفيلد- ميشتيجان، في 30 يوليو (تموز) 1975. شيران، الذي طالما عد شخصًا مهتمًا بأحداث ذلك اليوم، بحسب روايته، وصل إليه أولًا في مواجهةٍ نهائيةٍ قاتمة. وكما ورد في الكتاب: «اتُّخِذَ قرار طلاء المنزل، وكان ما حدث».

ترفيه

منذ 4 شهور
«ذا فاميلي».. تعرف إلى المنظمة السرية التي تؤثر في سياسات العالم باسم المسيحية

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد