بعد زيارته الأخيرة إلى المغرب، والتي قادته للتعرف إلى دور يهود المغرب قديمًا في تجارة الحشيش، نشر الكاتب «زيف جينيسوف» في موقع تايمز أوف إسرائيل بنسخته الفرنسية، مقالًا عن هذه التجارة، كما تطرق إلى الدور التاريخي لهذا النبات المخدر في الحياة اليهودية الاقتصادية والاجتماعية.

استهل الكاتب مقاله بالإشادة بترحيب المغاربة به، وبالإشارة إلى الوجود القديم لليهود في المغرب، قائلًا: إن «اليهود لا ينفصلون عن تاريخ المغرب، بما لهم من مكانة أكثر خصوصية، بسبب ديباجة دستوره التي تشير إلى «الروافد العبرية» للمكونات المغاربية، إضافة إلى المناصب الوزارية التي شغلها اليهود المغاربة، وما زالوا يشغلونها حتى اليوم، وكان آخرهم السياسي اليهودي «أندريه أزولاي» الذي يعمل حاليًا مستشارًا للعاهل المغربي محمد السادس، كما عمل لوالده من قبل الحسن الثاني».

وخلال جولاته هناك، رتب جينيسوف زيارة إلى فرانسيس، وهو مزارع فرنسي متخصص في زراعة الحشيش بالمغرب، وله خبرة في العمل مع المغاربة لسنوات طويلة، وأخذه في زيارة إلى أراضي القنب بالقرب من قرية «كتامة»، التي توصف بأنها عاصمة «الكيف» في المغرب، وتقع في جبال الريف، وهي سلسلة جبال جميلة في شمال المغرب، حيث تزرع تقريبًا كل إنتاج الحشيش في البلاد.

هل يسهِّل المغرب تجارة «الحشيش» في أفريقيا حقًا؟

وبعد رحلة استغرقت ثلاث ساعات بالسيارة في طريق جبلي، وصل جينيسوف إلى وجهته، وهي عبارة عن فيلا ضخمة على جانب الجبل، يتابع من خلالها زراعة الحشيش وتسويقه.

ورغم أن الفيلا ذات منظر خلاب، فإن صاحبها يشكو من العزلة، نظرًا إلى أنه مطارد على ذمة قضايا تجارة مخدرات، ولا يستطيع التحرك كثيرًا خارجها، وتبدو الفيلا مهجورة، سوى من خمسة إيطاليين، واثنين من البولنديين، وأربعة عمال مغاربة، يشاركونه في أعماله.

ووسط أجواء تفوح فيها رائحة الحشيش، جلس الجميع حول طاولة عليها كيلوجرام من هذا النبات المخدر، وتطرق الحديث بينهم إلى كيف كان يهود المغرب أكثر تجار القنب كفاءة وموثوقية في المملكة، منذ مئات السنين.

احتكار اليهود بيع الحشيش

وقال «جينيسوف»: إن دور اليهود في تجارة الحشيش قديمًا كان يشغل مخيلته منذ زمن، ثم عمقت هذه الزيارة معلوماته أكثر عن هذا الموضوع، حين سمع من «محمود» شقيق زوجة فرانسيس، كلامًا نقله عن والده، عن أن يهود المغرب كانوا أفضل تجار الحشيش في البلاد.

Embed from Getty Images

وحين عاد «جينيسوف» إلى إسرائيل، قابل الدكتور «دورون دانينو»، وهو خبير في شؤون يهود المغرب، والذي زوده بمعلومات أكثر عن هذا الموضوع، وقال دانينو إن «اليهود عمومًا لم يزرعوا القنب، لكنهم حصلوا على احتكار من الملك لبيع التبغ في المغرب، وشمل ذلك إنشاء مصنع لتصنيع الحشيش وتجارته».

ووفقًا لدانينو، كان المزارعون البربر في جبال الريف من المزارعين المهرة، ولكن معظمهم كانوا أميين ويتحدثون اللغة الأمازيغية فقط، ولم يكن لديهم نظام للكتابة حتى وقت قريب، وبالرغم من أنهم عرفوا كيف يزرعون المحاصيل الزراعية، فإنهم لم يتمكنوا من تسويقها في المدن.

وبعد الفتح الإسلامي للمغرب في أوائل القرن الثامن الميلادي، تحدث معظم السكان باللغة العربية، لذلك كان التواصل مع مجتمع البربر الذي يتحدث الأمازيغية صعبًا في بعض الأحيان.

وكان السبب في تفوق اليهود، هو أنهم «كانوا يتحدثون اللغات البربرية مثل «الأمازيغية» و«العامية»، بينما كان العرب في المغرب يتحدثون باللغة العربية، وكان اليهود هم الذين يستطيعون التوسط بين الجانبين، ولذلك كانوا يشترون المنتجات الزراعية من قرى البربر، ويبيعونها في أسواق المدن».

ويضيف دانينو أن مهارات التجارة والاتصال لدى اليهود ساعدتهم مساعدة كبيرة بلا شك، وعلى إثر تفوقهم في هذا المجال قرر ملك المغرب منحهم امتيازًا بالتفرد بتجارة الحشيش في المملكة، وبذلك احتكر اليهود بيع نبات القنب.

حاخامات يوثقون تجارة اليهود للحشيش

لسوء الحظ، والكلام لجينيسوف، فإن هناك القليل جدًّا من الوثائق التي يمكن أن تلقي مزيدًا من الضوء على تفاصيل تجارة يهود المغرب للحشيش، إلا أنه عُثر مؤخرًا على دراسة متأنية للنصوص الدينية التي كتبها حاخامات المغرب في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، والتي تكشف عن معلومات كثيرة حول تورط اليهود في عالم الحشيش والمخدرات في بلاد المغرب.

Embed from Getty Images

في عام 1760، نُشر كتاب «Avnei Shayesh» الذي كتبه الحاخام شاؤول بيتبول، حاخام مدينة «صفرو» المغربية، وطُبع مجددًا في القدس في ثلاثينيات القرن العشرين، وأشار فيه إلى رسوم الترخيص السنوية التي كان يجب على التجار اليهود دفعها للملك كل عام، مقابل سماحه لهم بهذه التجارة، وكانت هذه الرسوم عبارة عن 24 ألف ريال إسباني في العام.

وعلى الرغم من أن عددًا من المصادر الدينية اليهودية أشارت إلى تجارة اليهود للحشيش، فإن أيًّا منها لم يذكر حظر تناول هذه المادة، أو حتى تحريم الاتجار بها، وفي كل الأحوال، يقول «جينيسوف»، إنه من الواضح أن يهود المغرب عرفوا كيف يكسبون المال الكثير من تجارة الحشيش بين المغاربة، إلا أن السؤال يظل مطروحًا، حول مدى تعاطي اليهود هذه المادة المخدرة.

ويجيب الكاتب اليهودي: من المحتمل أن اليهود المغاربة لم يكونوا مدخنين للحشيش بشراهة، لكن بحسب «رافائيل أتياس» الباحث بمركز يهود شمال أفريقيا أن اليهود كانوا يتعاطون الحشيش في مناسباتهم الخاصة، مثل حفلات الزفاف، وبذلك يتضح كيف كان الحشيش جزءًا لا يتجزأ من مجتمع يهود المغرب.

اليهود المغاربة.. إسرائيل تحاول توظيفهم وملك المغرب يسعى لتعزيز أوضاعهم

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد